نجيب أبو فخر: ما وراء اغتيال السفير الروسي في أنقرة

نجيب أبو فخر: كلنا شركاء

من الواضح جدا جدا أن من دبّر عملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة كان يريد توجيه ضربة قاصمة للعلاقات الروسية – التركية التي بالكاد شهدت مؤخرا تحسنا متسارعا بعد تداعيات القطيعة التي سبّبها إسقاط الطائرة الروسية في العام المنصرم ، وأسباب هذا الوضوح تكمن في تفاصيل تدبير الاغتيال الذي أُريدَ له أن يظهر وكأنه بسبب حماسة أحد أبناء الشعب التركي الغاضب من السلوك الروسي في سوريا ، ليبدو وكأنه في سياق طبيعي منسجم مع المظاهرات الكثيفة التي شهدتها الشوارع التركية منذ يومين تنديدا بالسلوك الروسي في سوريا ، ومطالبة ب( نصرة حلب ) ، ومتناغم مع حشود الشباب التركي التي تجمعت عند الحدود السورية التركية راغبةً بالانضمام إلى ساحات ( الجهاد ) ، في الوقت الذي كان الشباب السوري- المؤيد ( شكلا ) للثورة – في غالبيته يتعاطى الأركيلة في مقاهي اسطنبول وباقي المدن التركية !! .. لهذا وفي زحمة أجواء الامتعاض هذه ، يكون من السهل الاصطياد في الماء المتلاطم غضبا لمن أراد تهييج الظروف أكثر ، وما أكثر أصحاب المصلحة في فعل ذلك بهذا التوقيت بالذات .. وما أسهل فعله على من تغلغلوا في المنطقة برمتها من أجهزة استخبارات عالمية ودولية ، تتبع لكل منها عشرات الفصائل الجهادية التي يظن معظم المنتمين لها أنهم إنما يرضون وجه الله بجهادهم ولا يدري غالبيتهم أنهم فقط يجاهدون حسبما يرضي أمراء تلك الأجهزة وحسب .

ضابط شرطة في بداية العشرينات من عمره ، هو الذي نفّذ عملية اغتيال السفير الروسي بهدوء شديد ، وتلاه إلقاءه لخطاب حماسي ديني طويل تحدث فيه عن المهاجرين والأنصار بعد صيحات الله أكبر !! وتحت عدسة كاميرا صحفية مثبتة فرّ المصوّر من خلفها لحظة إطلاق النار ، ولم تتحرك إلأ بعد أن تمت تصفية الضابط الذي نفّذ عملية الاغتيال .. فلماذا يحدث كل هذا ؟؟ ومن المقصود بهذا العمل ؟؟ ، ومن المستفيد منه أولا عن آخر .. ؟؟ لنستذكر أولا أنه منذ أسبوعين تعرّض الاقتصاد التركي لهزة استهدفت سعر صرف الليرة ، وبمجرد ما اتخذت الحكومة اجراءات لدعمها ، وحظيت الخطة بدعم شعبي ملحوظ ، أدى لتحسن في سعر الصرف ، حتى استهدفت اسطنبول بتفجيرين إرهابيين بجوار ملعب كاباتاش ادى لإفشال الخطة الداعمة للاقتصاد مجددا .. ولو مؤقتا .. ولنستذكر معا أن دولا بمكانة روسيا تعتبر المساس بسفراءها هو مساس مباشر بسيادتها ، وليس بعيدا عنا أن إسرائيل قد أحرقت لبنان لأجل جنديين ، وأن فرنسا قد اجتاحت الجزائر بسبب أن داي الجزائر حسين لوّح بمذبّة في وجه سفير فرنسا دوفال !! ، وكثيرة هي الحوادث المشابهة في التاريخ والتي بالتأكيد كانت حاضرة في ذهن من خطط لهذه العملية متأملا منها أن تُحدث ذات الأثر وخصوصا أنه يظن أن روسيا التي تفهّمت وتجاوزت حادثة إسقاط الطائرة الروسية ، لن يمكنها تجاوز حادثة أخرى لأي سبب كان .. وخصوصا أن بوتين مطالب اليوم أمام شعبه بالتزامات وعوده التي تحدثت مطولا عن إستعادة الهيبة الروسية عالميا .. وليس أكثر مساسا بالهيبة من اغتيال سفير من الطراز الرفيع جدا مثل أندريه كارلوف الذي يعتبر من رجال الدولة الروس الذين تبوأوا مناصب حساسة جدا بقضايا الأمن الإقليمي الروسي وهو رجل ذو تأثير فعال في ضبط العلاقات التركية الروسية التي تعود لمئات السنين من التوتر والتنابذ التي وصلت حد الحرب قديما والتقارب والتجاذب التي قد وصلت لمرحلة ما قبل التحالف حديثا ، إلا أنه وبنفس الوقت يسجّل لكارلوف نفسه حذره الشديد من استهداف العلاقات التركية الروسية من قبل جهات خارجية إذ أنه كان دائم التحذير لموسكو من احتمالية قيام أية عمليات تُنفّذ بأيدي خارجية قد تستهدف تطبيع العلاقات بين البلدين ، وربما لم يكن يدري أنه سيكون هو بالذات ضحية لإحدى هذه العمليات .!! التقارب الروسي التركي الذي ينعكس إيجابا على تسارع الحل في سوريا ، هو ما لايريده الكثيرون ، من أرباب الأجندات الإقليمية التي تستهدف في جزء منها إنهاك تركيا تحت ثقل الملف السوري ، تركيا هي الدولة التي تحملت الكثير من المسؤولية تجاه القضية السورية ، وتحملت العبء الدولي الأكبر بملف اللاجئين السوريين ، وتحمّلت المسؤولية الأخلاقية وحدها عن كل فعل حدث في سوريا تحت غطاء دولي كامل ، ومع أن معظم الدول تنصلت لاحقا من دفعها وسعيها لتبني هذه المواقف ، إلا أن تركيا التي وجدت نفسها وحدها ما كان ممكنا لها أن تتنصل لأكثر من سبب ليس أولها دورها المباشر الذي تفرضه عليها ثمانمائة كيلو متر من الحدود المشتركة الملتهبة مع سوريا ، وليس آخرها التداخل الديمغرافي الكبير بين الشعبين السوري والتركي . خصوصا بين ملايين التركمان والعلويين والأكراد ، والذي يشكل رافعة للعلاقات الإيجابية بنفس النسبة التي يشكل فيها خطرا من تمدد مشاريع التقسيم إليها لو حدث ذلك في سوريا مثلا …. إذا ، وبالمحصلة هذا الدور التركي الذي بدأ يعمل لتقريب ساعة النهاية للصراع في سوريا بالتنسيق مع روسيا هو المستهدف ، وتطبيع العلاقات بين البلدين بعد إعلانهما عن أملهما أن يصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى مائة مليار دولار هو المستهدف ، والخلاص وإنهاء حالة التدمير في سوريا هو المستهدف أيضا خصوصا بعد أن شكّلت تركيا ضمانة بالأصالة عن نفسها للوصول إلى تلك اللحظة ونيابة عن السعودية وقطر وجهات المعارضة كما كانت روسيا بالأصالة عن نفسها ضمانة للوصول إلى ذلك ونيابة عن جهة النظام وإيران وحلفائهم ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، فيمكن القول أن اللاعبين الوحيدين المتبقين في الملف السوري هم تركيا وروسيا وإيران وهو ما لا يروق لمعظم الأطراف المُستبعدة بما فيها الأطراف السورية ذاتها التي من المفترض أنها صاحبة القضية … إن قدرا كبيرا من الوعي يتطلبه استيعاب تداعيات هذه الحادثة التي لا يمكن تجنّب آثارها الجانبية لكن يمكن احتواء آثارها المباشرة فورا ، وربما كانت سرعة التوافق الروسي التركي على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة وإعلان الرئيسين التركي والروسي أن هذه الحادثة لا يمكن أن تمس العلاقات بين البلدين .سببا مباشرا في إحباط وإفشال الهدف من العملية برمتها . ليتركا من خطط وحلم وأعدّ لهذه الفتنة ساهرا يقضم أظافره وهو يفكّر مغتاظا بعمل إرهابي جديد ينال به مراده الذي على الأرجح لم يعد له مكان على أرض الواقع في خريطة المصالح الاستراتيجية التركية – الروسية الجديدة التي تتقاطع اليوم عند هدف زمني يقضي بإقفال قضية النزاع السوري المسلح قبل تموز 2017 .. ليترك المجال لعملية التسوية السياسية على مصراعيه بشروط تضمن التحول الديمقراطي في سوريا بشكل يصون مصالح جميع السوريين ويحفظ كل المصالح الإقليمية مع سوريا الجديدة ، هذه المصالح التي على السوريين أنفسهم تحديد موقفهم منها ، وتأطير أبعادها بشكل يساهم في بناء سوريا الجديدة ولا يمسّ بالمصالح السيادية للدولة دون السماح بتحويلها من جديد لمزرعة لأشخاص أو أحزاب أو دول.



Tags: محرر