on
منذر حرفوش:رسائل الحياة رغم الحرب
منذر حرفوش: حمص (العدية)
بعد حصار مطبق على مدينة حلب أقدم مدن العالم وأعرقها ،وغزو فارسي ،فرضته مرتزقة الأسد ،وحزب الله اللبناني ،وميليشيات إيرانية شيعية دموية جاءت من كل أصقاع الأرض ،وقصف جوي روسي خلف دماراً لدرجة لا يتحملها بشر،وأمام منع دولي لكل وسائل الصمود والمقاومة عن الشعب الثائر لحريته ،انتصر غزاة الأرض هاجانا العصر وأقاموا حفلة عارهم على بقايا مدينة عشق أهلها الحياة فتخضبت بدمائهم.
حاول المحتلون تعطيل مفاوضات فرضت بالأساس قسرا لأجل إنقاذ من تبقى في حلب الشهباء بغية تنفيذ وصايا ملاليهم من إمامهم الغائب في سردابه بقتل أهل السنة كي ترضى روح الحسين وزينب.
في هذا المشهد المأساوي وبينما تخنق صور الضحايا والدمار أنفاس العالم المتخاذل المشترك في سلخ الضحية ،تجمّع الأبرياء المهجرون قبل إخراجهم ليرسموا على ما تبقى من جدران مدينة عشقتهم أحلامَهم وأفكارهم وآمالهم وواقع صمودهم وحبهم للحياة.
1- وقف ذلك الرجل على باب أحد المراكز الاجتماعية قبل مغادرته وقد كتب على لوحة علقت إلى جانب الباب ” انتبة !! لا تخرّب !! هنا يوجد أشياء يستفيد منها أطفالك ” وختم رسالته بالتوقيع 15.12.2016 حلب / سوريا ( حرية ) يخاطب بهذا عدوه الذي حاول قتله واستطاع تهجيره وطرده من بيته ومدينته ولكنه يتحدى عدوه في قدرته على إبقاء حسه الإنساني حيا متقدا حيث افتقده لدى ذلك العدو المشبع بروح الجريمة المدفوع بإيديولوجية الكراهية والتسلط ,فلم يكن الإعلان عن وجود أشياء يفيد منها أطفال القاتلين الغزاة هو مضمون الرسالة لأن الغزاة سيدخلون ذلك المكان ويجدون فيه ما تركه المبعدون ولكن خاتمة الإعلان :(حرية) هو محور الرسالة وهدفها وهذا ما يريد الرجل إيصاله الى هؤلاء الغزاة الذين ما جاؤوا إلا للقضاء على ذلك الهدف الذي دفع الشعب السوري ثمنه دما ودمارا وتشريدا ،فهو تحدٍّ للقاتلين من العسير عليهم مواجهته.
2- وفي لوحتين منفصلتين تظهر امرأة شابة مع زوجها في مشهدية واقعية تجري فيها دماء المحبة ورقي الحس الإنساني لديهما ,ففي اللوحة الاولى تظهر المرأة الشابة وهي تسند رأسها على كتف زوجها وتحمل بيدها علبة الطلاء (في استعادة رمزية لما كان يقوم به نشطاء الثورة إذ يكتبون بها شعاراتهم على الجدران) وهما ينظران الى جدار مبنى شوهته القذائف وقد كتبت عليه عبارة من أغنية مشهورة للمغنية اللبنانية ( فيروز ) :” راجعين يا هوا ) مع تاريخ آخر يوم لوجودهما في مدينة حلب
لا ترسل المرأة تلك العبارات لحبيبها – زوجها لأنهما سيخرجان معاً ولكنها ترسلها الى مدينتها التي ولدت وكبرت وعشقت فيها والى أولئك القتلة الذين أخرجوهما من عشهما ,فهي لا تملك القدرة على التحدي إلا بذلك الحب الذي تحمله والتي استطاعت أن تبوح به وتعلنه على جدار بناء تهدّم مستندة على زوجها الذي يحمل بندقيته على كتفه الآخر في حركة متناغمة بين الإصرار على الرجوع وبين البندقية.
وفي اللوحة الثانية يظهر الشابان وهما يلتقطان لنفسيهما صورة وخلفهما على جدار بناء كتبت عبارة ” إلى من شاركتني الحصار : بحبك ” وكتب تحتها تاريخ اليوم 15.12.2016
وهنا لا يخلو المشهد من تناغم بين احتضان الرجل زوجته بيد وباليد الاخرى كاميرا وثقت سنوات الألم ليتوقف زمنهما عند تلك اللحظة بينما عيناهما اللتان تشعان بالأمل تنظران الى عدستها بثبات وخلفهما تتجسد سنوات يتشاركان فيها قسوة الحصار وبشاعته وتغيب البندقية عن الصورة وعما كتباه على الجدار.
قد يظن المرء للوهلة الاولى أن المرأة الشابة وزوجها يتبادلان الرسائل الغرامية عبر الكتابة على الجدران ولكن الحقيقة أنهما لا يحتاجان الى تلك الرسائل فهما معا وسيخرجان مع عشرات الآلاف المبعدين قسرا عن مدينتهم ولم يكونا بعيدين عن بعضهما سابقا في السلم والحرب فهي التي شاركته الحصار،ووقفتهما أمام عدسة الكاميرا تدل على استقرار الحب والمصير في قلوبهما.
سيقرأ الغزاة المحتلون لأرضنا رسائل الحياة رغم كل الآلام ،ولن تقهرهم في تلك الرسائل إلا إلى كلمتين محوريتين ( راجعين و الحصار ) لأن طبيعتهم الدموية لا تشعر بالحياة ( راجعين ياهوا , وبحبك ) ولا يهتمون بها ،فأرواح القاتلين لا تحركها تلك المعاني.
Tags: مميز