العميد الركن أحمد رحال: لم ننتصر لكننا لم نٌهزم

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

المتتبع للثورة السورية ومنذ انطلاقتها يدرك تماماً أنها ومنذ اللحظات الأولى لم تكن تواجه نظام الأسد كقوة ديكتاتورية سيطرت على مقدرات البلاد وظلمت العباد, بل كانت تواجه تحالفاً دولياً- إقليمياً مدعوماً من بعض الدول العربية المنطوية ضمن المخطط الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

عسكرياً:

يمكن القول أن فصائل الثورة وحراكها المسلح ومنذ نهايات عام 2011 مرت عبر مطبات وعراقيل لازمتها وأثرت على خطواتها وحرفتها في بعض الأحيان عن الهدف الذي تنشده, تلك المطبات التي كان جزءاً مناه داخلياً وغالبيته جاء بمؤثر خارجي غايته كبح جماح الثورة والتخفيف من اندفاعها ريثما ينضج الحل الدولي الذي لا يتلاءم مع تطلعات الشعب السوري حسب ما اتضح لاحقاً.

الجيش الحر الذي كان باكورة أشكال التنظيم والهيكلة التي قامت لتجميع كتائب الثورة, كان أول المستهدفين مع بداية عام 2013 وتم وأده وتمزيقه تقريباً لأنه وصل لمرحلة التأثير على كرسي السلطة لبشار الأسد بل وكاد أن يسقطه بعد أن سيطر على معظم أرياف المدن وحاصر عصابة النظام في المدن ومنها من تقاسمها معه, وبذلك بدأت ملامح السقوط تظهر وتقترب رغم زج حلفاء الأسد من خارج سورية لمعظم طاقاتهم وقدراتهم وعلى التتالي بدءاً بحزب الله اللبناني وصولاً إلى ميليشيات فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني مروراً بتوابع إيران من ميليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية وقومجية عربية وغيرها, لكن ورغم كل تلك التعبئة التي حظي بها نظام الأسد إلا أن الثورة استطاعت وفي الربع الأخير من عام 2015 من الضغط عليه عندما وصل جيش الفتح إلى جبال الساحل بعد تحريره لمحافظة إدلب كاملة ووصوله أيضاً إلى أعتاب مطار حماه العسكري وجبل زين العابدين الذي كان يعني تحريرهما من قبل الثورة استلام مفاتيح أبواب محافظة حماه ريفاً ومدينة والتأثير على الطريق الدولي الذي يربط العاصمة بحمص والساحل وقد يصل التأثير إلى خطوط الربط بين حزب الله ونظام الأسد في الشمال اللبناني, وفي نفس الوقت كان جيش الإسلام يطبق الخناق على العاصمة دمشق ويقطع الطريق الذي يصلها بالمنطقة الوسطى, فكان التدخل الروسي كآخر السهام الموجودة في جعبة من يبحث عن إنقاذ نظام الأسد.

تفاوضياً:

ما عجز عنه حلفاء الأسد في المجال العسكري انبرى بعض دهاة المجتمع الدولي لتحقيقه عبر التفاوض, ومع غياب أو تغييب شبه واضح لحلفاء الثورة حاولت روسيا عبر بوابتين لإحباط الثوار ووأد الثورة بقدر الاستطاعة.

البوابة الأولى كانت بوابة روسية عبر إغلاقها لمجلس الأمن أمام أي قرار ينصف الثورة السورية, وعبر منع أي إدانة لنظام الأسد على جرائمه ومجازره التي ارتكبها سواءاً بالطيران أو الحوامات أو صواريخ السكود الاستراتيجية أو براميل الموت أو حتى بعد استخدامه للسلاح الكيماوي بأكثر من موقع, والسلاح الكيماوي لم تكن مجزرة الغوطة الشرقية بدايتها ولا مجزرة خان شيخون نهايتها بالتأكيد, ومع هذا الإغلاق لمجلس الأمن حاولت روسيا دفع المعارضة نحو الاستسلام والقول للجميع: أن لا مجال لاتخاذ أي قرار يدين الأسد ويمهد لقرارات متلاحقة تعيد السيناريو الليبي وتوصل مجلس الأمن لاتخاذ قرارات تحت البند السابع تسمح بالتدخل العسكري أو تتيح لأصدقاء الشعب السوري نصرته ودعمه في مواجهة إرهاب نظام الأسد وميليشيات حلفائه الإرهابيين.

البوابة الثانية التي عمل عليها حلفاء الأسد كان عبر الدعوة لاجتماعات أممية يقودها مبعوثون ممثلون عن الأمين العام للأمم المتحدة في عنوانها إيجاد حل للقضية السورية وفي باطنها تمرير الوقت للأسد ومنحه الفرص المتلاحقة  لإجهاض الثورة عسكرياً.

جولات جنيف ورغم جملة من الأخطاء التي وقع بها المفاوضون ومن يقف وراءهم, إن كان عبر المحاصصة التي اتسمت بها تشكيلة الوفود أو عبر أسلوب المراضاة التي استدعت زيادة أعداد الوفد (في جولة جنيف الأخيرة كان وفد النظام لا يتعدى 17 شخص بينما زاد وفد الثورة من عسكريين وسياسيين وخبراء وتقنيين عن 107 أشخاص), لكن رغم كل ذلك لم يتنازل أي من الوفود المشاركة عن أي من ثوابت الثورة وبقيت المفاوضات تراوح مكانها وعبر تكتيك “عض الأصابع” الذي اتسمت به كل جولات التفاوض, رغم أن داعمي الأسد (وما أكثرهم) مارسوا سياسة الضغط العسكري القاتل خلال الأيام التي كانت تسبق جولات التفاوض أو خلالها لدفع وفد الثورة للانسحاب أو التنازل لكن أياً من ذلك لم يحصل رغم أن خسارة المساحات الجغرافية كانت تشكل وضعاً ضاغطاً ومؤلماً على الثورة وحلفائها.

إعلامياً:

صحيح أن الثورة لم تستطع أن تمتلك جهاز إعلامي فاعل وقادر على تمثيل عدالة الثورة وأحقيتها على المنابر الدولية مما جعل الثورة مادة دسمة لإعلام منه ما كان عادلاً وداعماً وكثيراً منه ما كان مسموماً وموالياً للأسد, لكن وبرغم ذلك حافظت الثورة على ألقها ومنابرها واستطاعت عبر رجالها من الثبات أمام آلة إعلامية متمرسة يقودها خبراء روس وإيرانيون وأسديون ولبنانيون وبعض الأوروبيين, وكانت عدالة وأحقية مطالب الثورة هي العامل الأكبر بثبات وقدرة ممثلي الثورة على الاستمرار.

أمام هذا الواقع يمكن القول أن الثورة لم تنتصر لكنها أيضاً لم تٌهزم خلال السنوات الست الماضية ونحن مع بداية العام السابع ويكفي الشعب السوري فخراً أنه وبقدراته البسيطة وبإمكانياته المتواضعة كان يواجه عسكرياً وسياسياً دولة قوية كروسيا ودولة إقليمية كبرى كإيران وعصابات الأسد والعراق وكل الدول التي تتبع إيران وتسير بفلكها طائفياً.

الثورة السورية انتصرت أخلاقياً أيضاً رغم بعض الشواذ الذي لحق بقوامها من تنظيمات لا تعبر عن حقيقة الشعب السوري, مقابل ميليشيات أسدية طائفية ارتكبت الفظائع بحق الشعب السوري بدءاً بمجازر موصوفة داخل البلدات والقرى السورية, وصولاً إلى 55 ألف صورة سربها الشاهد قيصر, وعبر أكثر من 13 ألف معتقل وسجين أثبتت التقارير أن الأسد قتلهم في سجن صيدنايا, وكان آخرها المحارق التي أثبتتها صور الأقمار الصناعية الأمريكية والتي يٌحرق بها نزلاء السجون الأسدية.

الآن نحن أمام لحظة مفصلية تحتم علينا اتخاذ القرار الذي ينتظره الشعب السوري, فأمام تردي الوضع التفاوضي والوصول إلى عدمية النتائج, وأمام انتهاء أي آمال باستمرار اجتماع أستانا الذي يراد منه أن يفرض الجلاد الإيراني كحمامة سلام في سورية, وأمام التغيرات في الموقف الأمريكي الإيجابية نوعاً ما (ونحن نعيش زيارة الرئيس ترامب للمملكة العربية السعودية والاجتماعات المتتالية سعودياً وخليجياً وعربياً وإسلامياً وما يمكن أن ينتج عنها ويمكن استثماره لصالح الثورة), أمام كل تلك الاستحقاقات أجزم أنه آن الأوان للدعوة لمؤتمر وطني جامع لا يستثني أحد من السوريين, مؤتمر سياسي عسكري يضم في حناياه كل المهتمين بالشأن السوري وبعيداً عن أي استقطاب أو أحزاب أو تيارات أو ولاءات, مؤتمر يعيد تقويم مسار الثورة ويعيد تأكيد أهدافها وأولوياتها ويقدم الممثلين الحقيقيين للشعب السوري من قيادات سياسية وعسكرية وفعاليات مدنية تستطيع أن تشكل نقطة التقاء يجتمع حولها أهل الثورة وحاضنتهم الشعبية, قيادة جديدة تستطيع أن تفرض أجنداتها على كل متسلق أو مرتزق أو عابث أو مأجور, والنقطة الأهم هو بعملية إعادة هيكلة حراكها المسلح وفقاً للمعطيات الجديدة, ويٌعاد من خلالها كل من أٌجبر على مغادرة الحدود أو من أٌجبر عن الابتعاد ولديه من الخبرات لأن يكون فاعلاً في المكان الذي أٌبعد عنه.

الثورة لم تُهزم … لأن لديها من الاحتياط البشري والأخلاقي ما يكفي للاستمرار.

الثورة لم تُهزم … لأن لديها عشرات الآلاف من الشباب المتواجدين على خطوط النار يشكلون الخط الدفاعي الأول عن الثورة.

الثورة لم تُهزم … لأن لديها مئات الآلاف من الشباب المتواجدين في الشتات وفي مناطق النزوح وهم نسقها الثاني.

الثورة لم تُهزم … لأن في رحمها مئات الآلاف الذين وٌلدوا في المخيمات ورضعوا الحقد والكره على كل من شردهم وأبعدهم عن أوطانهم وهم نسقها الثالث.

فهل من مراهن؟؟؟

الثورة لم تنتصر لكنها لم ولن تٌهزم بالتأكيد.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي  

 





Tags: العميد الركن أحمد رحال