المحامي ادوار حشوة : الدين والدولة في التاريخ السياسي السوري

المحامي ادوار حشوة : كلنا شركاء

في ظل الدولة العثمانية كان دين الدولة الاسلام وعلى المذهب الحنفي وكان التشريع مستندا الى مجلة الاحكام العدلية  ولكن بعد  ذلك     قام الجنرال اتاتورك   باعلان تركيا دولة علمانية وفصل فيها الدين عن الدولة و ألغى مجلة الاحكام العدلية واستبدلها بقوانين مدنية كما في اوروبا.

في سورية قام الجنرال حسني الزعيم بالغاء مجلة الاحكام العدلية ووضع قانونا مدنيا مستمدا من القانون المدني المصري ولكن لم يتعرض لموضوع دين الدولة.   

في دستور الخمسين الذي وضعته جمعية تاسيسية منتخبة نشأ  اول جدل حول دين الدولة وحول تطبيق الشريعة الاسلامية فالتيار الاسلامي المحافظ كان يصر على ان دين الدولة هو الاسلام وعلى تطبيق الشريعة الاسلامية وبالمقابل كان اليساريون والمتنورون يقودون الحوار المضاد الذي انتهى الى اتفاق كامل على حل عقلاني وسط لا يشعر معه الاسلاميون بالغربة ولا يشعر الاخرون بالقهر  وهذا النص  الوسطي هوالتالي  (دين رئيس الدولة الاسلام والفقه الاسلامي مصدر رئيسي من مصادر التشريع ).

وكان المبرر ان رئيس الدولة  هو رمز وليس سلطة في الدستور واشتراط الاسلام هو نوع من التقدير المعنوي لدور الاغلبية  ثم ان اعتماد الفقه  كمصدر رئيسي بدلا عن الشريعة يعني الانتقال من تطبيق الشريعة الى عدم جواز مخالفة فقهها كمصدر رئيسي خاصة ان سورية لم يصدر فيها اي قانون يخالف الشريعة بنص دستوري او بدونه .

خالف العقيد اديب الشيشكلي  الفقه الاسلامي  في موضوع  مساواة المراة بالرجل في الارث في الاراضي الزراعية حيث اعطى المراة نفس حصة الرجل لان الاراضي  رقبتها للدولة وللفلاحين حق الانتفاع عليها وبالتالي من حق مالك الرقبة ان يجعل  انتقال الانتفاع عليها بالتساوي وافتى له مشايخ بصحة ذلك .

استمرت هذه الصيغة معتمدة في كل الدساتير السورية اللاحقة وحين حاول الرئيس حافظ الاسد الغاء  المادة التي تقول دين رئيس الدولة الاسلام في الدستور الذي اصدره حدث صخب ديني فاعاد النص بعد ان فسر له مشايخ الشام ان العبارة تشمل كل  المسلمين ولا تعني السنة تخصيصاً.

هذا كله في النصوص الدستورية اما في السياسة واحزاب الساحة فالخلاف كان سابقا على الاستقلال ومتنوعاً ويعكس الضرورات التي تمليها الحالة التعددية في المجتمع .

الدين والدولة في الفكر السياسي

-المفكر انطون سعادة كان اول من دعا صراحة الى  (فصل الدين عن الدولة ) كشرط من الشروط المتعددة في مشروعه للنهضة  التي تعتمد على قومية سورية  متميزة تاريخيا وجغرافياً عن باقي القوميات العربية  معتبرا الامة السورية من امم العالم العربي ومنوها بدورها القيادي  وكان ذلك في اوائل الثلاثينيات من القرن الماضي فكان شعار فصل الدين عن الدولة مبكرا جدا على مجتمع كان قابعا لاربعة قرون في الحاضنة العثمانية  ومع خلاف العروبين معه فانهم لم يجرموا دعوته بل اعتبرو انها مبكرة فقط ولم يرفضوها  كمبدأ  وعمليا  سعادة  (فصل الدين عن الدولة). و(فصل سوريا عن القومية العربية ) واعتبر العروبة تضم امما عربية وان سورية هي درع العروبة وسيفها ولم يحاربها كما يتقول بعض اتباعه اليوم .

-الحزب الشيوعي  كان يدعو الى علمانية اوسع تمتد من ابعاد الدين عن الدولة الى اعتباره افيونا يخدر الشعوب النائمة ويحول دون تطور المجتمع ومع ذلك لم يحارب  فكرسعادة لهذا السبب وقبل  بالصيغة الوسطية التي تم اعتمادها في دستور الخمسين .

– اول من فصل الدين عن القومية العربية هو مؤتمر المثقفين العرب الذي انعقد في قرية قرنايل في لبنان في  عام الف وتسعماية وثلاث وثلاثين برئاسة المفكر رشدي خياطة واصدر مقرراته تحت بند نحن نعتقد :

-القضية العربية قضية قومية بحته

– امتنا العربية هي القاطنة في العالم العربي والمرتبطة بصلات اللغة والثقافة والتاريخ والتقاليد والمصالح والامال الواحدة ( لم يذكر الدين ).

– العربي من لغته الاصلية العربية او يسكن الاقطار العربية وليست له في الحالتين اي عصبية تمنعه من الاندماج في القومية الجامعة .

-كل عصبية اقليمية او جنسية او طتئفية في وطننا العربي هي قوى هدامة يجب القضاء عليها او اذابتها في القومية الجامعة

-اشد اعداء بلادنا الاستعمار والفقر والرجعية الاجتماعية والتعصب الديني فلنحاربها بكل جهادنا.

– لا يفصلنا عن اخواننا العربدين او مذهب بل تتحد عقائدنا في خدمة قضيتناز

هذا الموتمر انبثق عنه حزبان سياسيان استندا الى هذه المقررات هما عصبة العمل القومي والبعث

حزب عصبة العمل القومي ( فصل الدين عن القومية)  فليس من شروط الانتماء اليه  الدين بل اللغة والتاريخ والمصالح ودعا الى دمج كل الاقليات الدينية و غيرها في القومية الجامعة .

-حزب البعث اسسه ميشيل عفلق وصلاح البيطار وكلاهما من دمشق وميشيل عفلق كان احد الذين حضروا مؤتمر قرنايل فاخذ مقرراته وجعلها دستورا للبعث و (فصل الدين عن القومية العربية ) واعتبر العربي من يعيش على الارض العربية ويتكلم لغتها وليس لديه عصبية تمنعه من الاندماج وعن طريق ذلك انتسب الى البعث الكثيرون من الاقليات العلوية والدرزية والاقليات الدينية في حين رفضت الانتساب اليه  الاقليات العنصرية كالاكراد والتركمان والاشورين   .

   لم تتعدل نسبة المسلمين فيه الا بعد  اتحاده مع العربي الاشتراكي الذي رفده بفلاحين ومثقفين اسلامين ومسيحين عدلوا في هيكليته التنظيمية.

الحزب العربي الاشتراكي ( الذي صار بعد انفصاله عن البعث يدعى الاشتراكين العرب )

هذا الحزب في بداية نشأته لم يدع  الى فصل الدين عن الدولة بل دعا زعيمه اكرم الحوراني الى وسطية تقوم على الشعار ( نحن نحترم الدين ولا نستخدمه في السياسة ) معتبرا ان  من المبكر فصل الدين عن الدولة والمهم هو من استخدام الدين في السياسة للاذى والتعصب الناتج عن ذلك والعربي الاشتراكي لم يطالب بمنع الاخرين من استخدام الدين في السياسة لتعارض ذلك مع حرية الاعتقاد وفقط اعلن انه لا يستخدم الدين في السياسة  وبرزت في هذا الحزب قيادات من مختلف الاديان والطوائف   كتوابع وطنية لا دينية ولا طائفية وفي فكر العربي الاشتراكي مساحة حرة للسياسة والاديان ولكن ضمن الاختصاص  ( رجال الدين مكانهم المعابد وهم فيها احرار ومحترمون  ورجال السياسة مكانهم الاحزاب وهم فيها احرار ومحترمون)  ورأى الحوراني ان الخلط في الاختصاص معيب   ويؤذي الوحدة الوطنية ويجب  التصدي له .

_  الاتحاد الاشتراك الناصري  اعتمد على ربط العروبة بالاسلام  دون ان  يعتبر دين الدولة الاسلام واعتبر العروبة والاسلام يدوران معا في الوجود والعدم .

هذا هو التاريخ  وهذه هي الافكار والشعارات وبعد الحرب الاهلية في سورية هناك من يرى الحل في فصل الدين عن الدولة وهناك من يريد الاسلام دينا للدولة لذلك فان وسطية دستور الخمسين ماتزال حاجة وطنية لا يشعر معها احد بالخطر وما يزال شعار  نحترم الدين ولا نستخدمه في السياسة من الاوليات في فكرنا المعاصر وهذا هو السؤال





Tags: مميز