د.سميرة مبيض: هل توصي الواقعية السياسية بإبقاء الأسد فعلا؟

د.سميرة مبيض: الأيام

الواقعية السياسية، هذا التوجه الذي يعتبر محرك الساحة السياسية الدولية اليوم هو اختيار السياسة الخارجية القائمة على المفاهيم العملية والمنفعية وليس على مفاهيم الاخلاق السياسية. اي ان هذا المفهوم يحول السؤال المطروح ما الذي تفرضه الاخلاقيات العامة في التعامل مع هذا الشأن؟ إلى ما هي مصلحة الدولة التي تقرر اتباع هذه السياسة؟

أكثر الأمثلة التي تساق لإبراز هذا المفهوم هو صياغة كيسنجر للعلاقات بين اميركا و الصين بحيث افترض ان العلاقة مع القوى الخارجية لا تعتمد على فكر النظام القائم بل على المنفعة السياسية و الاقتصادية للدول ذات الشأن بهدف تحقيق السلام الاكثر قابلية للاستمرارية لأكبر عدد ممكن من الدول. بذلك تخضع الاخلاقيات العامة وتترك مكانها للأمر الواقع المنفعي و تنشأ الواقعية السياسية.

انطلاقا من هذا المبدأ لا تجد الدول الديمقراطية مانعاً من التعامل مع النظم الدكتاتورية طالما تشير البوصلة الاقتصادية الى ضرورة ذلك، نظريا هو تطبيق للواقعية السياسية لكن عمليا هي المنفعة والمال مقابل المنطق السليم و القيم الناظمة لتحضّر المجتمع البشري.

بات هذا المنهج نظاما عالميا فرضته القوى الكبرى بالمال و السلطة و لا يبدو الوقوف بوجه ذلك ممكنا بتيار فكري لكن الى ان تقود الكوارث المتتالية الناجمة عنه العالم الى الواقع الحقيقي الذي يثبت أن هذا المسار يؤدي إلى المزيد من الخسائر على جميع الصعد، و الى تعقيدات تتراكم دونما حل منظور.

ما يبدو واضحاً انه تحت إطار هذه الواقعية السياسية فان الاختلاف بين الدول كان يقتصر على اختلاف بطبيعة النظم الحاكمة و النظم الاقتصادية المتبعة بشكل رئيسي، لم يكن الأمر ينذر بسوء شديد الى أن تجاوز الأمر ذلك و بات يندرج تحت نفس المصطلح اباحة التعامل مع منظمات إرهابية و مجرمي حرب يقبعون على كراسِ رئاسية. فهل ينطبق مفهوم الواقعية هنا أم هو انسياق أرعن لدعم قوى ظلامية ستجر وبالا عالميا يتجاوز بمسافات حدودها.

هل الواقعية السياسية توصي بإبقاء الأسد فعلاً؟

لا يمكن في أي حال من الأحوال الجزم بمصلحة أي من القوى الدولية عبر اعادة تأهيل نظام مماثل للأسد في سوريا. فمن وجهة نظر المصالح العالمية فان الواقعية السياسية تشير بضرورة اسقاط نظام الاسد و ذلك للعدة أسباب منطقية،

تغذية الإرهاب العالمي، لم يكن للنظام الأسدي من حجة لقمع ثورة شعب من أجل الحرية الا عبر خلق منظمات إرهابية و له في الأمر يد سواء في العراق ثم في الأراضي السورية، و أثبتت وثائق عديدة علاقته المباشرة و غير المباشرة بإنشاء داعش أو تمويلها و التنسيق معها للقضاء على الجيش الحر رافع لواء الثورة. يعتبر النظام الاسدي اذا نظاماً مولداً للإرهاب في بقعة ذو أهمية استراتيجية في العالم و قد حول سوريا لبؤرة تجمع مكاني و مورد لمتطرفي الفكر القادمين من كل أنحاء العالم و ليس له المقدرة على ضبط الامن سوى على مساحة صغيرة منها و ذلك يفسح المجال لهذه القوى المتطرفة لتأسيس مدارسها الفكرية و غسيل عقول الآلاف من الاطفال الذين سيشكلون لاحقاً أجيال تحمل الفكر الإرهابي كامناً لفترة طويلة وتهدد عبره الأمن العالمي.

بالإضافة الى ان ممارسة التطرف والعنف السلطوي تجاه المدنيين والعزل يحفز روح الكراهية و الانتقام و يدفع الكثيرين للخروج عن المسار السليم العقلاني و المنطقي للانجراف نحو التطرف الذي يجدون فيه حلا وحيدا لمعاناتهم.

ليس ذلك فحسب ففي قضية الإرهاب العالمي أيضاً فان الجرائم التي تتوالد تحت حكم هذا النظام هي محفّز أساسي لموجة الإرهاب التي تنتشر في جميع أنحاء العالم و ذلك ليس دون ثمن.

فبالإضافة إلى الهجمات الارهابية التي تعرضت لها معظم الدول و خسائر لا يستهان بها من الأرواح البشرية فان مهمة حفظ الامن ضد منتجات هذا النظام و حلفائه هي مهمة باهظة تتضمن تجنيد الاستخبارات العالمية و الامن و المراقبة و تقليص الاحداث الثقافية و الرياضية و الاقتصادية الكبيرة. بالإضافة إلى حالة التوتر التي خلقت في هذه الدول و تحول التنوع المذهبي و الاثني في معظمها الى مصدر ارتياب و قلق بعد أن كان مصدر غنى و تطور.

ثم ان القضية السورية باتت قضية دولية تهتم بها شعوب العالم ويقدم فيه السياسيون تقاريرهم ويبررون قراراتهم أمام شعوبهم فكيف سنقنع هذه القيادات المنتخبة ديمقراطياً شعوبها بارتباطها بمجرم أو بدفاعها عن إرهاب دولة او ببيع أسلحتها لميليشيات إرهابية والى متى ستستطيع اسكات الوعي الشعبي في الدول المتقدمة و الرافض لمحاباة النظم الإرهابية تحت أي مسمى.

ذلك غير ممكن بكل بساطة و سيعود دعم نظام الأسد بالضعف على جميع الحكومات المتواطئة و التي تحاول اليوم إخفاء نتائج ما حصل لكن الاخفاء لم يعد ممكنا في زمن الاعلام المفتوح و حتى ان طرحت في الأمر مقارنات اقتصادية فهي فاشلة فالمنافع لا تساوي الخسائر المجتمعية خصيصاً في دول تحتضن تنوعاً مذهبياً و عرقياً و ثقافياً كبيراً.

من الناحية السياسية يفترض أن تتصدى الواقعية السياسية الى هيمنة القطب الواحد، لكن ما نراه اليوم هو سيطرة روسيا على منطقة الشرق الأوسط مع اقصاء كامل لدور أوروبا رغم علاقاتها التاريخية مع المنطقة و اضعاف لدور أميركا وتعطيل كامل لدور الأمم المتحدة و فاعليتها في الحفاظ على الامن و السلام في العالم.

فالحفاظ على السلام لأطول فترة ممكنة و الذي يشمل أكبر عدد من الدول هو أحد أركان الواقعية السياسية، يناقض هذا المفهوم بجميع مقاييسه استمرار نظام الأسد فوجوده يهدد السلام الداخلي في الكثير من الدول بسبب تحفيز التعصب و توليد الارهاب و يهدد السلام بين الدول على خلفية الحرب الدائرة في سوريا، فالجواب على سؤال هل سيزول الإرهاب ببقاء الأسد هو لا بكل المقاييس المنطقية فما الدافع الباقي للإبقاء عليه.

تشير معايير الواقعية السياسية المتداولة في هذا السياق الى غياب البديل وذلك أمر بديهي بعد خمسة عقود من غياب الحياة السياسية في سوريا لا يعني ذلك الإبقاء على نظام إرهابي بل يعني ضرورة دعم السوريين لإيجاد البديل، يتوافق ذلك تماماً مع تطلعات الشعب السوري الذي بات واضحاً نبذه لكافة القوى المتطرفة التي استقرت على الأرض السورية وعدم احتضانها و تقويتها بأي شكل على العكس فقد استمر علم الثورة هو الحد الفاصل بين الفكر الثوري و الفكر المتطرف، فلا مخاوف من دعم هذا الحراك الشعبي الناظر للحرية عبر تحقيق مطالبه الموافقة للنظم العالمية بل و مساعدته على انشاء حكومة بديلة من بين صفوفه بعد أن غربلت السنوات الخمس الماضية كل المقاصد. حكومة من عمق الثورة السورية تساعد بالقضاء على الإرهاب الذي زرعه النظام في المنطقة. لم تنفع الفوضى و لم تخلق الا الى المزيد منها،

حجتنا قوية و ليس ذلك فحسب بل يدعمها الواقع الذي يتطلب فعلياً وضع أسس منظّمة لنظام حكم حديث يخرج الجميع من هذه الدوامة و ليس إعادة تدوير نظام بأسس منخورة أصبحت تشكل خطراً لكل من يقترب منها.

لن يتجاوز ذلك المنافع الاقتصادية التي تحصل عليها الدول المستفيدة من بقاء نظام الأسد اليوم بمال السلاح واستجرار غير شرعي للموارد الطبيعية السورية، فالمستقبل السوري سيتطلب التنمية والاعمار و استثمار الموارد بطرق منتظمة لا يتعدى الأمر الا ضرورة بمشاركة موارد الشعب مع أبنائه و ليس تهجيرهم للحصول عليها مقابل السلاح و دفع ثمن الكراهية و الحقد و التعصب أضعافاً مضاعفة. وتلك اهم الأسس التي قامت عليها المجتمعات الحديثة و التراجع عنها ليس في مصلحة أحد.

اذا فالواقعية السياسية مقابل النظم المجرمة لا تتعارض كثيراً مع الضوابط القيمية السياسية فهي تهدف بالنتيجة للوقاية من الخطر على المدى المنظور و في ذلك حسن بصيرة لا استغناء عنه.