on
مترجم: رداً على ازدواجية بسام حداد.. ثورة نقية أم مؤامرة خارجية
لمى أبو عودة- مفتاح: ترجمة: محمود محمد العبي- كلنا شركاء
في مادته الجديدة في الناشونال، يقول بسام حداد من جامعة جورج ماسون هناك “روايتين حصريتين فيما يخص الحرب” تسيطران على نقاشات الوضع المأساوي في سوريا.
الرواية الأولى هي “ثورة نقية وثابتة”، تتجاهل كيف يمكن لانتفاضة حقيقية ضد بشار الأسد أن تصبح عالقة مع “جهاديين” خارجيين مناهضين للديمقراطية، الذين يشكلون الآن- كما قيل لنا- معظم قوات الثوار. أما الرواية الثانية هي “مؤامرة خارجية”، التي تجحد شرعية النضال المستمر ضد الأسد بالإعلان أن المعارضين للنظام إلى حد كبير “جهاديين أجانب”. وفي رؤية بسام حداد، وصلت كلا الروايتين إلى “طريق مسدود”.
يقول حداد: قد فشلنا في ربط أنفسنا بأي من تلك الروايتين، وسيستمر فشلنا في انقاذ “البلاد من حافة الهاوية”. ويصر حداد على أن: السبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع المتصاعد عبر تخلي كل طرف عن مطالبه “العالية/ المتطرفة”. وهذا يعني أنه يجب على أنصار الرواية الثورية أن يتخلوا عن دعواتهم للإطاحة بالأسد، في حين أنه يجب على أنصار معسكر “المؤامرة الخارجية” أن يتوقفوا عن التعامل مع المعارضة باعتبارها لا شيء سوى إرهابيين. ووفقاً لرؤية حداد، هذا أمر ضروري لسوريا للبدء في البحث عن السلام.
من خلال تقديم هذه الحجة، على ما يبدو أن حداد يعتقد أنه وضع رواية “محايدة” للمناقشات بشأن سوريا، التي تسير نحو “حل معتدل” للنزاع. ويعتقد حداد أنه يقدم هذا “الحل المعتدل” بطريقة لا يمكن إلا أن يتبناها جميع العقلاء. في الواقع، بينما يهدد حداد ضمناً، أن رفض حله المقترح من شأنه فقط ترسيخ المواقف “المتطرفة” بشكل صارم، التي من شأنها في النهاية أن تؤدي إلى تفاقم المأزق الحالي.
على أي حال، رواية حداد في الحقيقة ليست محايدة ولا “معتدلة”. بدلاً من ذلك، تنحاز كامل مقالته بمهارة لرواية ضد أخرى. على الرغم من أنه يدعي كونه معتدل موضوعي (في الواقع، يقترح أن استنتاجاته تعكس استنتاجات “غالبية السوريين”)، يعيد عرض حداد صياغة وتلميع أجزاء من رواية “المؤامرة الخارجية” بطريقة تُخون بشكل حتمي المعسكر الثوري.
حجج متحيزة
بالنسبة لأي شخص يتابع عن كثب النقاش بشأن سوريا، تظهر دلائل انحياز حداد في بداية مقالته. على سبيل المثال، يقول حداد: “[إن البلاد لن تكون في سلام دون الأخذ بعين الاعتبار تطلعات غالبية مواطنيها”. يتطلب هذا التصريح، والتي يتم تحميلها، تفريغاً دقيقاً.
أولا، قبل وقت طويل من الثورة ضد الأسد أصبح معسكر “الجهادي الموجه،” ما يسمى المناهض للإمبريالية، و “المؤامرة الخارجية” يمتنع عن تأييده للثورة، في الوقت الذي يدعي أيضا أنه يدعم ما يفضله “غالبية السوريين”.
قبل بضعة أشهر فقط من الانتفاضة السورية، هذا المعسكر المؤلف من أفراد اعتقدوا بقوة (وبحق) أن الثورات ضد زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر كانت حقيقية. وعندما بدأت الثورة في سوريا، بدلوا خطابهم، متميزين بمكر عما يريد “غالبية السوريين” من الثورة نفسها. كونك مع “الثورة” في مصر وتونس، ولكن بغموض لما “يريد الشعب” في سوريا، كان واضحاً ومخادعاً.
يبدو أن حجة حداد تلعب على هذا الوتر. ولكن، ما الذي يفسر هذا التنافر بين مؤيدي الثورات العربية؟ نلتقط تلميح لأسباب هذا في تفسير حداد نفسه لردود الفعل الدولية على الثورة السورية. وفقاً لحداد:
لا يعني فضح الادعاءات المفرطة للمؤامرة الخارجية أنه لم يكن هناك إجماع من نوع ما بين اللاعبين الإقليميين والدوليين (أي المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة). يتمحور هذا الإجماع حول فكرة أن سوريا وحلفائها في حاجة إلى تحجيم لأنهم يعرقل الهيمنة على المنطقة عبر هؤلاء اللاعبين جنباً إلى جنب مع حلفائهم، ولا سيما اسرائيل. (كانت سوريا والعراق القوى الإقليمية الوحيدة المتبقية التي تشكل تهديد محتمل لاحتلال إسرائيل العسكري والتطهير العرقي لفلسطين، حتى لو بشكل غير مباشر، من خلال حزب الله في حالة سوريا.) تعثرت هذه القوى ذاتها تقريبا عندما اندفعوا إلى اشعال وخطف الانتفاضة السورية لأغراضهم الخاصة. وسرعان ما وجدت أن هناك حواجز/ عقبات خطيرة، مثل إيران وروسيا وحتى الصين.
تسليط الضوء على مدى تفكك تفسير حداد للتلقي الدولي لسوريا، يقدم جلبير أشقر- وهو عالم سياسي بارز- هذا التفسير أكثر عمقاً لرد فعل الولايات المتحدة تجاه الثورة في موقع الأهرام:
قال الأشقر: “إن إدارة أوباما وباراك أوباما نفسه هما المسؤولين بشكل مباشر عن المذبحة في سوريا”. ووفقاً للأشقر، في حين تدخلت روسيا بشكل كبير في سوريا بشكل مباشر ومن خلال حلفائها الإقليميين، فشلت إدارة أوباما في الوقوف بجانب المعارضة وحتى في وضع سقف للدعم الذي يمكن للقوى الإقليمية أن تقدمه لأولئك الذين يعملون ضد “الدكتاتور” السوري بشار الأسد. وقال الأشقر: “منعت إدارة أوباما الصواريخ المضادة للطائرات عن المعارضة في الوقت الذي كان الأسد وحلفائه من روسيا يقصفون بكثافة المدن عندما بدأت الدعوة للديمقراطية”.
في الواقع، بدلاً من استغلال الانتفاضة ضد الأسد في تقليل “معادية للإمبريالية” في سوريا، (كما يدعي حداد)، بذلت الولايات المتحدة ما بوسعها لمنع الإطاحة بالنظام من الحكم.
بالإضافة إلى عدم دقته، يمثل منظور حداد على القبول الدولي للثورة تماما منطق جنون العظمة لمعسكر “المؤامرة الخارجية”. وفقاً لهؤلاء “المناهضين للإمبريالية”، هددت الانتفاضة بتراجع حزب الله الشيعي اللبناني الذي يعامله كثير من اليساريين باعتباره حامل لواء المقاومة ضد إسرائيل. على مدى عقود، قد استغل مناهضي الإمبريالية- وخاصة ضمن اليسار العرب في لبنان وفلسطين- مقاومة إسرائيل لترشيد وتوفير غطاء لخنق حزب الله للبنان. بجعل سوريا استثناء عن الربيع العربي، بشكل فعال سرق هذا المعسكر السوريين كرهائن من أجل المقاومة المناهضة للإمبريالية، وجعلهم شهداء هذه القضية.
يمكن العثور على دليل آخر على تحيز حداد عبر إصراره على أن نقاش سوريا يدور حول ما إذا كانت “الثورة” تحدث حقاً في البلاد. وبعبارة أخرى، هل هناك أي أساس حقيقي وأصلي للمنظور المؤيد للثورة؟ أم أن أنصار هذه الرواية ينفذون فقط إملاءات القوات الخارجية (الأجنبية)؟ هل الثورة السورية علمانية وديمقراطية، معادي للإمبريالية، وتستحق دعمنا؟ أم أنها مجرد رجعية وطائفية؟
وبطبيعة الحال، يعترف حداد بأن النظام وحشي: يتفاعل النظام في سوريا بنفس الطريقة مع أي تهديد لحكمه. ومع ذلك، من خلال الزعم أن نقاء الانتفاضة هو محور النقاش، يضع الثورة، بدلاً من نظام الأسد، للمحاكمة.
الازدواجية الحقيقية
أقوى دليل على ادعم حداد الناعم لرواية “المؤامرة الخارجية” هو تعريفه لمطالب المعسكر الثوري “بالمتطرفة”. في مقالته، يصف حداد هذه المطالب المتطرفة بالمطالب التي “تُطيح بالنظام”.
ولكن الدعوة للاطاحة بالأسد هو مطلب معتدل، وليس متطرف.
وبالنظر إلى الموت والدمار الذي خلفه الأسد (ولا يزال) في سوريا، فمن السخف وصف “الإطاحة بالنظام” كهدف متطرف. والأسوأ من ذلك هو الاقتراح الذي قدمه حداد وغيره، أنه يجب أن يعاد النظر في هذه المطالب.
يبدو أن الهدف الحقيقي “المتطرف” مختلف جداً عما يشير إليه حداد. على سبيل المثال، ينطوي على الدفع باتجاه محاكمة جميع الشخصيات والمؤسسات العامة والخاصة التي تدعم الأسد، بما في ذلك الذين عذبوا المعتقلين، والأطباء والقضاة الذين نفذوا أوامره على مدى السنوات الخمس والنصف الماضية. من أجل السلام، يمكن أن تتم تسوية ما في هذا الشأن. لكن هزيمة الأسد؟ ذلك ضروري للناس لكي حتى يتنفسوا!
إذا أراد حداد حقاً المشاركة في “معاينة موضوعية” لرواية الحرب، يمكن أن تنطلق حجته من هذا القبيل: يصر المعسكر الثوري على أن هزيمة الأسد هي خطوة أولى ضرورية نحو إعادة بناء سوريا كدولة دستورية ديمقراطية لجميع المواطنين؛ يدعي طرف “المؤامرة الخارجية” أنه ستنهار بهزيمة الأسد- بغض النظر عن قسوتها- الدولة (التي من شأنها أن تشكل خطراً على مشروع المقاومة المناهضة للإمبريالية، وتهدد هيمنة حزب الله على لبنان، وتحول سوريا إلى أرض صيد للجهاديين).
من شأن النقاش أن يتمحور حول طبيعة النظام القاتلة وتكاليف بقاء الأسد في السلطة، وليس على شرعية الثورة. بعد كل شيء، كان النظام الذي ولد في الثورة وليس العكس. وهذه هي الطريقة التي اختارها الأسد لسلب الثورة، وليس طبيعة الثورة نفسها، التي أدت إلى العنف الذي يجتاح البلاد.
عن طريق تحويل محور النقاش في هذه الطريقة، من شأن حداد أن يفرض على معسكر “المؤامرة الخارجية” مواجهة مسألة كيفية استعداد العديد من السوريين على التضحية لبقاء الأسد في السلطة. ما هو عدد السوريين الذين يجب أن يموتون بشكل عبثي، قبل أن تنتهي الحرب؟
تأطير القضية بهذه الطريقة يكون أكثر دقة بكثير من الازدواجية الكاذبة التي اختار تقديمها حداد حتى الآن. وأيضاً من شأنها أن يكون أكثر دقة في عكس الجدل السائد في سوريا.
إعادة تأطير النقاش
اقتراب حداد من روايات الحرب في سوريا، بما في ذلك محاولته التوفيق بين الجانبين، يذكرنا باتفاقات أوسلو في التسعينيات:
في أوسلو، اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني (وتوقفت عن التعامل معها كمجموعة إرهابية). في المقابل، اعترف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات فعلياً بسيادة إسرائيل على الأرض. في صفقة مماثلة مع الشيطان، يطلب حداد من الثوار السوريين التضحية بهدف “إسقاط النظام” في مقابل عدم معاملتهم كإرهابيين، والاعتراف بمظالمهم أمام المجتمع الدولي.
وبهذه الطريقة، تعكس مقترحات حداد في “ترويض” المعارضة السورية محاولة أوسلو في تقويض الانتفاضة وسلب المجتمعات الفلسطينية التي كانت تستخدم العصيان/ التمرد المدني الشعبي لتحدي الاحتلال الإسرائيلي في السنوات التي سبقت الاتفاق.
لم تقترب أوسلو من تحرير الفلسطينيين – الشيء الذي يعلمه بشكل جيد حداد، الذي عارض طويلاً اتفاقات أوسلو. اقتراحه لسوريا محكوم بالمثل (بالفشل).
بدلاً من تعزيز العبارات الملطفة حول كيف “يتم استنفاد السوريين بالحرب”، والإصرار أن الغرب يفتقد التعقيدات السياسية للـ “الأغلبية السورية،” على حداد أن يقوم بما هو أفضل عبر مقاربة حجته بشأن قلق السوريين المنتظم، الذين ينتظرون بفارغ الصبر التوقف عن القصف المستمر. وينبغي أن نتذكر ونتأمل في حقيقة أنه عندما يكون هناك توقف عن القصف، يخرج هؤلاء السوريون المحاصرون دائماً في احتجاجات حاشدة، ويستمرون بالثورة السلمية ضد الأسد، وكأنهم يقولون: “الآن، أيها العالم، هل ترى ضد من خرجنا؟ هل ترى ما نحن ضده كل هذه السنوات؟ “
ما ينبغي النقاش حوله دائماً هو الأسد، وليس شرعية الثورة ضد الأسد.
رابط المادة: هنا
العنوان من المصدر: رداً على ازدواجية بسام حداد الزائفة في سوريا
Tags: مميز