ثائر الزعزوع: عن أدونيس وعنا نحن (المرتزقة)

ثائر الزعزوع: صدى الشام

يواصل الشاعر السوري المعروف أدونيس متواليته في تسفيه الثورة السورية والحط من قيمتها، وينظر إليها على أنها “سير هائم ضد التاريخ” وهو الذي انتصر منذ البداية للنظام، ورغم نفيه بأنه ليس موالياً لنظام دمشق إلا أن مواقفه جميعاً، وتصريحاته وكتاباته ولقاءاته التلفزيونية جميعها جعلته يبدو منحازاً للقاتل ضد الضحية، وهو الذي خاطب رأس نظام آل الأسد في بداية الثورة من خلال رسالته المفتوحة التي نشرها في صحيفة السفير اللبنانية قائلاً” السيد الرئيس، وانت رئيس منتخب” مع أنه، وأقصد أدونيس قد يكون من أكثر المفكرين العرب تنظيراً ودعوة لإقامة الديمقراطية، كونها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكفل انتقالاً من الحالة الهلامية التي نعيشها منذ عقود طويلة إلى حالة السير على الطريق الصحيح.

سأعترف بأني كنت وحتى وقت قريب، من أشد المعجبين بأدونيس شاعراً مختلفاً، ومفكراً موسوعياً، وكنت أقرأ تقريباً كل ما يكتبه من مقالات وكتب وشعر، وقد أستدين كي أشتري كتاباً له، وكانت أعماله الشعرية الكاملة من الكتب المفضلة لدي، بل إني ما زلت أحفظ مقاطع مطولة من قصائده، في الحقيقة ما زلت حريصاً على قراءة ما يكتب، وتحديداً مقالته الأسبوعية في جريدة الحياة اللندنية، إلا أني بكل التأكيد أستطيع أن أعترف أيضاً بأن نظرتي إليه اختلفت كلياً، فأنا لا أستطيع القول مثلما يقول البعض إن أدونيس لم يكن في يوم من الأيام شاعراً كبيراً، وإن ما كتبه عادي أو سطحي لأن في ذلك مجافاة للحقيقة والواقع، فقد قدم الرجل الكثير للمكتبة العربية والعالمية، إلا أن نظرتي إليه تغيرت بكل تأكيد، وأستطيع أن أقول إن الزمن الأدونيسي توقف منذ العام 2011، ولم يعد يتحرك قيد أنملة، وإن الشاعر الذي كان حتى وقت قريب شعلة فكرية محرضة، بات على النقيض من ذلك تماماً، وأظن بأنه فقد قدرته على التأثير.

وكما سبق وقلت مراراً في هذه الزاوية: إن عدم الوقوف مع الثورة هو أمر شخصي ولا يمكن محاسبة صاحبه عليه، لكن الوقوف مع القاتل، والهجوم على الثورة وتسفيهها هو بكل تأكيد انحدار أخلاقي، ولا يمكن غفرانه، يقول أدونيس أيضاً في مقالته المنشورة الخميس الفائت 17/11/2016 في جريدة الحياة: (ماضياً كان «العبيد» (المُضطهَدون، الجائعون، المنبوذون) هم الذين يقومون بالثّورات. وكانوا مستقلّين تماماً. اليوم يقوم بها، في الأغلب، المرتزقة، والقَتَلَة. وهم «تابعون» كلّيّاً. هل تغيّر الإنسان، أم أنّ مفهوم الثورة هو الذي تغيّر؟) وبمقدار ما تمثل عبارته من احتقار وتسفيه للثورة، فإنها أيضاً تقدم لنا دليلاً على أنه في سبيل خدمة ما يريد قوله فإن الشاعر الكبير يلوي عنق الحقيقة، ويزيف التاريخ كيفما يحلو له، وهو الذي تغني بالثورة الإيرانية وقال عنها “شعبُ إيرانَ يكتبُ للشرقِ فاتحةَ الممكنات… شعبُ إيرانَ يكتبُ للغربِ وجهُكُ يا غربُ مات…شعبُ إيرانَ شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبي…إنه رفضُنا المؤسِسُ، ميثاقُنا العربي.) أدونيس (صحيفة السفير 1979).

وفي قصيدته تلك التي لم يعد نشرها في أي من كتبه أو دواوينه الشعرية، يوجه الشاعر الكبير غزله إلى “قم” المدينة التي يتجمع فيها المعممون ليغيروا وجه التاريخ: (سأُغنّي لقُمٍّ لكي تتحولَ في صبواتي، نارَ عصفٍ، تطوفُ حولَ الخليج، وأقولُ المدى والنشيج).وهو الذي نظر بازدراء إلى الثورة السورية لأن جمهورها خرج من المساجد ولم يخرج من المراكز الثقافية أو الجامعات، وكأن الشاعر الرائي كما يحب أن يصف نفسه، كان يعيش في كوكب آخر غير كوكبنا، ولا يعلم أن النظام الذي اضطره لحزم حقائبه منتصف ثمانينات القرن الماضي، قضى كلياً على أي شكل من أشكال الحياة الثقافية أو النقابية، وحول سوريا إلى سجن كبير، بلا أبواب ولا نوافذ، بل حتى المساجد كانت خاضعة لسيطرته، فلا يستطيع أحد من السوريين القول إن إمام المسجد كان حراً في قول ما يريد، حتى وإن كان يتحدث عن الزكاة، لأن الورقة كانت تصل مكتوبة من الفروع الأمنية، ولعل أدونيس يتذكر أن أئمة المساجد لم يكونوا قادة الثورة، بل إن الثورة رأت في المساجد مكاناً وحيداً يتجمع فيه الناس، في بلد كان أي اجتماع فيه يعرض أصحابه للاعتقال…

ليس من تفسير منطقي وواقعي لما قام به أدونيس وما يقوم به سوى انحيازه طائفياً لجهة نظام القتل في دمشق ونظام الملالي في طهران، وهو الذي قدم نفسه في سبعينيات القرن الماضي في الجامعة الأميركية في بيروت قائلاً” جئت من بيت شيعي”، وربما هو ينظر إلى الثورة السورية على أنها مجرد ثورة رعاع ثاروا على السادة، فهم ليسوا “عبيداً” يقومون بالثورة في نظره، ولكن مرتزقة.. وكان حرياً به بعد كل ما رآه من تدمير وقتل، أن يصمت وأن يكتب شعراً لعله ينال جائزة نوبل قبل أن يموت.