on
مترجم: العار والتخلي.. مصير السجينات السابقات في سوريا
ليزي بورتير- UPI: ترجمة محمود محمد العبي- كلنا شركاء
عندما رفضت لونا وطفة الكشف عن أي معلومات لمحققيها، أخذوا ابنها البالغ من العمر 17 عاماً، وهددوها بتعذيبه. حيث تقول لونا: “وضعوا يدي ابني وراء ظهره، وقميصه فوق رأسه وأخذوه”.
كانت لونا وطفة- البالغة من العمر 35 عاماً الآن- طالبة في كلية الحقوق عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية في سوريا في آذار/ مارس 2011. ولكن عندما شاهدت قوات الرئيس بشار الأسد تطلق النار على المتظاهرين وتضربهم، قررت أن تكرس نفسها لتوثيق ما شاهدته. في يناير/ كانون الثاني عام 2014، ألقي القبض عليها في أحد شوارع دمشق على يد عصابة من الرجال الذين عرفت بشكل سريع أنهم من الحكومة. حيث تقول على السكايب من منزلها الجديد في كوبلنز، ألمانيا: “كان هناك ثلاث سيارات و12 حارساً. لقد جاءوا فقط من أجلي”. رافقها الرجال إلى منزلها، وطلبوا منها كمبيوترها محمول واعتقلوا ابنها، أيضاً. وتقول وطفة: “حاولت القول لهم بأنه ليس لديهم الحق في أخذه. نظر إلي الضابط وضحك”. وأجاب: “أنا القانون، وأستطيع أن أفعل ما أريد”.
كانت منى محمد عبود البالغة من العمر (29 عاماً) معلمة في بداية الثورة، وكانت معارضة للنظام. وكانت سجينة المخابرات وأجهزة الأمن السورية لمرتين. وخلال فترة 63 يوماً من أول احتجاز، في عام 2014، تقول أنها تعرضت للتعذيب بما في ذلك الصدمات الكهربائية والضرب والتجويع – وأنها لا تزال تعاني من الألم الجسدي نتيجة لذلك. حيث قالت: “لم يكن هناك شيء من هذا القبيل. الجحيم فقط والجوع. ولكن لا تسعى قوات الأمن لقتلك، بل تريدك أن تبقي على قيد الحياة- ولكن فقط قريباً من الموت”.
لونا وطفة ومنى عبود من بين آلاف النساء في سوريا الذين اعتقلهن النظام منذ بداية الانتفاضة/ الثورة. وليست هناك أرقام رسمية عن عدد النساء المحتجزات في سجون الحكومة، أو عند أي مجموعة أخرى في البلاد. لكن يقول تقرير صادر في نوفمبر/ تشرين الثاني عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن أكثر من 8400 من الإناث؛ بما في ذلك 300 فتاة، حالياً في سجون الحكومة. وأكثر من 5000 رهائن عند جماعات متشددة مثل الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام. حيث يتعرض العديد من هؤلاء النساء للوحشية والعنف الجنسي أثناء احتجازهن. ولكن يمكن للصراعات التي يواجهنها بعد الإفراج عنهن- النبذ والخزي والعلاقات المحطمة والمسائل الصحية – أن تكون أكثر صعوبة عند التعامل معها.
تقول وطفة: عندما كانت في سجن الخطيب في دمشق، تعرضت وطفة ذات مرة للضرب مبرح لدرجة أنه لم يعد بمقدورها المشي لمدة ثلاثة أيام. لكنها لم تتعرض للاغتصاب، ولكن كانت هي وغيرها أهداف للتحرش الجنسي.
تقول وطفة “بدأ الحارس بوضع يده على صدري وفتح قميصي. صرخت في وجهه وقالت: سأقول للضابط، لذلك غادر. عندما أخبرت الضابط، لم يفعل أي شيء كالعادة”. وتم تحويلها بعد ذلك إلى سجن عدرا المركزي في شمال شرق دمشق، حيث مكثت حتى إطلاق سراحها في عام 2015.
تم سجن العبود بعد أن تم التغرير بها لحضور اجتماع مع قوات الأمن في النظام عن طريق شخص صادقها عبر الفيسبوك. وأيضاً تم تحويلها في نهاية المطاف إلى سجن عدرا المركزي. هناك، كما تقول، كان الحراس الذكور يقتربون من السجينات لممارسة الجنس. وتقول العبود: “يخبر السجان المعتقلة أن بإمكانه تأمين طعام أفضل لها ويمكنه إرسال رسائل إلى أسرتها شريطة تنام معه”.
ولكن بعد الإفراج عنهن، اكتشفت كل من وطفة والعبود أن بعض الأمور أسوأ من أهوال الاحتجاز الطاحن. ويرجع ذلك جزئياً لافتراض أنه تم اغتصاب السجينات، لذلك نبذهن كثير من الأهل والأصدقاء بعد خروجهن من السجن. وتقول العبود: “وقد اختلفت عائلتي حول ما إذا كنت قد تعرضت أم لم أتعرض للاغتصاب. وكان أول سؤال من قبل المحامي الذي تم تعيينه لقضيتي عندما ظهرت أمام محكمة مكافحة الإرهاب هل تعرضت أم لم أتعرض للاغتصاب. وكان جوابي بشكل قاطع لا”.
وقال والدا عبود بأنهما صدقوها، ولكنهما قيدا تحركاتها بعد خروجها من السجن. وتقول العبود: “قاطعني أقاربي الآخرين ولم يزوروني في دمشق لفترة طويلة من الوقت بعد ذلك”.
خوفا من اعتقال آخر، لاقت دعماً من شبكة من الناشطين في وسائل الإعلام السورية (طالبت بعدم الكشف عن اسم الشبكة)، الذين ساعدوها في هروبها عبر الحدود إلى تركيا. والآن تعيش هناك في مدينة غازي عنتاب.
يقول صخر إدريس- من الفريق العامل من أجل المعتقلين السوريين- أن فريقه كثيراً ما يرى المعتقلات السابقات يعانين/ يتعرضن للرفض الاجتماعي وانهيار العلاقات بعد خروجهن من السجن. “كثير من النساء المحتجزات إما يتم طلاقهن بعد الإفراج عنهم، أو يتزوجن قسرًا إلى شخص لا يعجبهن، أو يخلعن الحجاب كرد فعل على المجتمع، ويسافرن إلى أوروبا، ويبتعدن عن ذويهن ومجتمعاتهن المحلية.”
في كثير من الأحيان غير قادرات على مناقشة العار السجن مع الأصدقاء أو الأقارب، يفتقر الكثير من المعتقلات السابقات إلى شبكات الرعاية الصحية والدعم. حيث تقول وطفة: “تشعر أن [النظام] لم يأخذ منك شيئاً، ولكنه أخذ روحك. أكثر ما آلمني هو حقيقة أنه عندما تم إطلاق سراحي ورأيت أطفالي، لم أشعر بأي شيء تجاههم. في السجن، صحيح عذبني الحراس، ولكن هذا لم يكن أسوأ شيء. كان الشيء الأسوأ بأنهم أخذوا مشاعري”.
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من اعتقالها، لم تعلم وطفة ما إذا كان قد تم القبض على ابنها حقاً. وعندما تثنى لها أخيراً فرصة سؤال ابنها ما حدث له في ذلك اليوم، تقول: “أخبرني أنهم وضعوه في الحمام [في شقتنا]. وقالوا: لو تنفست، وسمعتك والدتك، سنعاقب عقاباً قاسياً، لذلك اصمت ولا تتنفس أو تتحرك. فبعد شهر واحد، لم يتمكن من الحديث عما حدث. وكان ذلك سيئاً جداً بالنسبة له”.
وتساعد حالياً جماعات في المجتمع المدني سجينات سابقات من سوريا بالخضوع للمساعدة النفسية في أماكن مثل فرنسا وتركيا وألمانيا. ولكن الحاجة أكبر من العرض بكثير، وقول بعض الخبراء إن العواقب المحتملة لمستقبل المجتمع السوري خطيرة. خلصت سما نصار- المؤلفة لتقرير حول هذا الموضوع: الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان- إلى أن اعتقال النساء في سوريا يساهم في “تفكك المجتمع” في البلاد وإلى الهجرة القسرية. وتقول في تقريرها: “يساهم في زيادة تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة فضلاً عن أوروبا؛ لأن العديد من النساء منبوذات من أسرهم ومجتمعاتهن المحلية، حيث يرين أنفسهن مجبرات على مغادرة البلاد بعد الإفراج عنهن”.
ومن بين المعتقلات السابقات، يوجد عزم على إيجاد بصيص من الضوء في الفصول المظلمة من ماضيهن. وتعمل وطفة والعبود على التقليل من وصمة العار للنساء اللواتي تم سجنهن، عبر تشجيعهن على الإبلاغ عن تجاربهن. وتقو العبود: “بالنسبة لي، لا يزال أعظم هدف – أكبر وأكثر أهمية من الخوف – ألا أخون صديقاتي في سجن عدرا”.
في تشرين الثاني/ نوفمبر، تلقت وطفة أخبار أنه سيتم السماح لأطفالها بالانضمام لها في ألمانيا، بموجب قوانين لم شمل الأسرة. وتقول وطفة في رسالتها الأخيرة عبر الواتسأب: “أنهم هنا. الأمور رائعة، وبإمكاني الشعور بالطمأنينة الآن”.
بقلم: ليزي بورتير
الموقع: UPI (يو بي أي)
اريخ النشر: 27/ 12/ 2016
الرابط:
http://www.upi.com/Top_News/Opinion/2016/12/27/Shamed-and-abandoned-the-fate-of-Syrias-female-ex-inmates/5531482855517/
Tags: مميز