د. يحيى العريضي: محطة أستانة، والأرواح التي لا تتعب

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

قلّما يبتسموا؛ لم يعد هناك مكان للضحك في حياتهم؛ أصواتهم هادئة عميقة فيها صدى صوّان الوطن؛ ملامحهم أحياناً طلاسم تصعب قراءتها؛ عيونهم تتشبث بشيء يكاد أن يفلت. ليست دفاعات تلك الهالة التي يرسمون إرادياً أو لا شعوريا،ً بل مسافة حماية ممن قد يتربّص بهم، فلم يبق أحد إلا وصوّب سلاحه إلى ظهورهم قبل صدورهم…. إنهم هؤلاء الشباب الذين حضيت برفقتهم إلى الأستانة ويسمون “الفصائل”

كان عمر احتكاكنا عشرة أيام؛ استنفرْتُ خلالها كل محطة معرفية اكتسبتها طيلة عمري لأدخل تلك الأرواح التي تضاعفت أعمارها ست مرات؛ فإن كان عُمْر واحدهم ثلاثين عاماً، عندما بدأت ثورة سورية عام 2011، فالآن أصبح عمره 240 عام.

في أعماقهم إيمان لا يتزحزح بانهم يدافعون عن أعدل وأنبل قضية عرفها تاريخ البشرية. بعضهم ترك “جيش الوطن” عندما وجّه بندقيته إلى صدور أهل الوطن. يعرفون ان عبارة “خونة” التي تُوجَّه إليهم أحياناً لا تصيب إلا أولئك الذين وجّهوا أسلحتهم إلى صدر الوطن. ما اختاروا طوعاً حمل السلاح ليقاتلوا رفاق الأمس الذين خانوا الأمانة، بل رفاق الأمس بدفاعهم عن كرسي الدم في دمشق استجلبوا ميليشات من العالم ليقتلوهم ويقتلوا الوطن من أجل منظومة استبداد غررت بالجميع.

لم يأتوا جميعاً من “جيش الوطن”؛ بل بينهم الطالب والمدرس والمهندس والطبيب والعامل والفلاح. من هنا تعدد فصائلهم وتناحرها أحياناً. يدركون أن الاندماج مع كل عسكري خرج من “جيش الوطن” لا بد آت؛ وانجاز ذلك يتم على قدم وساق.

 ليس المجتمع الذي أتى منه هؤلاء الشباب متعصباً أو دينياً، ولكن الاحساس العام بالتخلّي عنهم وبتركهم لمصيرهم، جعل الله ملجأهم، فزاد منسوب “الشرع” في نهجهم دون أن يؤثر او يعطب منظومتهم المدنية او العولمية.

يحتاج الإحساس بمرارة التخلّي والإسائة والتشويه إلى نفوس جبارة لتحمله أو تتحمّله؛ لقد طوّروا هذه النفوس على مدار أيام وسنيّ الصراع؛ وهنا أضحت ملكات قبول الآخر عندهم أرفع بكثير ممن يعتبرون أنفسهم مدنيين وعلمانيين وليبراليين، فهم أخذوا من ميزة التحمّل الجوهر لا التمثيل أو القشور.

يدركون أن صفات التطرف والفئوية يراد لها أن تلتصق بهم. لا يضيرهم ذلك لأنهم يعرفون أنفسهم. يعرفون أيضاً ان الرصاص الأقوى الذي استهدفهم صُرف عليه ملايين الدولارات لتشويه صورتهم، ولكنهم يؤمنون أن الحقائق مخاليق عنيدة مصيرها أن تظهر، وأن يُهزم الباطل.

يؤمن هؤلاء بنبل قضيتهم وعدالتها. يستمدون صبرهم من ست سنوات عجاف عاشها وتحملها مَن بقي من السوريين. يعرفون لو أنهم كانوا على باطل، لما احتاج نظام العصابة كل هذا الوقت ليسحق ثورة أهل سورية، ولما اضطر لاستقدام ميليشات حزب الله وإيران، ولما توسل قوة عظمى لتدخل بعقود احتلالية للحفاظ على عصابة الاستبداد، ولما اضطرت قوى الاحتلال الايرانية والروسية إلى الجلوس معهم على طاولة واحدة في استانة.

يدرك هؤلاء تماهيهم مع قوة حق الشعب السوري، وان سلاح الإرهاب الأكثر فتكاً من الطائرات والكيماوي قد استُجلب ليدحرهم؛ فعندما قاموا قومة الحق في وجه الطغيان لم يكن هناك وجود لذلك السلاح الفتّاك. لقد جلب تخطيط الإيرانيين وطغمة النظام هذا السلاح الفتاك ليلصقوه بهم وبالشعب السوري كي يألبوا العالم على أهل سورية، وكي يضعوا العالم ومن بقي من السوريين أمام خيار: /بشار أو الإرهاب/. ذلك لم يُفلح أيضاً، فكان الاضطرار إلى أستانة. لقد تعرى التناقض؛ فلا يستقيم أن تجلس إلى طاولة واحدة مع الإرهاب. يعرف هؤلاء الشباب أن لديهم هم أنفسهم من قوة العقل والشكيمة أن يجلسوا مع إرهاب النظام وإيران وروسيا إلى طاولة واحدة، فكانت المعجزة أن تقابل العين المخرز.

كانت ذريعة الروس وإيران والنظام عملية الفصل بينهم وبين النصرة؛ ولم يكن ذلك إلا حفاظاً على ماء الوجه ليحفظوا طريق استهدافهم متى شاءوا. غلاة النصرة وحتى داعش تتبخر، عندما يتوقف إرهاب هذا الثلاثي الروسي الايراني الأسدي. أولئك الشباب يعرفون هذه الحقيقة، ولكن لا يستطيعوا فرضها، ولا هناك من يساعد على فرط هذا الحلف غير المقدس؛ وإن استلزم ذلك الذهاب إلى أستانة، فلا بأس.

الأهم أنهم يعرفون أين مسار الحل السياسي. استانة روسيا لا تنجز ذلك الحل، ولا استئثار روسيا بتلك الورقة الاستانية يأتي بالحل، ولا إيران إن حضرت يمكن أن تتحوّل إلى عنصر للحل، ولا النظام يمكن إعادة تأهيله حتى لو شفع له الكون بمجمله.

بفطرتهم وخبرتهم يدرك هؤلاء الشباب ان القوة الغاشمة التي تواجههم أضعف من أن تسحقهم؛ فلو استطاعت في الميدان، لما كان الاضطرار إلى استانة. سحقهم يستلزم سحق عشرين مليون إنسان، حتى لو لم يعبر هؤلاء العشرين مليون انهم ضد العدوان الثلاثي الغاشم/الأيراني الأسدي الروسي/. من هنا أراد الثلاثي الولوج في الأمر السياسي اضطراراً، من هنا اعطانا الروس نسخة عن دستور صنّعه الثلاثي، من هنا كان الابتزاز ورهن “تثبيت وقف إطلاق النار” بالولوج بعملية سياسية؛ من هنا كان استخدام عبارة ” settlement ” /تسوية/ والتي لا تشبه إلا كل ما سمّوه افتراءاً “مصالحات”

يعرف هؤلاء الشباب أن هذا الثلاثي أراد من أستانة فصلاً من الحل العسكري بنكهة دستورية؛ ومن هنا كانت دعوة بعض الأشخاص الى موسكو في السابع والعشرين من هذا الشهر لاستكمال فصول المسرحية. يعرف هؤلاء الشباب ومن حولهم من هيئة استشارية وطنية تمثل صوت سورية الحقيقي أن الثلاثي ينتظر المشغِّل الأمريكي ليفصح عن نهج إدارته الجديدة. ومن هنا كانت صدمة هؤلاء بإعلان إدارة ترامب عن إنشاء مناطق آمنة في سورية؛ ومن هنا كانت ردة الفعل الروسية البرقية بان تلك الخطوة محفوفة بالمخاطر.

أخيراً يدرك هؤلاء الشباب ومن يحيط بهم أنه ليس هناك أضعف من المجرم مهما كانت أدوات قتله فتاكة، وان الشعب السوري وقضيته النبيلة العادلة غير قابلة للهزيمة مهما قويت درجات النذالة والإجرام التي تواجهها؛ وتبقى قوة الشعب من قوة الله.





Tags: سلايد