on
د. رياض العيسمي: الرئيس ترامب والشرق الأوسط
د. رياض العيسمي: كلنا شركاء
لا أعتقد بأن أحداً يستطع أن يتكهن على وجه الدقة ما لذي يمكن أن يفعله أو لا يفعله دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة. فهو لم يتبوأ أي منصب حكومي أو سياسي من قبل. حيث أنه أمضى عمره في مهنة البناء وتجارة العقار التي ورثها عن والده. ولا يوجد سابقة يمكن القياس عليها سوى الرئيس رونالد ريغان الذي امتهن التمثيل السينمائي قبل أن ينخرط في العمل السياسي. لكن ريغان كان حاكما لولاية كاليفورنيا، أكبر ولاية أمريكية، لدورتين قبل أن يفوز بالرئاسة في عام 1980. وأيضا فشل في الانتخابات الرئاسية مرتين قبل أن ينجح في المرة الثالثة. كما وأن شخصية الرئيس الأسبق ريغان تبدو على طرفي نقيض مع شخصية الرئيس المنتخب دونالد ترامب. فشخصية ريغان هي شخصية سلسة وجامعة. وكان لديه قدرة كبيرة على التواصل والعمل مع الأخرين. وكان قد أحاط نفسه بعدد كبير من المستشارين الأكفاء. ونجح في التعامل معهم بالرغم من كل الاختلافات بينهم.
وبالرغم من الصعوبات التي واجهها الرئيس ريغان في بداية عهده، إلا أنه استطاع السيطرة عليها. وكان من أنجح الرؤساء. كما وأصبحت رئاسته مرجعاً للحزب الجمهوري منذ ذلك الوقت. وبالمقابل إن شخصية الرئيس المنتخب دونالد ترامب هي شخصية غير اعتيادية. ويتفق الكثير من المختصين على أنها شخصية نرجسية متقلبة الأطوار. ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله. وكما ظهر في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري والانتخابات العامة لاحقا بأنه شخص هجومي وتصادمي. ولا يتوانى في تقريع خصومه والهجوم عليهم بشكل مباشر وسافر. وهو لا يقبل الهزيمة. ولا يعترف بالخطأ. ولا يعتذر لأحد. ولا يقبل النقد من أحد. وليس لديه حرج في استعداء الآخرين. والمقياس الأساسي لأفعاله هو المقياس التجاري الذي يعتمد على مبدأ “الربح والخسارة“. وهو يعتمد بشكل كبير الأسلوب المكيافللي “الغاية تبرر الوسيلة“. كما ويحاول أيضا أن يصنع الحدث ويحفز وسائل الإعلام على تداوله. فهو يبحث دوما عن الشهرة ويتجلى على المديح. كما ويبحث عن مواقع القوة أينما وجدت ليتمسك بها، ولا يتخلى عنها بسهولة. وهو بهذا لا يختلف عن كل الحكام الديكتاتوريين في العالم. لكنه بالمقابل، وكما قال عنه الرئيس أوباما، بأنه غير عقائدي. فهو براغماتي، وبارع في التفاوض والمقايضة. وهو يدرك بأن الحديث عن تحقيق الإنجازات إثناء الحملة الانتخابية يأتي معظمه ضمن سياق الاستهلاك الانتخابي. وعندما يصبح في موقع القرار تختلف الأمور، ويصبح من الضروري مقاربة الإنجازات من خلال قابليتها للتطبيق.
وبالفعل، وفي خلال أقل من أسبوعين من انتخابه، بدأ ترامب بالتراجع عن الحدية التي تبناها عبر معظم الشعارات التي أطلقها إثناء حملته الانتخابية. حيث تراجع بعد زيارته إلى البيت الأبيض ومقابلة الرئيس أوباما عن إلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية بالكامل، والاكتفاء بتعديله فقط. وأيضا تراجع عن الترحيل الفوري ل 11 مليون مهاجر غير قانوني. وبدأ يتحدث الآن عن ترحيل ما يقارب 3 ملايين منهم فقط. ويقتصر هذا العدد على الذين تمت إدانتهم بارتكاب جرائم ومخالفات قانونية. وأيضا تراجع عن طلب تسجيل كل المسلمين في الولايات المتحدة والقادمين إليها بغرض مراقبتهم. بل اكتفى بالحديث عن تسجيل القادمين إليها من دول تحتضن الإرهاب والتطرف وتتواجد فيها داعش والمنظمات الأخرى المصنفة على قائمة الإرهاب. وأيضا تراجع عن إلغاء الاتفاقية التجارية لدول أمريكا الشمالية المعروفة باسم “نافتا” بالكامل، وإنما إعادة مناقشتها. وبهذا عاد إلى التموضع حول الوسط بعد أن جنح إلى اليمين إثناء الانتخابات التمهيدية وإلى يسار الوسط وحتى إلى اليسار في الانتخابات العامة وبما ساعده على استقطاب المستقلين والمترددين من الديمقراطيين في تأييد كلينتون. وكذلك المتمردين من أنصار بيرني ساندرز ممثل الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي.
وهذا باعتقادي ما أوصله إلى الرئاسة. وهو ما يمكن أن يعطيه أيضا فرصة للنجاح فيها. خاصة وأنه بدأ بالتواصل مع خصومه واستقطابهم من موقع القوة. ومنهم تد كروز المحسوب على اليمين المحافظ، والذي نافسه في الانتخابات التمهيدية. والذي يمكن أن يرشحه لاحقاً لعضوية المحكمة العليا لملء الفراغ الذي حصل بوفاة القاضي العريق انتوني سكيلييا. وأيضا قابل ميت رومني المرشح الجمهوري المعتدل الذي خسر الانتخابات الرئاسية الماضية في عام 2012 أمام الرئيس أوباما. ومن المرجح بأنه سيختاره لمنصب وزير الخارجية. كما واختار نيكي هيلي حاكمة ولاية ساوث كارولينا من أصول هندية لتكون ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بالرغم من أنها دعمت منافسه ماركو روبيو في الانتخابات التمهيدية. كما ويعلم ترامب بأن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات تعتمد على فصل وتوازن السلطات الثلاثة التي تنتجها العملية الديمقراطية. وليست كالشركات التي يملكها هو ويديرها بنفسه مع أشخاص ينتقيهم كما يشاء ليقدموا له الاستشارة. وبحيث يبقى القرار الأخير قراره. ولهذا إذا ما أراد أن ينجح في رئاسة الولايات المتحدة لابد له أن يضع هذه العقلية جانبا طالما هو في البيت الأبيض. وأيضا لا بد له من تغيير سلوكه الفوقي والغير منضبط كي ينسجم مع الطبيعة الديمقراطية في الولايات المتحدة وبما يتطلبه موقع رئيس الولايات المتحدة من مرونة سياسية ومواصفات اعتبارية. وإذا ما أفلح في ذلك أعتقد بأنه يمكن أن يحقق الكثير من الإنجازات خلال فترة رئاسته، على الأقل خلال أول عامين منها. والتي يمكن لها أن تضاهي إنجازات الرئيس ريغان. وأن يصبح قائداً لحركة إصلاحية جديدة في الحزب الجمهوري كالتي قادها ريغان بعد انتكاسات الحزب الجمهوري بفضيحة واترغيت التي أجبرت الرئيس نيكسون التخلي عن الرئاسة لنائبه جيرالد فورد. والذي اتصفت فترة رئاسته بالضعف والتراخي وقلة الإنجازات. وفرصة ترامب للنجاح هذه تتأتى من شخصيته المثابرة والواثقة. فهو طموح ويحب البروز وتحقيق الإنجازات الكبيرة. وأيضا لتمتع حزبه الجمهوري اليوم بأغلبية كبيرة في مجلس النواب (بزيادة 32 عضوا)، وأخرى مريحة في مجلس الشيوخ (بزيادة 4 أعضاء). وفي هذه الحالة يمكن له أن يمرر الكثير من القرارات على الصعيدين الداخلي والخارجي بمساعدة الجمهوريين وأعضاء آخرين من يمين الحزب الديمقراطي.
ولهذا أعتقد بأن ترامب سيجد نفسه مضطراً للتنسيق والتعاون مع أعضاء حزبه في الكونغرس، وألا يتجاوزهم. وإلا سيجدهم جاهزين للتعاون مع الديمقراطيين لإزاحته عن الرئاسة بشكل قانوني. والذين لن تكون مهمتهم في هذه الحالة بالصعبة بسبب كثرة القضايا القانونية المثارة ضده، والتي يمكن استخدامها لإزاحته. خاصة وإن إزاحته تفتح الطريق أمام نائبه مايك بين، الذي يُعتبر وحداً من المؤسسة الجمهورية. والتي كانت تتمنى لو كان هو مرشحها للرئاسة بدلاً من ترامب. إلا أنه تبين بأن ترامب استراتيجي متمرس ولديه رؤية. فهو يحاول دوما رفع سقوف التفاوض أمام خصومه ليعود ويخفضها ليلتقي معهم من موقع القوة في منطقة الوسط المُفترض. والتي هي بالحقيقة تكون أقرب إليه منها إليهم. وبهذا يخرج هو بمثابة الرابح الحقيقي، ويضعهم في موقع يظهرهم على أنهم غير خاسرون. لا شك بان مقاربة كهذه يمكن أن تساعده على تحقيق العديد من الاختراقات في التفاوض مع الصين في مجال التجارة الحرة. ومع الاتحاد الأوربي بخصوص ميزانية حلف الناتو والالتزامات المالية للدول الأعضاء. وكذلك مع روسيا حول دورها المستقبلي. كما ويمكن أن يحقق الاختراق في الشرق الأوسط الذي استعصى على كل الرؤساء الذين سبقوه منذ هيري ترومان. على الأقل، يمكن له أن ينجح أكثر من الرئيس أوباما العقائدي. والذي ألزم نفسه بقيود لم يستطع التراجع عنها. حيث كان قد فرض على نفسه عدم استخدام القوة العسكرية وعدم الدخول في أي حرب مهما يكن الأمر إلا إذا تعرض أمن الولايات المتحدة للخطر المباشر. وهذا مما أوحى لخصومه المُفترضين وخاصة الروس والإيرانيين والنظام السوري بأنه باستطاعتهم تجاوز الخطوط التي تضعها الولايات المتحدة دونما رادع يؤثر عليهم.
كما والتزم بالتعهد الذي قطعه على نفسه بالانسحاب من العراق في الموعد الذي حدده تاركا بذلك فراغا ملأه الإيرانيون والميليشيات الشيعية التابعة لها. وفسح المجال أمام داعش للسيطرة على أجزاء من العراق وسورية. ولهذا مهما فعل ترامب في الشرق الأوسط فلن يكون أسوء مما فعله أوباما. الذي أطالت سياساته أمد الأزمة السورية. والتي تحولت إلى كارثة استنزفت كل الأطراف إنسانيا وسياسيا واقتصاديا، بما فيها الولايات المتحدة نفسها. وكما قال دينيس روس المبعوث السابق إلى الشرق الأوسط بأن الأوضاع هناك وصلت إلى حد لم يعد يمكن معه الانتظار. لقد حاول الرئيس أوباما أن يحقق شيئا مختلفا عن بقية الرؤساء الأمريكيين. لكنه لم يفلح في ذلك. فهل يستطيع ترامب المختلف عن كل الرؤساء الأمريكيين أن يحقق في الشرق الأوسط ما لم يستطيعوا جميعهم تحقيقه. لقد أبدى ترامب هذه الرغبة وكررها أكثر من مرة منذ انتخابه رئيسا.
إلا أن التجارب علمتنا بعدم الجزم بأي شيء عندما يتعلق الأمر بمدى فاعلية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. والتي هي محكومة بتدافع العديد من القوى المتجاذبة والمتنافرة في السياسة الأمريكية للشرق الأوسط وداخل دائرة صنع القرار، والتي انعكست بشكل أو بآخر على سلوك الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولكن ما يمكن تأكيده هو بأنه إذا ما أراد الرئيس المنتخب ترامب تحقيق نتائجا مهمة وملموسة لمواضيع معقدة ومتشابكة في المنطقة يتطلب منه وضعها كأعلى مهمة على جدول أولوياته الرئاسية. وأن يوفر لها كل مقومات النجاح وألا يقع في نفس المطب الذي كان قد وقع فيه الرئيس أوباما. الذي امتلك الرغبة والرؤية للتغيير في الشرق الأوسط. لكنه لم يستطع توفير الآلية المناسبة لتحقيقها. ولهذا فإن نجاح المفاوضات بين الإسرائيليين سيتطلب من ترامب أكثر بكثير من مجرد إشراك صهره جاريد كوشنر اليهودي الأصل في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. والتي قال بأنه سيسعى إلى عقدها فور استلامه السلطة. وهو على ما يبدو عازم على تحقيق اختراق في هذا المجال. فهو بلا شك سيكون حدثاً كبيراً يتناسب مع شخصيته. إلا أن الحكم على نجاحه من عدمه سيبقى مرهونا بالنتائج حين حصولها.
اقرأ:
د. رياض العيسمي: قراءة متأنية في انتخابات الرئاسة الأمريكية
Tags: مميز