on
كامل عباس: في عبثية الوضع الدولي الحالي
اللاذقية- كامل عباس: كلنا شركاء
وُلِد نوع جديد من الأدب في اوروبا بعد انتهاء الحرب العالية الثانية وما أسفرت عنه من ويلات ودمار , وما خلقته من قتلى وجرحى ,وما أشاعت من فردانية وانحطاط في القيم وانعدام الثقة بين الناس . قاد ذلك النوع أدباء شباب أسسوا ما يسمى مسرح العبث – اللا معقول – كان في طليعتهم صموئيل بكيت الفرنسي الموطن والأيرلندي الأصل حيث تعتبر مسرحيته – في انتظار غودو الرائدة لهذا الأدب .
لكن انتهاء الحرب وظهور هيئة الأمم المتحدة وحقوق الانسان ساهم في اضمحلال ذلك النوع رويدا رويدا حتى كدنا ان ننساه خصيصا بعد أن أوصلنا التطور الاجتماعي الى قرية كونية واحدة واعدة بغد أفضل للانسانية يعتمد على ثقافة وحضارة الجنس البشري التي ستدفع باتجاه حقوق الانسان بالقول والفعل أيضا , وفعلا بدأت العولمة تلك البداية حيث تشكلت في هيئة الأمم المتحدة لجنة مسؤولية الحماية بمبادرة من الأمين العام كوفي أنان أوائل هذا القرن والذي طرح التساؤل التالي ( اذا كان التدخل العسكري لحماية حقوق الانسان تعديا على السيادة الوطنية للدولة ذات العلاقة , كيف لنا ان نتعامل مع إمكانات وجود راوندا جديدة أو سربرنتسا أخرى حيث يجري انتهاك منظم ومنهجي لحقوق الانسان في شكل يتناقض مع كل مبدأ من مبادئ بشريتنا المشتركة ).
انقلبت الأية داخل العولمة بعد انبعاث طموحات امبراطورية تريد السيطرة عليها حتى وصلنا الى اللحظة الحالية التي يبدو فيها مواطن القرية الكونية مشدود الى مسرحية تجري أمام أعينه من مسرحيات العبث – اللا معقول – يتوازى فيها التدمير الهائل والحروب الفظيعة الى جانب تدني كل القيم الانسانية وانتشار الفساد والرشوى والانحلال الأخلاقي وهذا غيض من فيض من فصول تلك المسرحية المتواصلة العرض على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي وفي السماء والأرض .
ربما كان أهم فصل من فصول المسرحية الكونية اللاعقلانية الحالية هو ما جرى ويجري في سوريا منذ ست سنوات وحتى الآن . شعب خرج يطالب بحريته فانهالت عليه كل صنوف الأسلحة من البر والبحر والجو إضافة الى الحصار الخانق لدرجة الموت جوعا او الركوع . وهاهي دولة عظمى تضرب القنابل الفراغية المحرمة دوليا على أحياء فقيرة جدا في حلب الشرقية والحجة هي محاربة الارهاب في حين تريد تلك الدولة ان تغسل قدميها في المياه الدافئة للمتوسط التي تفتقدها شواطئها . غير بعيد عن حلب مدينة الباب التي تبدو المشاهد اللاعقلانية بمنتهى السطوع, فهي محاصرة الآن من ثلاثة جهات
درع الفرات المدعوم من تركيا
وغضب الفرات المدعوم من امريكا
والنظام المدعوم من الروس والايرانيين وحزب الله.
وكلهم يريدون تخليص الشعب السوري في الشمال من ارهاب داعش , والدواعشة اذكي منهم فهم يريد ون جرهم الى هناك ليتقاتلوا فيما بينهم , في حين ينسحبون الى مناطق اخرى تحتضنهم كرد فعل على ذلك النفاق المكشوف , حيث كل هذه الجيوش جاءت الى المنطقة من اجل اجندات أخرى لا علاقة لها بنصرة الشعب السوري هناك .
الى جانب العرض السوري هناك عرض لبناني لا يقل عبثية عن العرض السوري
لبنان كما هو معلوم للعالم يُحكم عبر نظام طائفي توزع فيه السلطات بدقة بين الطوائف سواء في الوزارات او في الادارة المحلية أو في الجامعات او حتى في الوظائف الصغيرة ضمن دوائر الدولة , لكل طائفة حصتها من تلك الوظائف سنة وشيعة وعلويين ومسيحيين ودروز وموارنة . لكن اذا كان النظام فيه قد اعتمد على طائفية بغيضة تجاوزها الزمن وروح العصر , فقد ستطاع بدعم خارجي أن يستر عورته عبر انتخابات نيابية يتم فيها تداول سلمي للسلطة بين الطوائف , اضافة الى صحافة حرة ومساحة من الرأي والرأي المخالف فيه تفتقر اليها كل دول المنطقة المجاورة , لكن على أعتاب القرن الواحد والعشرين لم يعد ذلك النظام قادرا على مواكبة روح العصر , وتكشفت فيه كل سيئات الأنظمة المجاورة فعرف حربا أهلية مريرة وتبلور داخله عائلات , كل عائلة منها كأنها جمهورية بعثية على طريقة العراق وسوريا تنتقل فيها السلطة بالوراثة داخل العائلة وتتستر مثلها بأسماء أحزاب او جمعيات تدّعي انها غير طائفية . حزب الكتائب وآل الجميل , حزب الأحرار وآل شمعون , تيار المستقبل وآل الحريري . الحزب التقدمي الاشتراكي وآل جنبلاط . التيار الوطني الحر وآل عون .
بدأت الأزمة الحالية مع رياح التغيير التي هبّت على العالم بعد الانهيار الدراماتيكي للنظام العالمي القديم وما أشاع من أمل في ضرورة التغيير بما يتناسب مع الدساتير الدولية وما تنص عليه من حقوق للانسان, لتظهر أصوات لبنانية تنادي بتغيير ذلك النظام الطائفي واستبداله بنظام تقوم ديمقراطيته على المواطنة وليس على المحاصة الطائفية . ذاد النار اشتعالا في ذلك البلد أزمة النفايات وعجز السلطات عن حلها مما خلق حراكا في الشارع تقوده قوى مدنية وعلمانية تجاوز وعيها الطوائف, وساعدها على ذلك استفحال الأزمة لدرجة كادت ان تطمر أجمل بلد في العالم داخل نفاياته, مما جعل للحراك الشعبي عنوانا واضحا اسمه – طلعت ريحتكم وشعارات لحراكه شهدها لبنان وكل مواقع التواصل الاجتماعي مثل الغضب الساطع آت – تنحوا يافاسدين – الشعب يريد اسقاط النظام – الخ ..
القشة التي قصمت ظهر البعير هي انتخابات الادارة المحلية التي أظهرت حجم القوى المدنية والعلمانية المتنامي وخاصة في بيروت حيث حصدت تلك القائمة أصوات تكاد تنافس أصوات لائحة قائمة الزعماء التقليديين ( البيارته )
تحرك الزعماء التقليديون في لبنان وتناسوا كل خلافاتهم وساندهم في ذلك حماتهم الخارجيين لإنقاذ الحكم الطائفي المهدد بالانهيار, فشهدنا المهزلة الانتخابية التي انتخب بها ميشيل عون رئيسا بعد فراغ رئاسة لأكثر من سنتين ونصف عجزت فيه قوى الثامن من آذار وقوى الرابع عشر من آذار عن تأمين نصاب برلماني يحضر الى المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد . لكن هل يتوهم هؤلاء ان الأزمة ستنتهي كما انتهت بعد اتفاق الطائف بالتوافق على ميشيل عون . على الضد من ذلك فان انتخاب عون بالتحديد سيفاقم الأزمة أكثر, فالجنرال عون معروف للبنانيين والعالم بشهوته للوصول الى قصر بعبدا وتناقضاته السابقة فضحت رغبته أكثر من مرة حيث تحالف مع صدام حسين قبل الأسد من اجل الوصول الى القصر , وعون لا يعنيه من هذا العالم سوى جنون عظمته وينطبق عليه وصف العجوز المتصابي حقا , فهو كأي مراهق يهمه الاتحاد مع حبيبته – كرسي القصر في بعبدا – بأي ثمن , والبلد لا يحتاج الى رئيس تجاوز الثمانين مهووس بالسلطة والعائلة والصهر, بل الى شاب جديد ينقل لبنان الى العصر .
الفصل الأكثر ألماٍ ووجعاٍ في المسرحية من فصول القتل والتدمير في سوريا والعراق وليبيا واليمن هو ما جرى في امريكا حيث تابع العالم تلك المهزلة الانتخابية هناك التي انتهت بفوز المرشح ترامب وهنا تتجلى قمة للامعقول .
أيعقل أن ينتخب بلد هو الأكثر حضارة وتطورا ورقيا – في هذا الظرف بالذات- ملياردير جمع كل رؤوس أمواله بطرق غير شرعية مثل التهرب من الضرائب او ادارة صالات القمار ؟ والمشكلة التي يعاني منها العالم هو ذلك التفاوت المرعب في توزيع الثروة بين الأمم وداخل كل أمة, وهو الأساس في توليد الارهاب في كل مكان لينطبق المثل الشعبي على ذلك الانتخاب حاميها حراميها , ان أمثال ترامب لاتعنيهم أزمة الفقر ولا يهمهم سوى زيادة إرباحهم بأي ثمن , ولذلك يتوهم ان الاحتباس الحراري خدعة صينية لأن الصين هي البلد الوحيد الذي يعمل اقتصاديا لأن يكون سوق العولمة الواحد في العالم قادرا على رفع سوية الفقراء وليس على تخفيضها , وهو ما لايناسب ترامب , بل يناسبه التعاون مع بوتين وعضلاته لتركيع اولئك الذين يريدون من العولمة ان تُحد من إرباح شركاتهم وتلاحق فسادهم وسرقاتهم للمال العام .
ايعقل ان يصوت الأمريكيون بناء على مزاجهم اللحظي وإحساسهم المبني على رد الفعل لينتقلوا من تحت الدلف الى تحت المزراب , وماذا ترك ابناء ذلك البلد الحضاري للشعوب المتخلفة التي تجدد انتخابها لحكامها المستبدين الفاسدين ؟ واين الوعي والثقافة والحضارة التي كنا نراهن عيها عند ابناء تلك البلدان المتقدمة التي تصعد الفاشية فيها ؟
في الختام :لسنا مقبلين على حرب عالمية جديدة كما يروج الكثير من الكتاب , بل انها قد بدأت ونيرانها تكوينا سواء نيران الطيارات الأمريكية بدون طيار أو نيران كل طائرات العالم التي تحلق في سماء سوريا والعراق , ولم يبق نوع من انواع الأسلحة الا واستعمل في هذه الحرب القذرة باستثناء السلاح النووي وما يمنعهم من استخدامه انه قد يحرقهم أيضا , ولكن لانعلم ان تطورت الأمور نحو الأسوأ ان يتم استعماله على قاعدة عليّ وعلى أعدائي يارب .
اعتقد ان ما قالته لجنة اعلان دمشق في اللاذقية العام الماضي في تقريرها السنوي ثبت أن فيه الكثير من الصحة .
(انها لمفارقة رهيبة في قريتنا الكونية الحالية , اعلام يتشدق بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان , لكن الواقع على الأرض عكس ذلك . لقد أصبح الانسان سلعة رخيصة في أسواقهم وربما الأرخص , اجتمعوا جميعا على استباحة سوريا وإجهاض ثورتها تحت شعار مكافحة الإرهاب وبإشراف هيئة الأمم المتحدة . ان هذا النهج خطير جدا واذا لم يعاد النظر فيه – بحيث ينتج المجتمع الدولي مجلس امن جديد يكون فيه القانون سيدا بدلا من القوة , وتقوم في ظله الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة ويتوازى فيه القول مع العمل من اجل الانسان وحقوقه – ستكون آثاره كارثية مستقبلا على الجنس البشري . )
ترى ماذا ستقول اللجنة في تقريرها العام القادم ؟
اقرأ:
كامل عباس: هيلاري كلينتون وانكسار الحلم
Tags: محرر