on
محمد نور: في بلاد الموت أعيش..!
محمد نور: كلنا شركاء
من أين أبدأ تدوينتي تلك ؟ مجرد التفكير بالكتابة يصيبني بالحيرة القاتلة، فكل شيء متداخل ومتشابك في رأسي ، فلا البدايات قادر على سردها ولا حتى النهايات قادر على تأملها ؟
“كل شيء يدور من حولي كدائرة متفرعة على نفسها لا تنكفء تتداخل ببعضها ليستوي في ذلك الملء والتفريغ فيها”.
كانت دمشق أنذاك أي قبل الربيع العربي تعج بالتناقضات .
طبقة مخملية ترقص على بطون الجوعى.
وأخرى سحيقة تكدح دما لتسد رمق أيام تكالبت عليهم بفواتير الرفاهية التي بها يحلمون.
وبينهما طبقة وسطى تتلاشى بسرعة الألم جراء سرقة صناع القرار لمقدرات حياتهم .
يومها كان الكتاب ملاذي للنجاة من ظلمة السجن وصمت المظلومين الذين يتغنون غصبا بمقاومة سادتهم للاحتلال الإسرائيلي.
هربت من كل ذلك ….. وأخذت أبحث عن ذاتي في ذاكرة إولئك الذين ثاروا..فصنعوا إرثا خطوه بالدم ضد الاستبداد ودعاته.
فعشت المعركة بين رواد مدرسة الماضي الذين لا يجيدون سوى التغني بالأمجاد الغابرة على أنغام نظرية التأمر….وبين أدعياء مدرسة فكرية ليست وليدة آلامنا وأوجاعنا… فكان المسخ والتحوير لماضينا أحد طرقها في حرب ضروس كان الخاسر الأكبر منها الأمة .
الكواكبي في طبائع الاستبداد والأفغاني والغزالي ومحمد عبده والقطبان سيد و محمد و البنا والقرضاوي في الوسطية و تاريخنا المفترى عليه وعلي شريعتي في النباهة والاستحمار ودين ضد الدين والعودة إلى الذات وعلي الوردي في وعاظ السلاطين والأخلاق … كل إولئك كانوا على اختلاف مناهجهم في حرب دموية مع جغرافيا المصطلحات التي يروجها المستغربون العرب عن ذاتنا بطريقة بشعة ومقززة حد اعتقادي بأنني أني الشرقي العربي المسلم من درجة ثانية لا ترقى لدرجة الغربي الاوروبي المسيحي، هو الموت الفكري إذا ما كان يروجه الحكام لنا بمساندة طغمة علمية خانت لتكون.
في عام ألفين وأحد عشر كان كلمات ” الشعب يريد…” كفيلة بإخراج إولئك الذين هرموا من أجل المنادة بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، فكانت ثورات خطها الشباب بالدم فنجحت في تونس ومصر …. وإن لحين.
في ذلك الوقت أيضا كنت أنظر من بهو المكتبة الوطنية في دمشق على تمثال الأسد الأب في الساحة الإمامية للمبنى وهو يحمل كتب السياسة الميكافيلية بيد من حديد مراقبا كل من يدخل ويخرج منها بعيون الأمن المتواجد في الغرفة القريبة منه … كنت أنظر إليه بعين حقد سنين التخلف والضياع والمحسوبية التي عشناها عقودا ، منتظرا الساعة التي سأنقض فيها على صنم الظلم القابع على صدر ساحة الأمويين العتية بمعول الحرية مدمرا كل أركان حكم تدمر وصيدنايا وفرع تكنى زورا باسم فلسطين.
أنذاك تجاوز أطفال درعا كل حدود التوقعات فأصابوا الذراع الأمنية للنظام بمقتل يوم خطوا عبارات سيكتبها التاريخ بحبر من دم السوريين الذين داسوا عقودا من التربية البعثية المبجلة للقائد الملهم.
انتشر الموت سريعا في بلاد الياسمين … وعاث دعاة الوحدة العربية في الجسد السوري تمزيقا وتشريدا …
إنهم قابيل.. كلهم قابيل، ” أحذيته وسيوفه وتروسه ودبابيسه وسياطه وحشمة ” كل مصاصي الدماء أٌحضرت من شتى بقاع الأرض لتنهش ثورة بعمر حمزة و إيلان وعمران …
لم يؤلمني يومها الموت بقدر ما ألمني وعاظ السلاطين يوم اقتادوا أيات الكرامة الإنسانية إلى بلاط نيرون وشرعوا له باسم الله قتل هابيل الإنسان.
Tags: محرر