مداخلة د. سميرة مبيض في ندوة المرأة السورية، المجتمع والنظام والثورة

وليد غانم: كلنا شركاء

ضمن ندوات حوارات سورية بمشاركة السيدات: سعاد خيبة، د. سماح هدايا، غيداء العودات،  نجلاء  الشيخ

أدار الحوار الأساتذة: أحمد العربي وهيثم الخوري.

اختلاف منهجية التفكير بين الرجل والمرأة أمر مثبت وهو نتاج طبيعة التطور الوظيفي لكل منهما تبعاً للدور الذي اسند له خلال تاريخ البشرية فقد لبث دور الرجل لعصور هو الصيد والحصول على الفرائس وتحديد حدود منطقة نفوذ المجموعة في حين كان دور المرأة هو تأمين استمرار الحياة في فترات الأزمات اعتماداً على قطف الثمار بالإضافة لدورها الهام في صناعة الأدوات التي ساهمت في تحسين حياة المجموعة. فإذا أسقطنا ذلك على حياة المجتمع نجد أن التوازن السليم في ادارة المجتمع ستعتمد بشكل رئيسي على التوازن بين الفكرين أما الاعتماد على الفكر الذكوري بمفرده فستؤدي الى الفردية و تكريس روح المنافسة و يتناقص فيه تدريجياً حس التعاون و المشاركة و التكافل في دعم تفاصيل الحياة اليومية المعاشة و غير ذلك مما يتسم به منهج فكر المرأة غالباً و يبتعد بهذا عن التوازن السليم.

كما تشير بعض البحوث المعنية فان دور المرأة ازدادت أهميته ضمن المجتمع مع تطور الانسان و انتقاله من البيئة التي يحتاج فيها النجاح الى القوة البدنية الى البيئة التي يحتاج فيها النجاح الى الذكاء، على عكس القوة فان الذكاء متوزع بشكل متساو بين الجنسين وهذا ما سمح بتطور اجتماعي للمرأة في حين أن المنظور النمطي في هذا السياق أصبح معاقاً وغير مواكب لتطور الإنسانية الحالي .

بناء على ذلك بإمكاننا اعتبار وضع المرأة في مجتمع ما مؤشراً على مقدار التزامه بالحقوق الإنسانية الأساسية و مؤشر على أي خلل فيها، و بمقارنة بين المجتمعات المتقدمة و تلك النامية نجد أن أكثر المقاييس وضوحاً هو وضع المرأة و مقدار فعالية في المجتمع وهو ما يميز هذه الدول التي استندت في بنائها بشكل كبير على هذا التوازن بعد ثوراتها الفكرية و التحضرية.

بغض النظر عن النسب البرلمانية والتمثيلية لكن المرأة في هذه المجتمعات فاعلة و تساهم بتأسيس المجتمع من قاعدته الى أعلى المراتب.

لنأخذ الأمثلة المعاكسة والتي لا تختلف نظرة الطغاة و توجهاتهم ضمنها فهي تسعى لتجميد المجتمع المدني، و ما من أداة أنجع و أقوى لتشويه مفاهيم الحياة إلا باستهداف المرأة التي تمتلك مفاتيح مستقبل أي مجتمع عبر نشأة أجياله.

في دول النظم المستبدة كما هي حال سوريا يمكننا أن نميز زمنين زمن الاستبداد المستقر وضمنه  الهدف الأول هو تجميد فعاليات المجتمع عامة و من ضمنها التواجد الحيوي للمرأة، ففي هذه المرحلة مسموح فقط كل ما يخدم تمكين المطامع السلطوية، و بذلك يكون أي اصلاح اجتماعي مرتبط بحقوق المرأة أو غيرها بعيد المنال.

أما زمن الأزمات التي تهدد هذا الاستبداد فيصبح التطرف السلطوي هو السائد و ضحيته المجتمع المدني كاملاً و من ضمنه المرأة و أشير هنا الى تفاقم حالتين اجتماعيتين يعكسان الصورة التي تدفع لها المرأة من قبل التطرف السلطوي و هي مظاهر العسكرة النسائية و تضمنت تطويع العديد من الفتيات في ميليشيا ما يعرف بالدفاع الوطني  و اختيار زوجات وأخوات جنود قتلوا في صفوف قوات النظام مستغلين حالتهم هذه للزج بهم في تدريبات قتالية و تجنيدهم لاحقاً في صفوف النظام كما تواجدت هذه الظاهرة بقوة في قوات الحماية الكردية و كلاهما استخدم صورة المرأة الحاملة للسلاح بشكل دعائي  لكسب الدعم الغربي بشكل خاص و الظهور بمظهر المحارب للتطرف و تم استخدام المرأة كأداة ضمن هذه النظم العسكرية.

الظاهرة الثانية هي شيوع الانحلال الأخلاقي و شبكات المتاجرة بالفتيات و غير ذلك مما تقع النساء السوريات اليوم تحت وزره بشكل كبير زاد فيه انتشار البطالة و تراجع أهمية العمل و العلم.  

بالانتقال للتطرف الديني، و الذي يخالف الأول بالقالب الخارجي فقط و يوافقه بالمضمون  تماماً و لنأخذ داعش مثالاً فالدور الذي تهيأ له الفتيات الصغيرات في مدارس مخصصة لغسيل أدمغتهم لا يقل خطورة عن ما سبق و هو دعم الجهاد وخدمة داعش والطاعة لها بالإضافة الى تحضيرهن للزواج من الغرباء المقاتلين في الدولة و احتجازهن فعلياً لضمان عدم خروجهن من هذا الجحيم.

النظم القائمة على أي تطرف ديني هي مبنية أساساً على اضعاف وجود المرأة، ان لم يكن إلغاؤه كلياً من الحياة العامة تحت حجج واهية تعتمد على تفسيرات مشوهة قصداً للتشريعات ضحيتها الاولى هي المرأة ولا انفصال بين النظم الاستبدادية والاستخدام المشوه للدين كأداة للسيطرة و التوجيه.

فإعادة وضع سوريا على المسار الطبيعي لتقدم الشعوب يتضمن بشكل رئيسي معالجة هذه المظاهر في المستقبل السوري بهدف العودة بالجميع للحياة الطبيعية و للمرأة خصيصاً لأنها هي القادرة على إعادة الأمور لنصابها و هي المسؤول الأول عن تنشئة الأجيال.

لكن هل استطعنا تجاوز هذه العوائق في صفوف المعارضة و هل بإمكاننا اعتبار صوت المرأة المعنية بشكل كبير ممثلاً بشكل كافي، الجواب هو لا لغاية اليوم وأهم الأسباب هي:

رأينا حديثاً محاولات لتجاوز هذا النقص عبر تشكيل هيئات رديفة أو توسيع الكيان الأساسي لضم عدد أكبر من السيدات ضمنها و لغاية الآن لم تعط هذه المحاولات نتائج إيجابية سواء بالمجلس الاستشاري للمبعوث الأممي و الذي جاء بعيداً عن واقع المرأة السورية ثم تجربة اللجنة الاستشارية النسائية للهيئة العليا للمفاوضات و هي تجربة تعكس بوضوح فشل تأسيس دور حقيقي ولو كان استشارياً للمرأة ضمن هيئة يفترض أنها تفاوض باسم السوريين، جميعهم لكن تشكيل هيئة استشارية جاءت محاولة صورية مضللة لأنها لم تتضمن أي مشاركة فاعلة للمرأة.  تبع ذلك أيضاً محاولات الائتلاف إعطاء المرأة دور أكبر في صفوفه لكن أدى التخوف من عدم وجود مساحة حقيقية لصوت المرأة ضمن هذا الكيان الى انكفاء العديد من السيدات في الانضمام بشكل فاعل لهذه الخطوة.

لكن ذلك لا يعني توقف هذا المسار بل على العكس يعني التأكيد على أهميته و معالجة أسباب شلله فدور المرأة يعتمد اصلاح في المفاهيم المغلوطة الاجتماعية و الدينية التي لا زالت تسيطر على المجتمع السوري و هي علاقة متبادلة حيث ستلعب المرأة دور أساسي في هذا الاصلاح و يعتمد تفعيل دور المرأة أيضاً على تطوير الأداء السياسي السوري الحالي للمعارضة و هي هنا أيضاً علاقة متبادلة حيث ستلعب المرأة دور هام في هذا التطوير.