اياد شهاب: تأمّلات في الطغيان الشرقي.. 1- قرّة اعيننا ذي الجناحين…

اياد شهاب: كلنا شركاء

(بلّغ اللهمّ واوصل ثواب هذه الختمة الشريفة المباركة بعد القبول منّا هديّةً زيادةً في شرف شمس النبيين وقمر المُرسلين والمبعوث رحمةً للعالمين، سيّدنا محمد النبي الأمّي القرشي الهاشمي المكي المدني . . .).

هذا جزء من ما يسمّى “الختم الشريف”، يُهدي من خلاله اتباع إحدى الطرق الصوفية، مجموعة اوراد وادعية الى سادات طريقتهم، بدءاً من النبي محمد، وانتهاءً بشيخ الطريقة الحالي. واول شيوخهم بعد النبي صاحبه “ابو بكر الصدّيق”:

(وخصوصاً الى روح الشفيق الرفيق، حضرة سيدنا ابي بكر الصديق رضي الله عنه وعنّا بجاهه).

تنتشر الطرق الصوفية في دمشق بشكل كبير، ويجتمع اتباعها في جلسات متكررة لتلاوة “الختم الشريف”:

( . . . والى روح المُنسلخ عن الحجاب البشري -قطب الاولياء- مولانا الشيخ – – – – قُدّس سرّه . . .).

كلما اقترب “الختم” من العصر الحالي، ازدادت القاب سادات الطريقة، حتى نصل الى شيخ هذا العصر:

(والى روح قطب العارفين، وغوث الواصلين، تاج الكاملين، امام المحققين، امام وقته وفريد عصره، ذي الجناحين، شيخنا واستاذنا وملاذنا وحبيبنا ومرشدنا وقرّة اعيننا، ريحانة قلوب العارفين، مولانا الشيخ – – – – ، قدّس الله سرّه العزيز، وافاض علينا كما افاض على العالمين انواره وبِرّه).

ويبدو لكل قارئ ان القاب هذا الشيخ في الورد السابق، تفوق القاب النبي محمد، وتزيد عنها!..

ويختزل دعاء الختام الفكرة برمّتها:

(اللهمّ اتمم لنا سلوك هذه الطريقة العليّة، ووفّقنا لمرضاة شيخنا، وامتثال اوامره واجتناب مناهيه).

لا ينتهي “المريد” من “الختمة الشريفة” الا وقد استبدل “الله” ليضع شيخه بديلاً له ‘يمتثل اوامره ويجتنب نواهيه’!!!.

انتشر منذ مدّة احد دروس شيخ من شيوخ الطريقة، اثار جدلاً واسعاً، فقد حدّث الشيخ تلاميذه عن اعطاءه دروساً “للدجاج” ‘اللطفاء المطيعين الذين كانوا يتلقّون توجيهاته بكل اهتمام.. احد المريدين المتأثرين، رفع درس شيخه عن “الجاجات” على “يوتيوب” ليتعرّف العالم على كرامات “سيدنا” -كما ينادي المريدون شيخهم-، ولم يتوقع ان يصبح الدرس مثاراً لسخرية مئات الآلاف حول العالم، ما اثار الشيخ واغضبه، فخاطب اتباعه في الدرس التالي قائلاً:

(الذي يصوّر نأخذ منه الموبايل ونكسره، وإن حدث ان صوّر احدكم، يَحرُم عليه نشر الصورة)!.

بالتحريم السابق يصبح فعل المريد تجاوزاً شرعيّاً، كما يصبح الشيخ… “مُشــرّعاً”!!. وتصبح المشكلة هي ذلك المريد المتهوّر الذي رفع كلام سيّده على الانترنت!!.. وهي مفارقة لطيفة حقاً تستحضر قصة “اوتومبيل البيك”:

فمع بدايات انتشار السيارات في القرن الماضي، اشترى احد البكاوات سيارةً جديدةً، واخذ يتجوّل بها في قريته، مزهوّاً، متفاخراً. لكنه في احدى جولاته اخطأ التقدير فاصطدمت سيارته بأحد جدران القرية، وتحطمت… نزل “البيك” من السيارة غاضباً، وسأل احد المارّة: “هل اخطأت بشيء؟!!”… اجابه الرجل مسرعاً: “حاشاكم يا سيّدنا، كل الحق عالحيط”!.

تبدو اسقاطات القصة على المريد، مؤلمةً، ولكن ما يثير الاستغراب حقاً، هو تقبّل “الاتباع” في الدرس لتهديد شيخهم ووعيده بكسر الموبايل دون اعتراض!!.

يزداد تفسير الامر تعقيداً حين نعلم ان دروس هذا الشيخ اجتذبت حتى السنوات الاخيرة، عشرات آلاف “المريدين” في اكثر من مدينة سورية، اهمها العاصمة!!!.

يمارس كثير من شيوخ الطرق الصوفية (وغير الصوفية احياناً) الاستبداد على مريديهم “بالتراضي” ويُقبل الاتباع على هؤلاء الشيوخ بمزيد من التقديس ذي القواعد والاصول، فـ:

(من قال لشيخه لمَ فقد ضل!!) و (المُريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مُغسّله) و (اخطاء العارفين، كمالات المُريدين)!!!.

كل ذلك يجعل الشيخ “ذي جناحين” عند اتباعه، فما سبب ذلك؟

يذهب الكثير من المفكّرين الى ان الاستبداد يتلازم مع “الشرق” ليصبح في الممارسة السياسية طغياناً، فلماذا يتعايش الشرقيون مع الاستبداد اكثر من الغربيين؟!

جذر الفكرة براي البعض يعود الى ان الشرق هو “مهد الديانات السماوية” التي تبنّت “التقديس” للاله، “الذي نتّبع اوامره ونجتنب نواهيه”، فكرة تُلهم المستبدين فيما يبدو، فيحاولون ان يجدوا لهم “صفة قدسيّةً يتشاركون بها مع الله”.

هل تكمن المشكلة في النص، ام في الالتفاف عليه…

يتبنّى الاسلام فكرة العبادة لله، إلا انه يحصرها به وحده، ويُخبر القرآن الكريم ان الرسول “محمد” الشخصية المركزية في هذا الدين، “رسولٌ قد خلت من قبله الرسل”، فيعاتبه، ويقسو عليه احياناً: “عبس وتولّى”، ويُظهر خطأه في احيان اخرى: “ما كان لرسولٍ ان يكون له اسرى حتى يُثخن في الارض . . .”، ويطلب الينا الا نفرّق بينه وبين بقيّة الرسل “لا نُفرّق بين احد منهم”.

وفي تعامل صحابة محمد معه ومع بعضهم، تطالعك مواقف ذات دلالات…

فقصة الاعرابي الذي دخل مسجد النبي، فقال: “ايّكم محمد؟” تشير الى ضوابط اخلاق النبي (ص) الذي لا يُعرف بين اصحابه من تواضعه.

ولم تُعجِب عمر بن الخطاب -احد اهم تلامذة محمد- طريقة مشي مجموعة من الاتباع حول تلميذ آخر من تلاميذ النبي هو “أبي بن كعب” فرفع عليه -لا عليهم- درّته (اي عصاه) قائلاً: “هذه فِتنةٌ للمتبوع، ذِلّةٌ للتابع”.

يبدو من دراسة نصوص الديانات السماوية انها جميعها تنبذ الاستبداد والطغيان، وانما تظهر في كل عصر مجموعة من،اتباع هذا الدين او ذاك تلجأ الى تأويل بعض النصوص الدينية وتقدم اجتهادات شخصية تمكنها من التسلط والاستبداد.

بل ان الدارس للتاريخ، يرى بوضوح ان ظاهرة الاستبداد تزداد كلما ابتعد الواقع عن المثال زمنيّاً لتأخذ ابشع صور الطغيان، فكيف يصبح الاستبداد الشرقي “عقداً بالتراضي”؟!!!. هذا سيحتاج الى وقفات قادمة.

ولكن الجدير بالتأمّل، حالة التحالف الكبير بين “النظام” السوري، ومؤسسة “شيخ الطريقة” وتوابعها ومن شابهها بعد ثورة 2011 فـ “النظام” دعمهم وجعل قناته التلفزيونية الدينية “نور الشام” منبراً لهم، وهم آزروه وحالفوه ‘لوأد الفتنة’، وكأنهم عرفوا “بفتوح العارفين” ان الثورة التي استهدفت “النظام”، لو نجحت، فإنها ولاشك، ستقتلعهم.