د. رياض نعسان آغا: إسرائيل والثورة السورية

د.رياض نعسان آغا: الفيحاء نت

يقول نتنياهو وهو يشعر بزهو كبير (إن العالم العربي لم يعد يرى في إسرائيل عدواً له، بل هناك تحالف ضد الإسلام القتالي).

يبدو نتنياهو في ذورة من النشوة وهو يرى أن إسرائيل وحدها هي التي قطفت ثمار (الربيع العربي الطازجة) أما الثوار العرب الذين انفجر صبرهم على أنظمة فاسدة جثمت على صدورهم خمسين عاماً ونيف، فقد صار بعضهم شهداء، وبعضهم الآخر معتقلين، والباقون لاجؤون في الخيام، أو تائهون في البحار أو ضاربون في الشتات يبحثون عن ملاذ، ولم يبق في الميدان غير من ينتظر) وقد تمكن النظام العربي البائد أن يعيد انتاج نفسه، وقد استعان بحركات الإسلام السياسي السلفية الجهادية المقاتلة التي ظهرت خارج التاريخ والجغرافيا، وخارج الوعي الدولي كله، وتمكنت بالقوة أن تزيح شعارات الحرية والكرامة وبناء الدولة الديموقراطية لتنادي بدولة الخلافة الوهمية، وهي تشهر السيف على المسلمين من أهل السنة بخاصة، وتعتبرهم مرتدين وكفاراً، وقد وجدت هذه المجموعات دعماً عجيباً من أعدائها وحسبنا أن نرى اليوم أن قوات داعش اختارت مأمناً لها على تخوم إسرائيل في الجنوب السوري وكانت خامدة راكدة لشهور طويلة فلما هاجم النظام درعا، وقاومته فصائل الجيش الحر نهض الدواعش لمؤازرة النظام وفتكوا بمن يقاتل النظام.

والمفجع  أن تداعيات الربيع العربي في سورية واليمن بخاصة أوشكت أن تتمكن  من تحويل معادلة الصراع التاريخي في المنطقة، من صراع عربي- إسرائيلي إلى صراع سني- شيعي، بعد أن سقطت آخر أقنعة إيران وكشفت عن أحقادها الدفينة على العرب جميعاً، وأظهرت طموحاتها التوسعية والتسلطية على مستقبل الأمة العربية، وقد توغلت في العراق ولبنان واليمن  ووجدت في سورية نظاماً مستعداً أن يتنازل عن سيادته لها وأن يسلمها البلاد مقابل البقاء على كرسي السلطة المضطرب.

ولقد كنت أشعر بمرارة حين أسمع قول كثير من السوريين المضطهدين  (إسرائيل لم تفعل بنا ما فعله النظام) وقولهم (لقد قتل النظام من السوريين أضعاف أضعاف ما قتلت إسرائيل من الفلسطينيين ومن العرب على مر مائة عام من الصراع) وقولهم (يخرج الأسير من سجون ومعتقلات إسرائيل بصحة جيدة ومرتدياً ملابسة، بينما يخرج المعتقل من السجون السورية جثة هامدة أو هيكلاً عظمياً، وشبه عار إلا من رث الملابس، وجراحه تنزف) وسر المرارة التي أشعر بها أن مشاعر القهر من استبداد النظام في سورية ومن عنفه المريع صارت في هذه المرحلة أشد من مشاعر الغضب من ممارسات إسرائيل التي ارتكبت مئات المجازر ضد الفلسطينيين و العرب جميعاً، والمفجع كذلك أن السوريين لم يشعروا قط بخوف وهلع من طائرات إسرائيل التي حلقت في سماء سورية مئات المرات، لكنهم ذاقوا الأهوال خوفاً من براميل وصواريخ طائرات النظام التي دمرت عدة محافظات مع أريافها وجعلتها أرضاً يباباً، وهذه المقارنات مؤلمة، وربما هي التي دفعت بعض ضعفاء النفوس (وهم قلة) إلى اختراق جدار الموقف التاريخي العدائي لإسرائيل وجعلت أحدهم يذهب إلى إسرائيل، متحدياً تاريخاً من الصراع العربي الإسرائيلي، ومتجاهلاً أن إسرائيل طردت شعباً من أرضه وجاءت بشعب آخر يحتل مكانه، وقد يقول قائل (أليس النظام السوري يرتكب ذات الجريمة بالباصات الخضر، حين يقتلع المواطنين من بيوتهم وأراضيهم ويهجرهم بشكل قسري منها ليحل محلهم إيرانيين يحتلون بيوتهم ويسرقون ما فيها؟ وهذا احتلال استيطاني لا يختلف عما فعلت إسرائيل مع الفلسطينيين، وكلا الشعبين مضى إلى الخيام مشرداً يبحث عن ملجأ وملاذ آمن) وأقول إن الفارق بين الحالتين هو أن ما يحدث في سورية مرحلي جداً، ومهما استبد النظام وهجّر وطرد فإن المستوطنين من إيران ومن سواها ممن يستقدمهم النظام لن يجدوا مستقراً لهم في سورية، وإذا كانت إسرائيل التي يدعمها أقوياء العالم جميعاً ما تزال تعيش حالة قلق وجودي فكيف سيعيش الإيرانيون في بيوت السوريين وهم محاصرون من كل الجهات بمن تمتلىء قلوبهم كراهية لمن سرق بيوتهم؟

ألا ترون كيف أن حزب الله لم يكد يفرح باحتلاله للقصير وبعض القرى في ريف حمص وريف دمشق حتى أدرك خطر نمو أعداد اللاجئين السوريين في لبنان (واللاجئون النازحون جميعاً من أهل السنة إلا ما ندر) فبات يطلق المبادرات – التي تسمى إنسانية – لإرجاعهم إلى سورية خوفاً من اختلال التناسب السكاني في لبنان؟

لكن إسرائيل التي تقود اللعبة الدولية في القضية السورية منذ أن زار بوتين تل أبيب وأخذ التعلميات حول ما ينبغي عمله لوأد الثورة السورية، وبادر لإطلاق مخرج لقضية الكيماوي التي أوشكت أن تزج دولاً كبرى في حرب ضد النظام، وكان المخرج إلقاء القبض على السلاح الكيماوي وترك من ارتكب الجريمة به حراً طليقاً، بل تمكينه في سلطته إلى حد التدخل العسكري الذي أعلنته روسيا، فضلاً عن إطلاق تنظيم داعش لإيجاد المبررات الشرعية للتدخل بذريعة مكافحة الإرهاب.

ولم تنكر إسرائيل حرصها على بقاء النظام قوياً في سورية، وقد أعطت الأمان لحزب الله كي ينقل قواته إلى سورية مطمئناً إلى كون إسرائيل لن تفيد من فراغ الجنوب فتنهي وجود عدوها المفترض، وهانحن نرى إسرائيل لم تستفد من الفرصة التاريخية لها للقضاء على جيش المقاومة الذي هزمها ذات يوم من جنوب لبنان كما فهمنا يومذاك.

لكن إسرائيل تدرك أن عليها بين الحين والآخر أن تلعب دور العدو للنظام حين تقوم طائراتها بهجوم على قوافل أو قواعد عسكرية داخل سورية لتؤكد أنها في حرب معه ومع حزب الله، وأنها تخشى اقتراب إيران من حدودها رغم أن الإيرانيين شنوا حملات ضخمة ضد الجيش الحر في الجنوب دون أن تقلق إسرائيل، بل إن كثيراً من الطائرات السورية التي تقصف درعا والقنيطرة وما حولهما كانت تخترق الفضاء الإسرائيلي وتحلق فيه قبل أن تصب قنابلها على السوريين في الشريط  الحدودي المفتعل، وإسرائيل تصمت ولا تعترض،  مطمئنة لكون هذه الطائرات سترمي حمولتها النارية على الشعب السوري ولن تتحرش بإسرائيل بالتأكيد.

وغالبية السوريين يشعرون أن إسرائيل هي سبب بلائهم، وأنها هي واللوبي الصهيوني في أمريكا دفعت أوباما إلى سياسة التردد ومنع تسليح المعارضة بالمضادات الجوية، وهي التي حاصرت كاميرون وأولاند حين بدا أنهما جادان في اتخاذ موقف صارم  يومها.

ولقد حاولت إسرائيل أن تصد عنها تهمة الدفاع عن النظام، فظهرت بعض التصريحات التي تعلن تغير موقفها منه وقلقها من إيران ومن حزب الله، وقد نشرت الصحافة الإسرائيلية بعض المقالات المؤيدة لحق الشعب السوري في الحرية والكرامة (أفاد محررو الشؤون الأمنية والعسكرية في الصحافة الإسرائيلية بأن سلطات الاحتلال غيّرت موقفها من الحرب المستعرة في سورية، وباتت قلقة من تقدم قوات نظام الرئيس بشار الأسد وحلفائه).

وذكرت صحيفة هآرتس في افتتاحيتها أن اسرائيل بدأت تحديث مواقفها على خلفية التطورات الميدانية في سورية، إذ ترى الآن في انتصار نظام الأسد أمراً سيئاً لها، واستدركت الصحيفة قائلة إن استسلام المعارضة المسلحة ما يزال بعيدا، “والأهم أن على الغرب أن يصحو من سباته، وأن يقدم مساعدات عسكرية حقيقية كقوة مسلحة ثالثة في الميدان).

ولا يخفى على أحد من السوريين أن هذه التصريحات هدفها الإيهام بأن إسرائيل  على عداء حقيقي مع النظام وهي عملياً تدعمه إعلامياً حين تطلق مثل هذه التصريحات.

ولم يكن استقبالها لبعض الجرحى الذين لم يجدوا ملجأً فاضطروا لدخول إسرائيل غير مناسبة تاريخية تفيد منها إسرائيل لتظهر بهذا المظهر الإنساني الذي استغله نتنياهو حين قام بعدة زيارات للجرحى في مشافي إسرائيل.

ولست أنكر أن بين الإسرائيليين بشراً فيهم من الإنسانية ما قد لا أجد مثيله عند الذين يدعمون نظام القتل في سورية ويغضون الطرف عن جرائمه، ونحن في صراعنا التاريخي مع إسرائيل فرقنا كثيراً بين غلاة الصهيانة وبين اليهود الذين عاشوا في الأرض العربية قروناً قبل ولادة إسرائيل، وكانت مبادرة السلام العربي قبولاً بالتعايش في حل الدولتين الذي أعلنت إسرائيل رفضه وأكدت موته بعد لقاء ترامب – نتنياهو الأخير في واشنطن، وفي هذا اللقاء قطف نتنياهو وردة الربيع العربي اليابسة حين قال (إن كثيرا من الدول العربية “لم تعد ترى إسرائيل عدوا” وطريق السلام لا يتحقق بالتنازلات، و”قد ينقلب وسيجر العالم العربي الفلسطينيين إلى السلام وليس العكس″.

كان نتنياهو يتحدث عن بعض الحكومات العربية وليس عن الشعوب العربية التي لاتنسى حقها مهما طال الزمن، وهاهي ذي أجيال الشباب الفلسطيني تتابع نضال الآباء كأن القضية ولدت البارحة.

ولا يمكن لأحد أن يبرىء إسرائيل من جرائمها التاريخية ضد شعب فلسطين وضد الأمة كلها من دير ياسين إلى كفر قاسم إلى صبرا وشتاتيلا إلى مجرزة قانا إلى مدرسة عين البقر إلى حمام الشط إلى خراب غزة مرات، لكن لابد من أن نفرق بين كونها تقتل شعباً تراه عدواً تاريخياً لها، بينما النظام السوري يقتل شعبه ويمارس ضده أعتى جنون العنف والقسوة في تاريخ الإنسانية.





Tags: محرر