on
Archived: نور الدين الإسماعيل: كيف فرض حافظ الأسد سيطرته على الجيش؟
نور الدين الإسماعيل: كلنا شركاء
عُرفت سوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال بأنها بلد الانقلابات العسكرية, بداية من انقلاب حسني الزعيم عام 1949 وانتهاءً بانقلاب حزب البعث الثاني عام 1966 وتميزت تلك المرحلة بعدم الاستقرار السياسي فكانت مرحلة تقلّبات سياسية وعسكرية بامتياز.
خطة الأسد الأولى لفرض السيطرة:
بدأ حافظ الأسد حياته السياسية بتصفية الخصوم الأصدقاء قبل الخصوم الأعداء. أمثال حمد عبيد وقائد الوحدات الخاصة سابقاً سليم حاطوم ومسؤول مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي. وبما أنه كان ينظر للبعيد فقد قرر أن يكون الناطق والممثل الوحيد لطائفته وبذلك يكون المرجعية الأولى والأخيرة لهم وذلك سيضمن له الولاء المطلق والتبعية التامة مستقبلاً فقام بتصفية خصومه من أبناء طائفته نفسها بدايةً باعتقال صلاح جديد وإيداعه السجن حتى توفي عام 1993, ومروراً باغتيال اللواء محمد عمران في طرابلس لبنان. واغتيالات بحق رجال من الطائفة العلوية لاحقاً .
السيطرة على الجيش:
كان حافظ الأسد يدرك أهمية الجيش في بسط السيطرة والاستمرار في الحكم كونه ابن تلك المؤسسة التي تعرّف على أسرارها وخفاياها وتعلم من خلالها من أين تؤكل الكتف.
عندما كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع وجّه أبناء طائفته للتطوع في الجيش, ومهّد لهم الطريق. وما إن اغتصب الحكم عام 1970 حتى أصبحت نسبتهم في الجيش لا يستهان بها. ثم عيّن الضباط المقربين من أبناء طائفته في المراكز الحساسة والقيادية الفاعلة في ظل انشغال وزير دفاعه مصطفى طلاس. ولم يحصل طلاس على منصب وزير الدفاع و ناجي جميل على قيادة القوى الجوية محبةً ولكن حتى لا يقال أن حافظ الأسد عيّن أبناء طائفته واستثنى الأكثرية فمنحهم مناصب عليا لكنها غير فاعلة على الأرض فكانت مناصب شرف فقط. ومن جهة أخرى سلّم سرايا الدفاع لأخيه المجرم رفعت الأسد وأعطاه الصلاحيات المطلقة. كما عمد إلى توسيع الشبكة الأمنية بإحداث فروع أمن جديدة ومتشعّبة, سلّمها لضباط يثق بهم من نفس الطائفة. وجعل في كل مدينة وقرية سورية مركزاً أمنياً مسلّطاً على رقاب الناس.
ومن أهم العوامل التي ساعدت حافظ الأسد على فرض سيطرته التامة على مؤسسة الجيش أنه زرع في كل ثكنة عسكرية ضابطاً يسمى ضابط أمن الثكنة يرتبط ارتباطاً مباشراً بالفرع الأمني التابع له ومهمة ضابط الأمن تتمثل فيما يلي:
- مراقبة الضباط والجنود مراقبة لصيقة وزرع العيون والجواسيس بينهم.
- رفع التقارير الدورية و الاستثنائية عن عمل الثكنة وأمنها إلى الفرع المختص.
- مراقبة العناصر ذوي الاهتمامات الدينية بشكل دقيق وتتبع تحركاتهم. ومنع إقامة الشعائر الدينية (الصلاة) ضمن الثكنة.
- الإشراف على عمليات الاستفتاء – بالدم ضمن الثكنة العسكرية- التي يجريها النظام على منصب رئيس الجمهورية.
- إحالة العناصر المشتبه بمعارضتها للنظام إلى فروع الأمن المختصّة للتحقيق معها.
- مراقبة السلاح التابع للثكنة والإشراف على مستودعات الذخيرة.
- الإشراف التام على باب الثكنة الرئيسي عن طريق عناصر الانضباط وتسجيل أسماء الداخلين والخارجين في سجلّ خاص يوقّع عليه ضابط الأمن بشكل دوري. بمعنى آخر مراقبة ضيوف وزوّار قائد الثكنة.
- يحق لضابط الأمن التدخل في شؤون الثكنة متى يشاء ودائماً تكون هيبته أمام العناصر أقوى من هيبة قائد الثكنة نفسها. ليصبح ضابط الأمن هو القائد الفعلي للثكنة العسكرية.
لقد استطاع ضباط الأمن تدمير الإنسان والبنية الأخلاقية لدى عناصر الجيش بسبب زرع الفتن بينهم فكان ضابط الأمن يمنح العنصر النشيط ( المخبر) إجازة أو مكافأة مما يجعلهم يتسابقون في نقل الأخبار له حتى ولو كانت كاذبة للتقرّب منه والحصول على المكافأة المنتظرة.
كما أنه عمد إلى إحداث قسم رديف لضابط الأمن سمّاه قسم التوجيه السياسي يتبع إلى إدارة التوجيه السياسي والمعنوي مهمته تغذية عناصر الثكنة بالفكر البعثي فقط وضخ شحنات هائلة من الروح البعثية في العناصر وتدريس أقوال (القائد الرمز) ضمن حلقات التدريس ويمنع منعاً باتاً إدخال أي كتاب غير بعثي إلى الثكنة مهما كان نوعه.
ومن مهمة قسم التوجيه السياسي الإشراف على احتفالات عناصر الثكنة في المناسبات الوطنية التي اعتمدها النظام. بالمختصر هو قسم غسيل الأدمغة في مؤسسة الجيش.
عوامل أخرى
هناك عوامل أخرى مكّنت حافظ الأسد من فرض قبضته الحديدية على مؤسسة الجيش منها عدم السماح لأحد بالظهور حتى ولو كان أخاه رفعت الذي حاول القيام بانقلاب عسكري عام 1984 بعد أن بدأ عناصره يطلقون عليه لقب (المعلّم) وأصبح يخالف تعليمات أخيه حافظ ولا يكترث لقراراته. ثم تواصله مع عدد من قادة الجيش للتنسيق معهم لمساعدته في عملية الانقلاب. فتخلص منه بنفيه إلى فرنسا محملاً بأموال وذهب سوريا.
أيضاً عمد نظام حافظ الأسد إلى نقل العناصر المشتبه فيها بالمعارضة من المناطق الحساسة في الجيش إلى ثكنات غير مقاتلة أو إلى الأعمال المكتبية غير المهمة. وقام بتصفية البعض منهم في أحداث الثمانينات بحجة الانتساب إلى الإخوان المسلمين. كما ساعد على انتشار الرشوة والفساد بتغطية من القيادة. فكان يسجّل كل الخروقات والتجاوزات وحالات الفساد ويتركها ليهدد بها الفاسدين حتى يضمن ولاءهم وطاعتهم.
استمرار النهج المعوجّ
تابع بشار الأسد مسيرة والده القمعية فسار على خُطاه دون أن يكترث للمناشدات والدعوات بالإصلاح والانفتاح السياسي وتخفيف الضغط عن الشعب لأن الضغط يولد الانفجار, لكنه كان يفكر بعقلية أمنية غبية ظن من خلالها أن القوة والعنف أساس استقرار الحكم. معتمداً في ذلك على أن ما قدمه لطائفته من ميّزات سابقاً هو دَين في عنق تلك الطائفة عليها أن تؤديه اليوم بالدفاع عنه وعن أسرته حتى ولو تم إبادة تلك الطائفة عن بكرة أبيها, فالمهم عنده الاستمرار ولو فوق ركام الوطن الذي هدمه بيديه.
ولكنه علم اليوم أن كلمة الشعب لا بد أن يُصغى لها وأن يكون الحاكم خادماً له وليس أميراً عليه. وأن القبضة التي كان يظنها حديدية ما هي إلا خيوط عنكبوت ضعيفة خدع بها الشعب هو ووالده من قبله على مدى أربعين عاماً.