العميد الركن أحمد رحال: حلب … عرٍت الأصدقاء قبل الأعداء

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

مما لا شك فيه أن إخراج عشرات الآلاف والمقاتلين من أحياء “حلب” الشرقية شكلت ضربة مؤلمة للثورة السورية سياسياً وعسكرياً وحتى معنوياً, ومما لا شك فيه أن التهجير القسري تحت تهديد الموت شكل عجزاً أٌممياً وعدم قدرة المجتمع الدولي على فرض هدنة ووقف إطلاق نار داخل أحياء مدينة “حلب” يحمي من خلالها أرواح النساء والأطفال والشيوخ وتحافظ على أصالة وعروبة “حلب” بدل أن تمنحها لميليشيات طائفية مقيتة استقدمها “بشار الأسد” من كل أصقاع الأرض لحماية “خازوق” السلطة الذي يجلس عليه.

التهجير القسري والدمار ومشاهد الموت وقصف الطيران “البوتيني” وبراميل موت حوامات “الأسد” ونحر المدنيين الفارين من الموت على يد مجرمي حزب الله بالسكاكين وتقطيع أوصال جثث الرجال بالخناجر من قبل ميليشيات حركة “النجباء” العراقية وحرق جثث المدنيين على يد عصابات “الأسد” وقتل الأطقم الطبية كما حصل لطاقم مشفى الحياة في حي الكلاسة والإعدامات التي شهدتها أطراف الأحياء المحررة وباعتراف الأمم المتحدة, كل ذلك شكل صدمة قوية للمجتمع الدولي وشعوب العالم التي خرجت بشوارع باريس ولندن وأنقرة واستانبول وقيصري ومعظم عواصم الغرب أمام سفارات “روسيا” و”طهران” ولتدفع بحكوماتها بضغط شعبي للتحرك لإنقاذ أهالي ومدينة “حلب”.

نعم خسارة حلب شكلت خسارة كبيرة للثورة, لكن من دروسها قد يكون الخلاص, فالعبر والدروس المستفادة من الأحداث التي رافقت معارك مدينة “حلب “كشفت كل الأوراق وعرت كل المواقف.

في المواقف الدولية ليس تجنياً على أحد إن قلنا أنه بعد ست سنوات من عمر الثورة أصبحت هناك تموضعات جديدة, فمنها من غادرت تحالف الثورة ونصرة الشعب السوري ومنها من لينت موقفها ومنها من نأت بنفسها عن كامل الملف السوري.

في الإطار السياسي نستطيع القول وبحقيقة راسخة وصل إليها الشعب السوري الحر وجمهور الثورة ومعظم أصدقاء سورية, الحقيقة تقول: أن السياسيين الذين تنطعوا لسدة القيادة إن كان عبر المجلس الوطني أو عبر الائتلاف الوطني لقوى الثورة أو عبر ما يسمى “حكومة مؤقتة”, كانوا جميعاً عالة ونقمة وكارثة على الثورة, ولم يستطيعوا تمثيل الثورة وفشلوا بالحفاظ على الزخم الدولي الداعم لقضية الشعب السوري, وخسروا معظم جولاتهم في ميدان الصراع السياسي وأخفقوا في صنع شبكة توافقات مصالح أو توازنات على الأقل مع أعضاء المجتمع الدولي, وكانوا ممثلين للسفارات التي أوجدتهم ودفعت بهم إلى تلك المواقع أكثر مما كانوا ممثلين لدماء الشهداء وقضية شعب وثورة خرجت ضد أعتى ديكتاتورية على وجه البسيطة, وتجلت كل تلك الاخفاقات مجتمعة في معركة “حلب” عندما غاب ممثلو الثورة وكأنهم في إجازة سنوية وتركوا مدينة “حلب” لمصيرها سوى من جعجعة إعلامية ومؤتمر صحفي خجول يمكن تصنيفه تحت عنوان “إسقاط الواجب”, لتضطر معه فصائل الثورة لإصدار مبادرة سياسية وعسكرية منفردة وبعيداً عن أي قيادة سياسية وطنية توكل لها المهمة, ولتتقدم تركيا وتنوب عنهم أيضاً بعقد هدنة مع الجانب الروسي تٌنقذ أهالي “حلب”, تلك الهدنة التي لم تطرق مسامع (القيادة السياسية) إلا عبر الإعلام وبتخلٍ واضح وتهميش واضح من كل الأطراف العربية والإقليمية وحتى الداخل بعد أن فقدوا الثقة بمن يٌفترض بهم أنهم ممثلو الثورة.

في الميادين العسكرية لم يكن الحال بأفضل من ميادين السياسة, فتعدد الرايات وتعدد الخطاب والنهج, وتغير الأهداف والأولويات حرفت الثورة عن مسارها, وما حققه الجيش الحر (الكافر والمرتد) بنظر البعض خسره أصحاب الرايات (المؤمنون), نعم قد تكون تغيرت موازين القوى بين الأمس واليوم لكن بالتأكيد أيضاً أن الجيش الحر لم يكن يمتلك عشر ما تمتلكه الفصائل والجيوش الجرارة المتواجدة الآن.

الخسارات المتتالية لم يستفد أحداً من دروسها,خسرنا بلدة “القصير” فتناساها الجميع, وفقدنا مدينة “حمص” فأوجدوا لأنفسهم الأعذار وتناسى الجميع أن ما تم رصده لمعركة “قادمون” (مادياً وعسكرياً) كان كفيلاً بتحرير مدينة “حمص”مع العاصمة “دمشق” لو أٌحسن استثماره, ثم خسرنا الغوطة الغربية وريف دمشق الشمالي ونام الجميع عن تلك الصفعات وكأنها لم تكن, لكن الضربة القاصمة أتت من خسارتنا لـ”حلب”.

فقدان القيادة العسكرية الموحدة والمهنية أضرت وأثرت على مسيرة الحراك المسلح للثورة, وكان واضحاً الضرر الذي لحق بالثورة نتيجة غياب الضباط أصحاب الكفاءة والمعرفة وأصحاب الخبرات الذين تم تهميشهم في وقت تغيرت به قواعد اللعبة العسكرية وتبدلت فيه مفردات مسرح الأعمال القتالية ومكوناته, فمن قتال جيش “الأسد” المهلهل والضعيف انتقلنا لقتال عصابات حزب الله ثم لقتال الميليشيات العراقية ثم زنادقة وميليشيات إيران ثم الاحتلال الروسي, ومع كل تلك المتغيرات ثابرنا على نفس المنوال وأبقينا على نفس الأدوات وحافظنا على نفس العقلية المتحجرة لنواجه بها خبرات عسكرية متمكنة لضباط أكثر من خمسة دول وفنون قتالهم وأساليب وتكتيكات أعمالهم وواجهناها فقط بالدعوات والتمنيات والأحلام والعاطفة.

مدينة “حلب” بعراقتها ومكانتها وعنوانها وثقلها البشري شكلت موقعاً لا يمكن تجاوزه بالثورة السورية, وخسارتها كانت ضربة مؤلمة لمفاصل الثورة, والمعارك التي دارت داخل “حلب” لا يمكن التقليل من شأنها لكن بالتأكيد التناحر والتقاتل والتشكيك بمهام البعض أضعف دفاعاتها وشكل نقطة ضعف ساهمت بالنتيجة التي آلت إليها مجريات المعارك هناك والتي تجلت بإخلاء المدينة وتسليمها لميليشيات طائفية.

الآن, نحن في لحظة انعطافة شديدة في مسيرة الثورة السورية, والضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك, وبالتالي وأمام هذا الواقع وإن كانت هناك نية في عدم وأد الثورة وعدم التفريط بدماء الشهداء والوفاء لتضحيات الشعب السوري النازح والمهجر والمرابط في أرضه وممتلكاته, أمام هذا الواقع فكل العاملين بالشأن العام مدعوين لوقفة صريحة وصادقة تٌعيد ترتيب أوراق بيت الثورة الداخلي وتعيد تصنيف الأولويات والدعوة لمؤتمر جامع, شامل, لا يٌقصي ولا يهمش أحد, مؤتمر تتضافر به كل القوى السياسية والعسكرية وتضم كل مكونات الشعب السوري وبكل تياراته ومن أقصى اليمين إلى أقصى الشامل ولكل من يؤمن بضرورة الإطاحة بنظام الأسد ويؤمن بأهداف ثورة الشعب السوري الذي خرج من أجلها والساعية لبناء دولة ديموقراطية مدنية تضم الجميع وتشكل قاعدة الاستقرار للجميع.

مؤتمر يٌفرز خارطة طريق برؤية سياسية واضحة وبعقيدة عسكرية راسخة ويتمخض عنه قيادة سياسية حقيقية وقيادة عسكرية مهنية تستطيع أن توحد الجميع تحت راية واحدة هي راية الشعب السوري ويكون هؤلاء هم رسلنا إلى العالم لإعادة وضع الملف السوري على الطاولة وإعادة الزخم لقضية الشعب السوري وإعادته إلى الواجهة.

حتى الآن ما زال بالإمكان استعادة ما فات, وحتى الآن بالإمكان إعادة لملمة الصفوف وتوحيدها والانطلاق من جديد, وحتى الآن يمكن تضميد الجراح التي لحقت بهذا الشعب العظيم نتيجة أخطائنا وسوء أدائنا.

قد نكون خسرنا جولة لكننا لم نخسر المعركة, وقد نكون خسرنا مدينة لكننا لم نخسر سورية, وقد نكون خسرنا أرواحاً وشباباً لكننا أمام قناعة ومعرفة أن طريق الحرية والخروج من الاستعباد معبد بالدماء.

وقد يكون بشار الأسد ربح تلك الجولة لكنه لم ينتصر على السوريين بل انتصر على القيم والأخلاق والقانون.

بشار الأسد انتصر بنشر الحقد والكراهية والطائفية المقيتة.

بشار الأسد انتصر بالقواعد الروسية الجوية والبرية والبحرية وصواريخ “الكاليبر” والقاذفات الاستراتيجية.

بشار الأسد انتصر بكل الميليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية والباكستانية والأفغانية وبعصابات حزب الله وكل الكتائب القومجية العربية من الحزب القومي السوري وكتيبة المرابطون المصرية وغيرها.

عندما تنتصر الثورة

وعندما تٌفتح كل الأوراق

وعندما تتجلى كل الحقائق

سيعلم الشعب السوري ماذا فعل المجرم بشار الأسد بمكونات ومستقبل سورية … عندها سيكون أنصار الأسد والطائفة العلوية أول من سيبصق بوجه هذا النظام وأول من يطالب بإعدام الأسد.

متى؟؟

أعتقد أن الزمن لتلك اللحظة لن يطول …. فإرادة الشعوب لا تٌقهر 

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي

اقرأ:

العميد الركن أحمد رحال: خسرنا نصف المحرر وما زلنا نرفض الاعتراف بضرورة التغيير

العميد الركن أحمد رحال: حلب عرت أوراقنا … فهل حان موعد الحساب؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال: بدماء أبنائها … حلب تكتب تاريخها العميد الركن أحمد رحال: رسالة الثورة للانتخابات الأمريكية.. لا أسفاً على من رحل العميد الركن أحمد رحال: حلب (تٌغتصب) … حلب نادت (وااامعتصماه) العميد الركن أحمد رحال: (بوتين) يهدد … وجيش الفتح يقبل (التحدي) العميد الركن أحمد رحال: المقاومة الثورية … بركان الثورة القادم العميد الركن أحمد رحال: إدلب القادمة … أهي غروزني أم غزة؟؟؟ العميد الركن أحمد رحال: صراع الأقوياء على حساب الدماء … لكِ الله يا سورية العميد الركن أحمد رحال: دماء (حلب) ثمنٌ لتناحر (موسكو) مع (واشنطن)



Tags: العميد الركن أحمد رحال