نشمي عربي: مقولات في الدور التركي في المنطقة ، آفاق واسعة أم عثرات وانكماش

نشمي عربي: كلنا شركاء

أثار إعلان الناطق الرسمي للحكومة التركية منذ أيام بانتهاء العملية العسكربة التركية في الشمال السوري جملة من التساؤلات حول مستقبل الدور التركي في المنطقة عموماً، وسوريا خصوصاً.

ولعل من نافلة القول أن المواقف كانت متباينة جداً بين من يدعون إلى دور تركي فاعل في المنطقة وسورية، يقابلهم في الطرف الآخر الكثير ممن يتوجسون من هذا الدور ويتمنون رؤية النهابة له. كمواطن عربي سوري أرى نفسي معنياً جداً في قراءة الدور التركي ومحاولة قراءة آفاق هذا الدور أو تغيراته.

الدور التركي لم ينتهي مطلقاً وسنرى أدواراً تركية قادمةً طالما أن تركيا موجودة على الخريطة وهي جزء من المنطقة إذاً لابد من أن تكون فاعلة وموجودة بأدوار وليس دور .

أنا قطعاً لست ممن يتمنون أفول الدور التركي في المنطقة، لأن أبسط حسبة سياسية سوف تخلص لنتيجة حتمية وهي أن أي تقلص للدور التركي الْيَوْمَ يعني بالضرورة تمدداً وتوسعاً للدور الإيراني. هذه لانحتاج لكثير من الذكاء.

المهم هو القراءة الصحيحة للدور التركي على الأخص فيما يتعلق فينا كسوريين.

الدور التركي ومنذ اللحظة الأولى في الأزمة السورية ، كان ، ولا زال ، وسيبقى ، محوره مصالح تركيا وضرورات أمنها القومي، والتي ليس من الضرورة أن تتقاطع دوماً مع مصالح الشعب السوري.

أنا أدرك أنه من الغباء وقصر النظر أن ننتظر من تركيا أن تضع مصلحة الشعب السوري قبل مصالحها كدولة وازنة في المنطقة، فالدول والحكومات قطعاً ليست جمعيات خيرية، وأنا بكل صراحة ليس لي أي مشكلة مع هذه الحقيقة.

المشكلة الكبيرة في نظري هي:

أولاً في إحجام الدور التركي عن التدخل الفاعل في الموضوع السوري ( ولو من ضمن منظور المصلحة التركية البحتة )، كان الشيخ رجب طيب يتحفنا بخطب عصماء أقرب إلى المواعظ الدينية في الوقت الذي كانت إيران والأكراد والكثير من القوى الأخرى ، تمكن وجودها على الأرض السورية بكل إصرار وعناد وصمت. نعم كان هناك تقصير عربي كبير وتآمر غربي حالا دون دعم تدخل تركي أوسع في الموضوع السوري في وقت كان من الممكن لهذا التدخل أن يضع حدوداً للتدخل الإيراني أولاً والروسي ثانياً، ولكن الباشا التركي أيضاً كان جواداً جداً في إطلاق ماكينة الترغيب والترهيب الإعلامية في ظل إحجام أكيد عن القيام بأي دور فاعل على الأرض في الوقت الذي كان الإيرانيون لا يضيعون وقتاً في التمكين لوجودهم وميليشياتهم على الأرض السورية.

ثانياً مشكلتي الأكبر هي في من يقرؤون الموقف السياسي التركي وكأنه دائماً في مصلحة الشعب السوري وهذا يجافي الحقيقة.

تقتضي المروؤة أن نعترف بأن الدور التركي في الجانب الإنساني كان راقياً وغيرياً وعظيماً فيما يتعلق بموضوع اللاجئين وهذا دين في رقاب الشعب السوري إلى يوم الدين، ولكن ذلك لا ينبغي على الإطلاق أن يجعلنا نقرأ المواقف السياسية التركية دائماً بكثير من حسن النية المفترضة، ليس لشك في نوايا تركيا الدولة والمؤسسات، بل بكل بساطة لأنه لا مكان للنوايا في عالم السياسة.

أقول وبكل وضوح أنني كعربي وكسوري لدي مشكلة كبيرة جداً مع من ينظرون لأردوغان كزعيم سني قوي، ويرون في ذلك قوةً للسنة عموماً وللشعب السوري خصوصاً، والمشكلة عندي لها ثلاثة أسباب:

الأول هو أن الطموح والإندفاع ( السني ) آلتركي رغم أنه يمثل تجربة إسلامية متنورة في المنطقة، على الأقل مقارنةً بالتجارب الإسلامية الأخرى، إلا أنه أيضاً وبكل تأكيد لباس براق لطموح قومي تركي له أصوله الطورانية المرتبطة في وجداننا العربي بتاريخ ليس ناصع بكل تأكيد. تماماً كما أن العربدة الشيعية في المنطقة هي لباس براق لطموح قومي فارسي تمتد جذوره من معركة نهاوند وربما قبلها.

ثانياً فأنا بكل تأكيد لا أريد لنا كعرب أن نتبع خطيئتنا الأولى بالسماح لإيران باختطاف المرجعية الشيعية العربية من مهدها الطبيعي في النجف الأشرف إلى قم الإيرانية ، بخطيئة أكبر وهي السماح لتركيا باختطاف المرجعية السنية العربية إلى إستانبول أو أنقرة.

ربما يقول قائل لم لا في ظل عدم وجود مرجعية سنية عربية في ظل إضمحلال دور الأزهر الشريف وتحوله إلى دور محدود ذو تموضع معين حدوده السياسة الداخلية المصرية، ، وعدم وجود رغبة حقيقية لدى العربية السعودية في فرض نفسها كمرجعية سنية عربية والإكتفاء بالقيمة الروحية التي تستمدها المملكة من كونها مهد الحرمين الشريفين، الجواب على ذلك هو أن آخر مايجب أن يريده العرب الْيَوْمَ هو أن يسمحوا للعربدة الفارسية الإيرانية بقناعها الشيعي المخادع بأن تجرهم لإصطفاف ديني ومذهبي سوف بكون وبالاً على حاضرهم ومستقبلهم.

نعم التجربة الإسلامية التركية نجحت ، في تركيا ، ولنا أن ننظر لها بعين الإعجاب ، وللأتراك أن يقرروا شكل النظام السياسي الذي يريدون، ولكننا كعرب لسنا معنيين في استنساخ هذه التجربة، على نجاحاتها التي لنا أن نعجب بها ونحترمها دون محاولة استنساخها.

ثالثاً فإن آخر مايريده الشعب السوري في نضاله من أجل سورية المستقبل هو أن يكون رقماً في معادلة الباشا التركي ذات الرداء السني ( الذي قذ يؤخذ به البعض ).

وأكثر من ذلك ، وبكل صراحة ومباشرة، فإن الموقع الطبيعي لسنة سوريا والمنطقة ( رغم عدم استساغتي لهذا التوصيف ) كان وسيبقى دائماً في كونه الوعاء الطبيعي والفطري للعمل القومي العربي.

الراحل الكبير شكري بيك القوتلي أبو الإستقلال السوري لم يقدم نفسه يوماً كزعيم سني ، بل كقومي عروبي ، وهو ذو الأصول الكردية. 

كذلك حال الرئيس الجليل هاشم الأتاسي والزعيم ناظم القدسي وغيرهم. 

حتى النموذج العسكري القوي ( الذي يتهم بالديكتاتورية ) المتمثل بالعقيد الشيشكلي، لم يقدم نفسه كواجهة سنية وهو ابن عائلة الشيشكلي السنية العريقة من مدينة حماة بكل ما تحمل هذه المدينة من قيمة، فقد اختار أن يقدم نفسه من خلال واجهة أوسع وأعرض هي حركة التحرير العربي. 

وأكثر من ذلك ، فإن القانوني الكبير الدكتور ( الشيخ ) معروف الدواليبي، من أعلام الوجوه الإسلامية في سوريا، والذي كان ينجح في الإنتخابات النيابية بأصوات التيار الإسلامي، فإنه اختار حزب الشعب ليكون نافذته ورافعته للعمل السياسي السوري، في وقت كان الحضور السياسي للحركة الإسلامية في سوريا أكثر إغراءً.

نعود للدور التركي . 

إن نظرة واحدة لخريطة المنطقة كفيلة بالإجابة على الأسئلة المتعلقة بمستقبل دور سياسي تركي فيها. 

إننا كعرب وكسوريين مطالبين الْيَوْمَ أكثر من أي يوم مضى بأن نتمكن من قراءة المواقف السياسية لدولة بحجم ووزن تركيا بعيداً عن أي عاطفة سلبية أو إيجابية ، ودون أي تحيز أعمى لهذا الدور، أو تحامل غير مبرر عليه. 





Tags: محرر