on
عبدالله النجار: انتصرَ الطّالباني في سوريَة…
عبدالله النجار: كلنا شركاء
كانتْ عودةُ النظامِ إلى عفرينَ الأسبوعَ الماضي ، مشهداً واقعياً بامتياز ، فإعلانُ تواجدهِ في المدينةِ التي لم يغادرْها أصلاً ، ورفعُ علمهِ فيها ،الذي ترافقَ مع كلماتِ الكادرِ ” الأبوجّي” وهو يقول (( والعاجل واستلام النقاط الأخرى لتأمين أمان السكان المدنيين )) ، كانَ مُعبراً عن حقيقةِ ماجرى ، بالرغمِ من حضورِ سيارتين عسكريتين روسيّتين ، كان لابدّ منهما لاكتمال المسرح.
فقرابةُ خمسِ سنواتٍ ، بين تسليمها لحزب العمال الكردستاني ، الذي جرى في تموز2012 ، وإستردادِها منه في أيار 2017 ، كانت بحاجةٍ إلى هذا الإخراج ، لأن مابينهما آلافُ الضحايا ، وعدةُ اشتباكاتٍ مفتعلةٍ بين الجانبين ، راح ضحيتَها العشرات.
قدْ يظّنُ البعضُ أنّ الحزبَ قد تعرضَ لخيانةٍ ما من قبلِ النظام ، وهو ظنٌ في غيرِ محلهِ ، فالحزبُ ممتنٌ جداً لقبول خدماته ، وهو كان متيقناً تماماً من حلولِ هذه السّاعة ، لا بلْ عملَ بجدٍ لأجلها ، وقبضَ الثّمن ، ملياراتٍ أُودعتْ مغاورَ قنديل ، بعد أن كان الحزبُ يشارفُ على الإندثارْ ، ودورٍ حيويٍ جديد ، بعد أن كادَ يُنسى تحت وطأةِ الضّرباتِ التّركية ، في الخريف والربيع.
عفرينُ ومن قبلِها منبج ، تليها تل أبيض ، ثم الدرباسية فعامودا ، والمالكية ، وأخيراً عين العرب ، سوفَ تعودُ لحضنِ الوطنِ الأسدي ، بطريقةٍ أو بأخرى ، بعد أن أدّى الحزبُ دوره الرّهيب ، لينتقل إلى مكانٍ آخر ، ومهمةٍ أخرى.
دخولُ الجيشِ الحرّ إلى مدينة حلب وريفها ، كان السببُ الذي دفع النظام إلى تسليم مواقعه للعمال الكردستاني آنذاك ، وعودتُه إلى حلب الآن ، تعني بالضرورةِ عودة الأمور إلى ماكانت عليه قبل ذلك.
ففي اللّحظة التي كان الحزبُ ينزلُ علمَه من عفرين ، كان يرفعُه في كركوك ، أما حديث هدية يوسف لصحيفة الغارديان عن ممرٍّ نحوَ البحر ، فهو لذرّ الرّماد في العيون ، ومشابهٌ تماماً لحديث “رضا التون” القيادي في PKK عن عودةِ الحزبِ إلى قتالِ تُركيا ، بينما يتحدث عن انتهاء الدور السياسيّ لحزب البرزاني PDK ، وإلا فمامغزى حديث رئيس أركان الجيش الأمريكي عن أنّ واشنطن ملتزمةٌ بحماية إقليم كوردستان في المرحلة التي تلي انتهاء تنظيم داعش.
كان عبدالحميد درويش – حليفُ الرئيس العراقيّ السّابق جلال طالباني – آخر العائدين من دمشق ، فالرّجل الثمانينيّ الذي قيل أنه كان يجري عملية جراحيةً في دمشق ، يبدو أنه هو من وضع الرّتوش النهائية على المشاورات ، وليس المفاوضات ، فهو الخبيرُ بمفاصلِ الحركةِ السّياسية الكردية ، ونقاطِ قوّتها وضعفِها ، والمطالبِ الحقيقيةِ التّي تسعى لتحقيقِها ، حتّى وإنْ بدا سقفُها مرتفعاً جدّاً.
وبهذا يكون الطّالباني قد ردّ الجميلَ للنظام ، غيرَ أنّ ثمن جوازِ سفرهِ السّوري الذي ظلّ يتنقل به حتّى سقوط بغداد ، كان مرتفعاً جداً ، مثلما هو الحال مع تكاليف مؤتمره التأسيسي للاتحاد الوطني الكردستاني الذي عقده في دمشق عام 1975.
فالإدارةُ المحليةُ مقننةٌ لدى النّظام ، وضمُّ بعض الكوادر السوريين من حزب العمال الكردستاني كضباط شرطة محليةٍ ليس مشكلةً لديه ، بل على العكس ، يمكن أن يرفده بمئاتٍ من المقاتلين الجدد هو بأمس الحاجة إليهم.
كما أنّ بابَ ترخيصِ الأحزابِ مفتوح ، فالاتحاد الديمقراطي PYD ليس حزباً قومياً ولادينياً حسبَ نظامهِ الدّاخلي وبرنامجه السّياسي ، ومايسعى إليه يتماشى تماماً مع القوانين والأنظمة المعمولِ بها لدى النظام.
تكثيفُ الحصار على حلب ، ونجاحُ الحزب بقطعِ طريق الكاستلو في آب الماضي ، الذي لولاه لماسقطت حلب حسبَ شهادات الكثيرين ، بمافيهم معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، تزامن مع اشتباكاتٍ في مدينة الحسكة آنذاك ، استخدم فيها النّظامُ لأول مرةٍ الطائرات ضدّ مواقع الحزب ، ولم تحسمها إلا أوامرُ قنديل ، المتّسقةُ تماماً مع الخطّة الإيرانية المتفقِ عليها مع النظام ، فكيف يستوي لعاقل ، أن يوفق بين قتالٍ في الحسكة ، وتعاونٍ في حلب!
وهنا لابدّ أن نعترفَ بأن المُخطِّطَ الاستراتيجيّ لدى النظام ، كان حاذقاً عندما استجلبَ مقاتلي حزب العمال الكردستاني PKK من قنديل ، وسلّمهم الحدودَ مع تركيا ، بهدفِ استثارةِ مخاوفها ، وكبحِ جُماحِ توجهاتها الداعمةِ للثّورة السّورية ، وتحويلِها من الهجوم إلى اتخاذ وضعية الدفاع عن أمنها القوميّ ، وقد نجح في ذلك إلى حدٍّ كبير.
كثيرون أولئك الذين خُدعوا بالحزب ، فصفّقوا وهلّلوا له ، عند كلّ خطوةٍ كان يتقدمها ، فبضع شعاراتٍ حادّةٍ ، كانت كافيةً لاستجرار تعاطفهم وتأييدهم ، وليس آخرهم اولئك الذين راهنوا على محاولات التقريب بينه وبين الجيش الحرّ.
حزب العمال الكردستاني لم يشارك بالثورة أبداً ، ولم يعترف يوماً بها ، مثلما لم يعترف بالجيش الحرّ ، وهو ينظر إلى كل فصائلها من منظار النظام ، فكلها إرهابية وسلفية ووهابية حسب تقديره.
كما أنه لايعادي النظام ، ولم يدعُ إلى إسقاطه أو حتى إصلاحه ، لا بل إن قيادييه يعتبرون جيشه وطنياً ، ويرحّبون به باستمرار.
بقي أن نعترف أخيراً ، أنه وخلال عقوده الأربع ، تمكن النظامُ من انتقاء حلفاءَ أوفياءَ جداً ، فهم جاهزون لبذلِ الأهلِ والمالِ في سبيله ، ومستعدون لتجييرِ كلّ إمكاناتهم الإيديولوجية والعقائدية للمحافظة على بقائه واستمراره.
Tags: محرر