on
مهدي محمود: الديمقراطية الأمريكية تقود ترامب أم هو يقودها!!
مهدي محمود: كلنا شركاء
أعادت الانتخابات الأمريكية إلى الذاكرة، كلمة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الحاصل على جائزة نوبل للأدب لعام 1953والذي تم اختياره كواحد من أعظم مائة شخصية بريطانية، فقد وصف الديمقراطية بأنها: الديمقراطية هي أسوء نظام حكم عرفته البشرية!!
ويوم يكتشف العالم حقيقة الديمقراطية الأمريكية التي أخرجت أخبث ما عندها من ثمار، رئيس الكراهية يتقدم الصف الأمريكي، صاحب النزعة العرقية العدوانية العنصرية يقود العالم، والذي وصف بالسطحي والغوغائي والوقح والمتعصب، والذي يفوق عناده عناد الأمريكيين أنفسهم، وصلت هذه الماركة من البشر إلى رئاسة العالم عبر صناديق الاقتراع، وعلى أرض دولة تعد نفسها نتاج التطور البشري، وخلاصة التجربة الإنسانية، لنجد أن هذه الدولة العظمى نحت منحى العشائر والقبائل البدوية، وكان الفرق الوحيد بينها وبين تلك العشائر البدائية، هو وجود مؤسسات الدولة التي تحمي هذا الجنون العنصري، فقد كان وصول رئيس أسود إلى سدة الحكم كفيل في كشف وفضح انتشار النزعة العرقية والتمييز العنصري في الشارع الأمريكي، مما ساعد على استنفار وتهييّج العرق الأبيض وقبوله بترامب الذي يمثل أصالة العرق الأبيض، وذلك بهجومهم ألا مسبوق على الحزب الديمقراطي الذي لا يعرف الأصول فهو لا يفرق بين الأبيض والأسود، ولا يفرق بين الذكر والأنثى، إنها الديمقراطية الأمريكية التي أصبحت وسيلة من وسائل التفرقة العرقية والتمييز العنصري، حيث رضيت هذه الديمقراطية بأن تساوي بين العالم و الجاهل، والمعتدل والمتشدد، والمثقف والجاهل، وسمحت لمجموعة من الجهال واللامباليين باتخاذ قرارات مصيرية، قد تهلك أمة بكاملها، وأعانتهم على مصادرة الحكمة والدراية والمعرفة والخبرة، باسم الأغلبية، على ما تعانيه الأغلبية من نقص معرفي وخبرة عملية، الديمقراطية جميلة عندما تكون بين الأقران كطلاب الصف الواحد، حيث تكون هذه الفئة متقاربة فكرياً وعقلياً ونفسياً، أما أن يترك مجتمع جاهل يحدد مصير أمة، فهذا وكما قال تشرشل: الديمقراطية أسوء نظام حكم عرفته البشرية، ففي أثناء الحروب والصراعات الطائفية “تطفو مشاعر الثأر والانتقام والتشفي”، وقد يغيب العقل تماماً، عدا عن أن الديمقراطية الأمريكية التي لا تقوم على القناعة، بل على سلطة المال حيث يكون المال وسيلة من وسائل الإخضاع بين “الترهيب والترغيب”، وما كان شراء الأصوات إلا آفة من آفات قوانين الانتخابات، ذلك أنها تدخل ضمن حرب الاخضاع، وهذا مسموح به كما أن الممرات الإنسانية التي يفرضها مجلس الأمن في سورية مسموح بها، والتي في حقيقتها ممرات الإخضاع وإذلال بوصفها دوافع تسلط وقهر وليست دوافع إنسانية وتصالحية حقيقية.
وكما كانت هذه الممرات اللا إنسانية صاعقة للإنسانية جمعاء، كذلك كان نبأ فوز ترامب صاعقة للإنسانية جمعاء، حتى أن عيون بعض المسؤولون الأوروبيون كانت يائسة وقال أحدُهم إن:” العالمَ ينهارُ أمامَ أعينِنا، وآخرُ وصفَ ما جرى بالصدمةِ الكبرى، وثالثٌ منهم تقبلَ الأمرَ فقال إن ذلك ليس نهايةَ العالم لكنه سيزدادُ جنوناً بعدَ فوز ِترامب”، لماذا كل هذا الرعب أليست هذه أمريكا التي حملت على عاتقها، تصدير الديمقراطية إلى دول العالم الثالث، ألم تكن العراق ضحية هذه الديمقراطية المشؤومة، مما أدى لفرار أكثر من نصف شعب العراقي من الديمقراطية الأمريكية، التي أطاحت بنظام صدام الاستبدادي.
ترامب هو صوت الناخب الأمريكي شئنا أم أبينا، الرجل لم يهبط فجأة من السماء، ولم يأتي من كوكب آخر، ولم يخادع الجماهير إلا بالحدود المسموح بها ضمن قانون الانتخاب الأمريكي، ومع ذلك كان وصوله ضربة قوية للجمهورية الأمريكية الفاضلة، ولكمة موجعة للتجربة الأمريكية الخاوية تماماً، فقد أثبتت أنها بعيدا كل البعد عن المثالية التي يتشدقون بها، حيث قيل إن انتخاب ترامب “يمكن أن يقوض أسس الديموقراطية الأمريكية” هذه الديمقراطية كشفت عن سوءاتها، وأثبتت أنها تقوم على سلطة المال واحتقار الأقليات، وابتزاز الآخرين، فبمجرد وصول رئيس أسود هب البيض لانتخاب من يعيد لهم مجدهم الموهوم (في أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية، بين “البيض والسود”)، وهذا ظاهرة تسمى في علم السياسة “طغيان الأكثرية” عندما تنفلت الغالبية من عقالها وتتوحش ضد الأقلية، وليس صحيحاً أن ما تقرره الأغلبية يكون صائباً، لولا أن الرسل دلت الناس على الله لاختار الناس الأصنام (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) 116 الأنعام، على كل حال أمريكا دخلت في نفق مظلم حقيقي وهذه ليست دعاية أو نوع من بروباغندا الإعلامية، لأن ترامب نقب نقباً في التعايش السلمي قلما يلتئم، هذا الجرح سيظل ينزف كلما أراد ناخب الوصول لسدة الحكم بأساليب قذرة عرقية وأثنية، تؤدي لاستفزاز الجماهير، فأمريكا التي كان لها الدور الرئيسي في إشعال معظم الحروب الأهلية في العالم تخاف من حرب أهلية جديدة، قد تعمق من عزلتها التي وضعها بها أوباما، فميتافيزيقيا السياسة الأمريكية أصبحت تخاف على النظام العالمي اليوم، مع العلم أن أمريكا لم تعيد النظام لأي بقعة في الأرض سواء بتدخلها كما في العراق، أو بعد تدخلها في سوريا.
فأمريكا التي لم تقدم للعالم سوى التدخلات العسكرية والأمنية أو منع سلاح نوعي إذا كان ضرورياً، كانت سياستها ترموا إلى صنع جمهوريات الموز والدكتاتوريات العسكرية الموزعة في مختلف أنحاء العالم، في حين كان ينظر إليها على أنها حبل النجاة من طغيان التجربة الاشتراكية، فميتافيزيقيا السياسة الأمريكية: التي تقوم على إضعاف القوي، وتقوية الضعيف، واللعب على التناقضات، والهدف زرع الفتنة والفوضى والقلاقل والبلابل، كما أسلفنا في مقال سابق “كالمستجير من روسيا بأمريكا” لأن أنطولوجيا الديمقراطية الأمريكية التي ينسب إليها كل الفضائل، كما تنسب للحركة التصحيحية كل الفضائل السورية، فكان من نتائج الحركة التصحيحية أن سورية بدأت تأكل نفسها، كما أن الديمقراطية الأمريكية بدأت تأكل نفسها باسم “الحرب الثقافية”
هذه الدولة التي تدّعي أنها أعطت كل ذي حق حقه، التي خالت نفسها على الدوام أنها بطلة اللحظات التاريخية المقبلة، كما قال الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون “الأمة التي لا غنى للعالم عنها”، تكتشف أن هلاكها سيأتي من ديمقراطيتها العقيمة التي قد تعيدها إلى النزاعات الماضية والحروب الأهلية، وخاصة بعد ميل الناخب إلى الأحزاب اليمينية المتشددة، والتي تزيد من حدة النزاعات والاستقطابات والاصطفافات السياسية العنصرية الخطيرة.
أثبتت التجربة الديمقراطية الأمريكية المتمثلة بترامب أن ما يهم الأمريكيين هو نفس ما يهم التنظيمات المتشددة كالقاعدة (جبهة النصرة وداعش) هو تصفية العروق، ” كالنازية والصهيونية” سواءً أكانت الحرب حرب ثقافية أم دينية أم حضارية، ما يهم الناخب الأبيض أن يكون هناك تكتلات للبيض، وتكتلات للسود، وتكتلات للمسلمين، وتكتلات للمسيحين البيض، حتى أننا سمعنا بعض الأصوات المنسوبة للتقاليد “الصهيو-مسيحية” تقول: أن اليسوع لم يكن أسوداً.
وأخيراً اكتشف الاتحاد الأوروبي عور الديمقراطية الأمريكية، بالبرهان العقلي والحجة الدامغة، كما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، وعلم أن الدولة العظمى ستتحول إلى حركة راديكالية، تفوق صلف وغرور النازية والصهيونية، وعلم أنها ستنضم إلى سجل أصحاب الضمائر الميتة.
اقرأ:
مهدي محمود: الدولار سلاح بشار الأسد (النوعيّ)