د. رياض العيسمي: ترامب والسياسة الأمريكية المتوقعة في الشرق الأوسط -3-

د. رياض العيسمي: كلنا شركاء

خامساً: خطب ود إسرائيل والحصول على دعمها في إدارة المعارك القادمة

إذا ما أراد ترامب الضغط على بوتين في إيجاد حل في سورية، لا بد له من أن يحصل على موافقة إسرائيل وتعاونها بالدرجة الأولى. حيث أن إسرائيل تملك المفتاح الأساسي للحل في سورية. وعلاقتها مع روسيا كانت قد تطورت وتجذرت من خلال الأزمة السورية والمصالح المشتركة بينهما في سورية بشكل خاص، والشرق الأوسط بشكل عام. وبهذا التقى توجه كل من إسرائيل وروسيا بالتمسك بالأسد ونظامه لتحقيق الأهداف المشتركة في المنطقة على المدى البعيد.

والتي تتلاقى أيضا مع أهداف وتوجهات إيران. ولهذا لا بد لترامب من أن يقنع إسرائيل بتسليمه المفتاح لإزاحة الأسد عن المشهد في وقت ما. وإجراء ترتيبات حكم ما في سورية بالتفاهم مع روسيا ودون تعريض أمن إسرائيل للخطر. وهذا ما يمكن أن يخدم مصلحة إسرائيل إذا ما قبضت الثمن المناسب وكان الحل ينسجم مع توجهاتها في سورية والمنطقة. والثمن الذي ستطلبه إسرائيل هذه المرة سيكون باهظا على الولايات المتحدة، وخصوصا من الناحيتين المالية والعسكرية. إلا أن أوباما كان قد دفع الفاتورة لها مقدما، والتي تمثلت برزمة حوافز قدرها 38 مليار لمدة عشرة سنوات. وهي المساعدة الأمريكية الأكبر لإسرائيل عبر تاريخها. وهي تعادل ضعف المنحة التي تتلقاها إسرائيل بموجب اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع مصر. كما وتريد إسرائيل مقابل التخلي عن الأسد العديد من المطالب الصعبة والمعقدة. والتي يأتي في مقدمتها تثبيت تقسيم سورية والاحتفاظ “بحصتها” منها وهي منطقة الجولان التي تحتلها منذ ثلاثة وأربعين عاما. كما وتريد خلق منطقة عازلة وآمنة على طول حدودها مع سورية كالتي تحاول تركيا خلقها على حدودها. وأن تكون هذه المنطقة محمية بآلية دولية دائمة. والتي يجب أن تعوضها عن اتفاقية “فك الاشتباك” المُبرمة مع سورية عبر الأمم المتحدة في عام 1974، والتي ستسقط حكما بسقوط حكم الأسد وتقسيم سورية عبر فدرلتها. كما وتريد إسرائيل أيضا تسوية مع الفلسطينيين على مقاسها. وعلى أن يكون الحل على أساس الفصل بين غزة والضفة الغربية ويضمن لها حق الاحتفاظ بكل الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية والقدس. كما وتريد من الفلسطينيين والعرب الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل. وهذا ما سيترك عرب أل 48 عرضة للقبول بالمواطنة من الدرجة الثانية أو الرحيل إلى غزة أو ما سيتبقى من الضفة الغربية. أو إلى مناطق أخرى في سورية ولبنان والأردن والعراق عبر استغلال حالة التغيير الديمغرافي والخلخلة الحدودية في المنطقة.

وكذلك تريد إسرائيل إسقاط حق العودة وإلغاء قرار مجلس الأمن رقم 194، الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. أي يمكن أن يبدأ الحل بالتطبيع على أساس المبادرة السعودية لعام 2000 مع إجراء تعديلات تحقق بشكل أو بآخر معظم شروط إسرائيل. وهي أيضا تريد تطبيع شامل في المنطقة ليس مع العرب فقط، وإنما أيضا مع الإيرانيين والأتراك (الإسلام بشيعته وسنته). والمدخل هنا سيكون عبر إشراكها في الحرب على داعش. وهذا ما كان بوتين قد أكده لنتنياهو في زيارته الأخيرة لموسكو “بأن إسرائيل هي شريك استراتيجي في الحرب على داعش”.  المسألة إذن ستحتاج إلى وقت ودبلوماسية مركبة وجهود سياسية مُضنية. ولهذا قد يكون من الصعب على إدارة ترامب تذليل كل العقبات المتراكمة وتحقيق كامل شروط إسرائيل في بداية عهده. إلا أن إسرائيل كانت قد استبقت استلام إدارة ترامب لتواصل مناورتها العسكرية في المنطقة والتي كانت قد بدأتها منذ فترة بمعرفة إدارة الرئيس أوباما. وكانت هذه المرة في البحر الأحمر عند خليجي العقبة وإيلات وبمعرفة الحكومتين المصرية والأردنية. وبعد أن كانت أجرت مناورات سابقة في شمال إسرائيل على الحدود مع لبنان. وأيضا في الجولان على الحدود مع سورية.

ولاحقا في الجنوب على الحدود مع غزة. كل المؤشرات توحي بان إسرائيل تستعد إلى حرب شاملة على كل الجبهات تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل حرب عام 1973. خاصة وأن حل الدولتين قد سقط بعدم إمكانية العودة إلى حدود ما قبل عام 1967. وإذا ما أدركنا بأن داعش هي “إرهاب تحت الطلب” يمكن أن تظهر في أي زمان ومكان يقدم خدمة لرعاتها كما هو واقع الحال مع إيران وروسيا والنظام السوري. والتي يتخذها جميعا ذريعة لتحقيق أهدافهم. وهذا ينطبق أيضا على إسرائيل التي باتت تتحين الفرصة لتسخير داعش بشكل مباشر لخدمة أهدافها التوسعية. ولهذا فهي تخطط للاتخاذ من وجود داعش على حدودها في سيناء ذريعة لإشعال تلك الجبهة لخلخلة الوضع السكاني في غزة والتوغل داخل سيناء وخلق منطقة عازلة على حدودها مع مصر. وأيضا ستستغل وصول عناصر من داعش بشكل أو بآخر إلى حدودها مع سورية. والمتوقع أن يكون ذلك بعد طردهم من الموصل والرقة. وبحيث لا يبق لهم سوى الهرب جنوبا باتجاه الحدود مع إسرائيل. وهذا ما يبرر أيضا دخولها إلى سورية بحجة ضمان أمنها بنفسها.

ومن يحاول منعها في هذه الحالة سيكون من داعمي الإرهاب ويتوجب نبذه ومحاربته. تماما كما تفعل روسيا وإيران مع معارضي النظام السوري. وهدف إسرائيل النهائي هو تغيير الوقائع على الأرض وإعادة رسم الحدود. ومن ثم عقد اتفاقيات جديدة بعد إعادة تشكيل حدود الدول المجاورة لها لاغية بذلك الاتفاقات القديمة. والتي تعتبرها إسرائيل بأنها قد أصبحت قديمة ولم تعد تتجاوب مع مصالحها. خاصة على ضوء ما يدور في منطقة الشرق الأوسط اليوم من تقسيم وتفتيت وتغيير ديمغرافي. والذي إن لم تكن هي من سعى إليه، فهو وضع مثالي لها ولا بد من استغلاله لأقصى حد ممكن.

سادساً: اختبار التحالفات في الحرب على داعش وقدرة ترامب على إدارتها وتوجيهها

إن كل التحالفات الاستراتيجية في الحرب على داعش هي حتى اللحظة تأتي بمثابة اتفاقات سياسية مؤقتة، والتي يمكن أن تتغير في أي وقت تتقاطع فيه المصالح. وسيتم اختبارها مع بدء التحركات العسكرية على الأرض. والتي بدأت مع معركة تحرير الموصل.  كما وسيتم اختبار قيادة وإدارة ترامب لها. وستبدأ عندها عناصر الصدام المتمثلة بالصراع على مركز القيادة بالظهور بين الولايات المتحدة وروسيا (ترامب وبوتين). وبحيث لا يمكن أن يكون هناك قائدين لنفس المعركة. ولا بد من أن يتنازل أحدهما للآخر، طوعا أو قسرا. وكما تم ذكره سابقا بأن بوتن قد استثمر كثيرا في المنطقة خلال العام الماضي، وبالأخص في سورية. ولن يكون من السهل عليه التنازل عن القيادة لا لترامب ولا لأحد آخر. وهذا بحد ذاته سيكون مصدرا لصراع حامي، ولربما دامي في بعض مراحله.

وأيضا سيضع التحالف الروسي-الإيراني على المحك. ففي الوقت الذي ترغب فيه روسيا بسط نفوذها على كامل “سورية المفيدة”، والتي هي حسب قناعتها تمتد على طول الساحل السوري وعبر حمص ووصولا إلى دمشق. ومع السماح لإيران بالتواجد في ضواحي دمشق ومداخل لبنان. إلا أن إيران تسعى إلى فرض استقلاليتها بالسيطرة على هذه المنطقة بمفردها ودون الرجوع إلى الروس. وكذلك تسعى إلى ربطها بصحراء الأنبار في العراق ووصولا إلى بغداد ومحافظات العراق الجنوبية. وهذا كان سبب إصرار إيران على مشاركة قوات الحشد الشعبي في تحرير الرمادي.  وأيضا كانت إيران قد نصبت صواريخ بالستية في منطقة النُخيب العراقية إبان معركة الرمادي. ووجهتها ضد السعودية بعد أن أعلنت السعودية إطلاق عاصفة الحزم في اليمن. والنُخيب من حيث الناحية الجغرافية تشكل رأس المثلث بين النجف وبغداد. وبهذا تحاول إيران فتح ثغرة في الجدار السني العراقي يربطها بصحراء تدمر ووصلا إلى دمشق عبر الغوطة الشرقية ومنطقة السيدة زينب في جنوب دمشق. ومن ثم مدها إلى معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لكن هذا لن يكون مقبولا لا للسعودية ولا للأردن اللتان تريدان إبعاد نفوذ إيران عن حدودهما بأي شكل. وأيضا لن ينسجم طموح إيران هذا مع توجه ترامب بالضغط على إيران وتحجيم دورها ونفوذها المتزايد في المنطقة على حساب السعودية وتركيا. لكن مشروع إيران والنظام السوري يهدف إلى تجويع المحاصرين في الغوطة الشرقية بغرض دفعهم إلى النزوح. وأيضا تفريغ ضواحي العاصمة دمشق في الغوطة الغربية من مواطنيها السنة تمهيدا لاستبدالهم بمواطنين شيعة كما حصل مؤخرا في داريا وقبلها في الزبداني ولاحقا في مضايا والمعظمية. وهذا المشروع المُعتمد على إحداث الخلخلة السكانية والتغيير الديمغرافي على أساس طائفي ينسجم مع مشروع إسرائيل الساعية إلى طرد الشيعة من جنوب لبنان لخلق منطقة عازلة على طول حدودها مع لبنان وسورية. ولهذا لن تكون بالمفاجئة إذا ما دفعت إيران بعناصر من حزب الله في الفترة القريبة القادمة لافتعال حرب مع إسرائيل في جنوب لبنان وبما يبرر دخول القوات الإسرائيلية مجددا إليه لطرد السكان الشيعة منه. والذين سيجدون لهم بيوتا جاهزة في الزبداني وداريا والمعظمية ومضايا. والتي تم تهجير أهلها السنة بشكل مدروس وممنهج.

وأعتقد بأن العرض العسكري الذي أقامه حزب الله مؤخرا في القصير يدخل في هذا التوجه. والذي لما كان ليأتي إلا بإيعاز من إيران ورضا إسرائيل.  كما وإنه من غير المستبعد أن تقوم داعش أو حزب الله بالتحرش بإسرائيل في جنوب سورية لتبرير دخولها عسكريا في المنطقة ودفع السكان الدروز في منطقة مجدل شمس النزوح باتجاه القنيطرة. وكذلك إلى بعص مناطق درعا، التي هي الأخرى يمارس عليها ضغوطا ممنهجة ومدروسة لتشتيت قوى المعارضة العسكرية فيها وتهجير أهلها السنة بشكل تدريجي. وأيضا من المتوقع أن يحصل صدام في المستقبل بين قوات النظام والقوات الإيرانية لمحاولة فرض النفوذ على المنطقة المشتركة. وأيضا سيمتد الصراع ليشمل العلويين من جهة والشيعة من جهة أخرى. وهذا بحد ذاته يمكن أن يقود إلى فك عرى الالتحام بين النظام السوري وحزب الله في لبنان. والذي سينتهي دوره في نهاية المطاف. ومثله النظام السوري الذي سينتهي بانتهاء الدور المُناط به. أما مصير لبنان كبلد سيفرضه الواقع المُتشكل في كل من سورية والعراق. وعلى ما يمكن أن يتمخض من تسويات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولقد بدأت إرهاصات الوضع الجديد في لبنان بانتخاب الجنرال عون رئيسا بعد تعطيل دام لأكثر من عامين.

وجاء عبر توافقات دولية وإقليمية ما تزال غير واضحة المعالم بالرغم من كل ما قيل حولها. هذا في الوقت الذي يستمر فيه حزب الله عبر أيران بتعطيل تشكيل الحكومة التي تريدها السعودية عبر حليفها رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري. وكذلك ما يثير الاستغراب الاستعراض العسكري المفاجئ الذي قامت به ما بات يعرف باسم ميليشيات التوحيد الدرزية الطائفية التي يقودها وئام وهاب الحليف المباشر للنظام السوري وإيران. وكأن هناك من يمهد لعودة صراع الميلشيات الطائفية إلى لبنان. لا شك بأن منطقة الشرق الأوسط برمتها باتت اليوم ترتفع على فوهة بركان. وبدأت تلتهمها الحرائق من كل مكان. وإن ما يدور فيها من إستقطابات وتحالفات ومواجهات عسكرية هو بمثابة حرب عالمية ثالثة تدور على أرضها بالوكالة. والتي لا أعتقد بأن أحدا يعلم كيف ومتى ستكون نهايتها. لكنه وكما هو معلوم بأن الحربان العالميتان الأولى والثانية لم تنتهيا إلا بعد دخول الولايات المتحدة فيهما. ووضع جنودها على الخطوط الأمامية وقيادتهما إلى النصر.

ومن ثم الإشراف على عقد الاتفاقيات الخاصة باقتسام غنائم الانتصار. ولا أعتقد بأن الحرب الدائرة اليوم في منطقة الشرق الأوسط ستكون استثناء. ودخول الولايات المتحدة فيها بات مطلوبا ليس فقط لإنهائها، وإنما أيضا لمنع انتقالها إلى أوربا ومناطق أخرى من العالم. وهذه حقيقة تاريخية كان الرئيس أوباما قد تجاهلها لسبب ما وبما أوصل وضع المنطقة إلى ما هي عليه من الدمار والخراب. ولهذا لن يكون هناك الكثيرون في الشرق الأوسط ممن سيتأسفون كثيرا على رحيله. ولا هم في نفس الوقت يهللون بشغف لمجيء ترامب. ولكن جل ما تتمناه شعوب منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والعرب بشكل خاص، من الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب هو ممارسة ما برع فيه طوال حياته “الدمار والإعمار“. فهو عادة يتعهد مناطق شبة خربانة ليدمرها بالكامل. ومن ثم يعيد بنائها ليجعل منها مناطق سياحية ومشاريع استثمارية. ولا أعتقد بانه سيجد اليوم منطقة أفضل من الشرق لتنفيذ مشاريعه وتحقيق طموحاته.

اقرأ:

د. رياض العيسمي: ترامب والسياسة الأمريكية المتوقعة في الشرق الأوسط -2-





Tags: مميز