on
العميد الركن أحمد رحال: حلب عرت أوراقنا … فهل حان موعد الحساب؟؟؟
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
الحقيقة التي يجتمع عليها السوريون في الداخل والخارج وبعد قرابة السنوات الست من عمر الثورة, أن الثورة السورية لم تستطع حتى الآن تقديم النخب السياسية والعسكرية الحقيقية القادرة على قيادة مسيرة شعب خرج عن إرادة أفظع ديكتاتورية عاثت إجراماً وفساداً في سورية على مدار أكثر من أربعة عقود من عمر السوريين, والحقيقة تقول أيضاً أن معظم من تنطع لمراكز القيادة العسكرية والسياسية كانوا تٌبعاً وخدماً لأجندات خارجية منها ما يتقاطع جزئياً مع تطلعات الثورة ومنها من لا تخدم أهداف وتوجهات ثورة الشعب السوري بل انصرفت لتحقيق مشاريع إقليمية وتصفية حسابات دولية كانت فواتير حسابها تٌدفع من دماء السوريين.
منذ البداية ومع انطلاقة المجلس الوطني كنا أمام مجلس تتقاسمه مجموعات باحثة عن السلطة أكثر من تطلعها لتحقيق أهداف الشعب, ومع التوسعة التي حدثت وصل عدد أعضائه لأكثر من (400) شخص ظهر أننا أمام بازار سياسي أكثر مما هو تطلعات لقيادة نضال شعب خرج بمعجزة من قمقم العبودية التي فٌرضت عليه عبر نظام إجرامي مارسه حكم الأسد الأب والابن, والشعب الذي حطم حاجز الخوف وقع في براثن قيادات معظمها هلامية تبحث عن مجدها الشخصي أكثر مما تبحث عن متطلبات الشارع الثوري وطرق إيصال الثورة إلى بر الأمان والانتصار.
مع ترهل المجلس الوطني وضعف أدائه الوطني كانت وصفة السفير الأمريكي السابق في دمشق “روبيرت فورد” جاهزة وكانت ولادة جسم سياسي جديد ومن رحم المجلس الوطني لتعيد تكريس نفس المأساة السياسية ونفس الأخطاء إنما عبر مسمى جديد هو الائتلاف الوطني لقوى الثورة.
الائتلاف الذي خطى أولى خطواته وشكل نفسه على محاصصات وتقاسمات منفعية أكثر مما هي مهنية وأكثر مما رٌوعيت في إنتاجه الخبرة والمعرفة والتمثيل الحقيقي والقدرة على تحقيق أهداف الثورة, بل تحكمت فيه أجندات إقليمية أكثر مما هي أجندة وطنية, وتوسعة الائتلاف كانت نسخة طبق الأصل لتوسعة المجلس الوطني فالشعارات التي أطلقها الديمقراطيون كانت عبارة عن فقاعات سياسية بعد أن انخرطوا بلعبة المحاصصات وكل شعاراتهم ذهبت أدراج الرياح مع وصول ممثلهم لسدة رئاسة الائتلاف.
وقبل أن نستفيق من صدمة الائتلاف أتحفنا مجلسه بولادة قيصرية لحكومة معاقة لم تحمل معها إلا الهم والغم للشعب السوري بعد أن فاقت مصاريف ورواتب موظفيها الـ500 ما يٌصرف على أكثر من 11 مليون مواطن سوري مهجر ونازح وساكن في العراء, وراحت حقائبها محاصصة بين كتل ومراكز القوى في الائتلاف, ومن لم يٌفلح بحقيبة نال معاوناً أو نائباً لوزير ومن فشل بالاثنتين معاً كانت له ترضية بتوظيف أولاده بوظائف وهمية ولكن برواتب خيالية, حتى أن راتب رئيس الحكومة فاق راتب الرئيس التركي أردوغان قبل أن يتم تخفيضه لمرتين متتاليتين ليصيح 4500 دولار.
وأخطاء القيادة السياسية لم تنعكس على مسارها فقط بل تعداها لتخرب المسار العسكري عبر تنصيب قيادات عسكرية لا يقل سوء أدائها المهني عن سوء أداء القيادة السياسية, فساهما معاً وبشكل فعال بتخريب الجيش الحر وطرد الضباط المنشقين لخارج الحدود وتمهيد الطريق لوصول الرايات السوداء وسيطرتها على مفاصل الثورة السورية وبمساعدة ومساندة غربية أرادت التخلص من الجيش الحر الذي أوشك على القضاء على نظام “الأسد” بعكس رغباتهم, فالجيش الحر استطاع في الربع الثالث من عام 2012 من تحرير ما مساحته ثلثي مساحة الجغرافية السورية, فتم حصار نظام “الأسد” في المدن والشريط الساحلي, وهنا تم اتخاذ القرار بتصفية هذا الجيش الذي وٌلد من رحم الثورة ومن أصلاب الشعب السوري الحر, وكانت أدوات التصفية خارجية وداخلية عبر قيادات محسوبة على الثورة, فرئيس الأركان الذي تم عزله من قبل القيادة السياسية والمجلس العسكري بتهم وصلت إلى حد الخيانة عادت نفس تلك الجهات لتنصبه وزيراً للدفاع في سابقة لم تعرفها الثورات ولا الحكومات المستقرة.
هذا الواقع وهذا الحال وتلك المقدمات الخاطئة مما لا شك فيه أودت بنا إلى خواتيم خاطئة, فالحراك المسلح الذي كان يقوده قادة وضباط الجيش الحر وبأجندة وطنية تحولت إلى رايات سوداء لا تبحث ولا تحقق أياً من متطلبات الشعب السوري الباحث عن دولة مدنية ديموقراطية تتحقق فيها العدالة وتضم كافة مكونات الشعب السوري, وأصبحت الحواجز والمراكز الأمنية التي تتوزع عناصرها بين القرى والمناطق المحررة وطرقاتها تفوق أعدادها عن أعداد المتواجدين على خطوط النار والجبهات.
من حيث التقييم العسكري يٌعرف بأن مستوى جاهزية القوات وقوة الجيش تٌقاس بانضباطه ووحدة قيادته ومدى السيطرة عليه, وهذا ما فقده جيش “الاسد” بعد تحوله لقطعان من الشبيحة وبعد دخول عصابات الإرهاب العابرة للحدود من ميليشيات طائفية إيرانية وعراقية ومن حزب الله, لكن هذا الانضباط تحلت به قيادة كتائب وألوية الجيش الحر قبل أن يتم تفتيته وتشتيته وطرد قيادته من الضباط خلف حدود أسوار الوطن.
المصالحات والهدن التي استطاع النظام فرضها في بعض المناطق السورية وخصوصاً في محيط العاصمة دمشق كانت أسبابه ليست بمعزل عن سوء أداء القيادة السياسية والعسكرية بعد أن تركوا تلك المناطق لتواجه مصيرها منفردة أمام نظام إجرامي مارس سياسة وتكتيك الجوع أو الركوع مما أجبر معظم تلك المناطق إما لعقد مهادنات قسرية مقابل دواء وحليب أطفالهم أو الخروج بمقاتليهم وأفراد عوائلهم ليتم تجميعهم في محافظة إدلب وتحضيرها لتكون “قندهار” سورية القادم.
ما حدث في مدينة حلب كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير, فبعد أن تم الاستفراد بمدينة “حمص ابن الوليد” وتهجير سكانها وفصائلها والاستيلاء عليها ليصبح اسمها الجديد مدينة “الزهراء” كما أرادت إيران, وبعد تهجير سكان ومقاتلي مدينة “داريا” غربي دمشق التي صمدت وواجهت الحصار والتجويع لمدة أربع سنوات متتالية, وبعد الاستفراد بوادي بردى وبلدات الزبداني ومضايا ومحيطها, جاء الدور على مدينة “حلب” وبانتهاك واضح لآخر القرارات الدولية حول الشأن السوري, القرار (2254) الصادر عن مجلس الأمن والذي وافق عليه أعضاء المجلس بالإجماع وينص بفقرتين أساسيتين على فك الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية, لكن “الفوهرر بوتين” وعصابة “الأسد” ضربت بهذا القرار كما كل القرارات الدولية عرض الحائط, ومارست “بلطجة” إرهابية بعد حصار دام لأشهر سبعة وقصف بصواريخ الطائرات وبراميل الحوامات والمدفعية والدبابات على أحياء حلب الشرقية, وزاد الأمر سوءاً مع انضمام ميليشيات “صالح مسلم” الإرهابية لمساندة ميليشيات إيران والأسد عبر التوغل والتقدم من حي “الشيخ مقصود” باتجاه حي “الهلك” وحي “بستان الباشا” لتعمق جراح المدافعين وتشكل طعنة بالخاصرة زادت من آلام سكان وفصائل حلب, ومع توغل النظام وإحداثه ثغرة في جدار المواقع الدفاعية في الجبهة الشرقية والدخول إلى “مدينة هنانو” و”جبل بدرو” و”أرض الحمرا” ووصوله لأطراف حي “الصاخور”, اضطرت معه الفصائل المدافعة إلى تقييم الموقف العسكري والمفاضلة بين البقاء في القسم الشمالي من الأحياء المحررة في “حلب” مع ما يسببه هذا القرار من أذى للمدنيين إضافة لتشتيت وإضعاف جبهاتهم عبر الانقسام شمالاً وجنوباً, وبين الانسحاب لمواقع دفاعية أقوى في الجنوب, فكانت حماية المدنيين هي على رأس حساباتهم وقرروا الانسحاب.
هذا الواقع وهذا الاستفراد بالجبهات وبمدينة “حلب” خصوصاً ما كان ليحدث لو أن هناك قيادة عسكرية تتحكم بالجبهات وتناور بالقوات وترصد التحركات وتضع خطط الدفاع والهجوم, لكن على أرض الواقع كنا أمام قرارات فردية وتصرفات كيفية تنبع بما امتلكه قادة تلك الفصائل من خبرات بسيطة اكتسبوها عبر سنوات الثورة دون الارتكاز لأي من العلوم العسكرية والخبرات القتالية المستمدة من تكتيك العمليات والقتال على الجبهات وفن إدارة المعارك وفقاً للسلاح المستخدم ومواصفاته وتكتيك وأساليب مواجهته بطرق علمية مبنية على معرفة وليس على علم التخمين والتوقع.
لكن هذا الواقع وتلك النتائج لا يتحمل مسؤوليتها أفراد ومقاتلي الفصائل داخل حلب الآن أو داخل حمص بالأمس أو داخل داريا, فهؤلاء الأبطال صمدوا صمود الجبال وقدموا أكثر مما هو متوقع منهم خصوصاً بعد تآمر دولي أطاح بمقدراتهم الدفاعية بعد وقف سيالات الإمداد الخارجي عنهم, بل تتحمل مسؤوليته القيادة السياسية والعسكرية التي يٌفترض أنها تقود الثورة كما يدعون.
فالقيادة السياسية كان يٌفترض بها أن تؤمن التقاء مصالح مع مراكز القرار الدولي لتمارس ضغطاً حقيقياً على “موسكو” و”طهران” و”دمشق” وتمنع تلك الكارثة التي وقعت على أهالي حلب.
والقيادة العسكرية كان يٌفترض بها أن تستطيع حشد القوى والإمكانيات والمقدرات الثورية لتشكيل موقف عسكري ضاغط على عدة جبهات تمنع عصابات إيران وحلفائها من الاستفراد بمقاتلي وسكان أحياء حلب المحررة, لكن القيادة السياسية أخفقت والعسكرية غابت إلا من تصريحات وبيانات إعلامية خلبية أقل ما يقال عنها أنها لإسقاط الواجب.
الآن … حلب عرت أوراقنا, وكشفت عيوبنا, ولا عيب أن نٌخطئ إنما العيب أن نستمر بالخطأ.
إنها لحظة مفصلية في عمر الثورة, نعيد بها كشف أوراقنا وجرد حساباتنا ونضع فيها أصبعنا على الجرح الذي أوصلنا لما نحن فيه ونحاول البحث عن الدواء.
إنه منعطف خطير بمسيرة الثورة, فإما أن نكون على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا وندعوا لجلسة مصارحة ومساءلة ومحاسبة نعيد بها تقويم أداءنا والأخطاء المرتكبة وتصحيحها للانطلاق من جديد لتحقيق تطلعات الشعب السوري أو ….
فهل من مجيب؟؟
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
اقرأ:
العميد الركن أحمد رحال: بدماء أبنائها … حلب تكتب تاريخها العميد الركن أحمد رحال: رسالة الثورة للانتخابات الأمريكية.. لا أسفاً على من رحل العميد الركن أحمد رحال: حلب (تٌغتصب) … حلب نادت (وااامعتصماه) العميد الركن أحمد رحال: (بوتين) يهدد … وجيش الفتح يقبل (التحدي) العميد الركن أحمد رحال: المقاومة الثورية … بركان الثورة القادم العميد الركن أحمد رحال: إدلب القادمة … أهي غروزني أم غزة؟؟؟ العميد الركن أحمد رحال: صراع الأقوياء على حساب الدماء … لكِ الله يا سورية العميد الركن أحمد رحال: دماء (حلب) ثمنٌ لتناحر (موسكو) مع (واشنطن)Tags: العميد الركن أحمد رحال