د. حبيب حداد: من الكواكبي الى العظمة الى المالكي الى الأتاسي – كفاح متصل وقضية واحدة (2-2 )

د .حبيب حداد: كلنا شركاء

كانت حرب حزيران من عام ١٩٦٧ والهزيمة التي أسفرت عنها بمثابة ضربة قاصمة لحركة التحرر الوطني العربية . وإذا كانت خسائر ها المباشرة والجسيمة قد اقتصرت على الدول العربية الثلاث المشاركة فيها أي مصر وسورية والأردن ، فإنها كانت في نتايجها القريبة والبعيدة وفي دلالاتها هزيمة للواقع العربي كله . صحيح ان هذه الحرب جاءت نتيجة مخطط عدواني أحكم تدبيره وتنفيذه ، لكن هذا التحدي الجديد رتب على النظامين الوطنيين في مصر وسورية القيام بمراجعة جذرية وشاملة لأوضاعهما في كافة المجالات في إطار عملية الاستعداد لتحرير مااحتل من ارض عربية ،أو كما كان يعبر عنه بلغة السياسة المتداولة آنذاك ، من اجل ازالة آثار العدوان .

وهنا وفي سياق عملية المراجعة والاعداد التي واجهت كلا من هذين النظامين ، برزت وكما كان متوقعا حدة التناقض بين القيادتين السياسية والعسكرية حول طبيعة الخطة والسياسات التي ينبغي اعتمادها لتنفيذ المهام المطلوبة في إطار هذه الخطة . لقد اتخذ هذا التناقض في أعقاب هزيمة حزيران شكل الصراع المكشوف ، وبينما استطاع عبد الناصر التخلص من المشير عامر ومجموعته فشلت القيادة السياسية في سورية في التخلص من وزير الدفاع آنذاك ، اَي حافظ الأسد ومجموعته التي تمردت على قرارات المؤتمرات الحزبية والقيادة السياسية ، لتدخل البلاد بعد ذلك في مرحلة ازدواجية السلطة التي تواصلت بانتظار توفر ظروف اكثر ملاءمة لكل من الطرفين . بالنسبة للقيادة السياسية كي تستطيع وضع حد لهذا التمرد المتمادي معتمدة أساسا علي قوى الشعب والحزب والمجتمع المدني ، أو بالنسبة لوزير الدفاع وزمرته لكسب الوقت حتى يستكملوا انقلابهم ضد الحزب والشعب والنظام القائم .

وهكذا تسارع مجرى الأحداث في المنطقة . وكان الهدف هذه المرة توجيه ضربة قاصمة للمقاومة الفلسطينية التي كان جسمها الأساسي في الاْردن ،والذي كان في الوقت نفسه منطلق معظم نشاطاتها باتجاه الأرض المحتلة . كانت قيادة الحزب أي القيادة السياسية في سورية تتوقع مثل هذا التطور الخطير وتتحسب له. وفي مطلع شهر أيلول من عام ١٩٧٠ نشب الاقتتال الضاري بين الإخوة الذين أريد لهم ان يتحولوا الى أعدا، واستغل كما كان منتظرا لتبرير هذه الهجمة الشرسة والتغطية على دوافعها ومراميها الحقيقية تضخيم أخطاء تصرفات بعض منظمات المقاومة ، وهي والحق يقال كانت عديدة ومتنوعة ، اجتمعت القيادة السياسية كما أتذكر صباح اول يوم بدأ فيه الصدام بين الجيش الأردني من جهة وبين المقاومة من جهة ثانية ، وقررت التدخل المباشر والفوري لقواتنا المسلحة لفك الحصار عن المقاومة الفلسطينية التي اطبق الحصار عليها من كل الجهات في عمان بهدف استسلامها أو تصفيتها . كان ذلك على ما أذكر يوم الخميس وجاء صباح يوم السبت ولَم تكن أية قطعات قد اجتازت الحدود الأردنية بعد ، وقيادات المقاومة في غرفة عملياتها المشتركة تستنجد وتستغيث طلبا للمساعدة في فك الحصار عنها ، اتصل الدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة والأمين العام للحزب بوزير الدفاع الفريق حافظ الأسد مستفسرا منه عن السبب في تأخر دخول القطعات التي تقرر أن تتولى نجدة المقاومة مدة هذه الأيام الثلاثة ، وكنا معظم أعضاء القيادة الى جواره ، فاجاب بان هذا الوقت كان ضروريا كي تتهيأ هذه القطعات وتستعد للدخول وأنه يتوقع ان يتم ذلك مساء ذلك الْيَوْمَ !!!

!!! تلفتنا نحدق في وجوه بَعضُنَا والحيرة تلفنا جميعا والقلق ليخيم علينا . ونظرت الى اللواء صلاح جديد الأمين العام للحزب الذي تحدث بصوت متهدج رافقته دمعتان انسكبتا على وجنتيه : انني اقترح ان تدعو القيادة على وجه السرعة الى تجمع جماهيري حاشد يتحدث فيه الرفيق الأمين العام الى الشعب لاطلاعه على الموقف ومصارحته بكل الحقائق ، اما أنا فأقترح أن انتقل الى درعا لمحاولة تنسيق جهود كل الأطراف المشاركة في هذه المهمة وخاصة مع الدكتور يوسف زعين الموجود داخل الأردن والذي كان يتولى مهمة التنسيق بين قيادات المقاومة خارج عمان .

انتقلنا بعد ساعات قليلة الى مقر الاتحاد العام لنقابات العمال حيث كان في انتظارنا حشد جماهيري كبير وكان هذا اللقاء منقولا بصورة مباشرة في الإعلام الرسمي . تحدث الدكتور الأتاسي بألم موضحا للشعب كل الحقائق المتعلقة بالموقف مما تتعرض له المقاومة الفلسطينية ، وأستعيد هنا قوله : لقد أصدرنا أوامرنا الى قواتنا المسلحة كي تسارع لنجدة أشقائها في المقاومة الفلسطينية ، وعهدنا بجيشنا أنه كان دوما في مستوى مايطلب منه شجاعة وتضحية في مواجهة كل التحديات ، لكن البعض يحاول تبرير تأخر وصول الجيش الى المواقع التي ينبغي ان يكون فيها ،حتى الآن ، بحجة الوقت اللازم لاستكمال الإعداد اللازم ، وأضاف يقول : وعلى كل حال فنحن أبناء الشعب السوري جميعنا على استعداد تام منذ الآن لعبور الحدود ومشاركة المقاومة الفلسطينية في معركة المصير المشترك . دخلت القوات المسلحة السورية مساء ذلك الْيَوْمَ الى الآردن وتجاوزت إربد جنوبا وشكل هذا الحدث أكبر ضغط على كل الأطراف المعنية على الصعيدين العربي والدولي للحؤول دون استمرار هذه المجزرة بين الآشقاء . وأذكر في هذا السياق أن الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون قد اتصل ببريجينيف طالبا منه ان يتوسط لدى أصدقائه السوريين مستهجنا الإقدام على مثل هذا العمل حيث تقوم دولة بغزو دولة أخرى مستقلة وعضو في هيئة الأمم المتحدة !!! فكأن غزو اسرائيل واحتلالها لفلسطين وأراض لثلاث دول عربية أخرى أمر ينسجم وميثاق الأمم المتحدة وروح القانون الدولي !!!!

على كل حال فان النتائج الكارثية التي تمخض عنها شهر أيلول الأسود قد أخذت مكانها كمحطات فارقة في تاريخ حركة التحرر العربية الحديث ، فلقد أنقذ القسم الأكبر من جسم المقاومة لكنها هجرت بعد ذلك من ساحتها الرئيسيّة مرورا بالأراضي السورية ، حيث منعتها سلطة الحركة الانقلابية التصحيحية من الإقامة فيها ،حتى استقر فيها المطاف في الساحة اللبنانية . لقد توالت الأحداث سريعا في أعقاب أيلول الأسود فلم يكد هذا الشهر يقترب من نهايته حتى رحل جمال عبد الناصر ، ولَم يكد ينتصف شهر تشرين الثاني الموالي الا وقامت الحركة الانقلابية التدميرية في سورية . وهكذا تجلى مكر التاريخ في أشد صوره وأشكاله ضراوة ووحشية حيث سارت أوضاع سورية ومصر في طريق الانحدار والتراجع المتسارع الذي لم يعرف التوقف حتى الآن .

تلك كانت بعض أبرز دروس حركة التحرر العربية حتى الآن وفي مقدمها ان مشروعات النهضة والتقدم والحداثة في عصرنا لابد أن تعتمد اولا على الامكانات والقدرات الذاتية للشعوب نفسها ، وهذه الغاية لا يمكن بلوغها الا في ظل أنظمة ديمقراطية حقيقية . لقد فتحت حركة تشرين التدميرية طريق التراجع والضعف والانهيار في كل مجالات مجتمعنا لآنها غيبت إرادة الشعب السوري وأهدرت كرامة المواطن السوري وأدت الى المأساة الوجودية التي تعيشها سورية الْيَوْمَ . والحقيقة التي ينبغي ان نتمسك بها نحن السوريين ، وآن تظل أبدا في صميم وعينا و في جوهر كفاحنا من اجل بناء مستقبلنا هي ان انتفاضة شعبنا التي انطلقت قبل ست سنوات ، لم تكن قبل ان تنحرف عن مسارها وتشوه هويتها ، إلا استمرارا لكفاح شعبنا من اجل استقلاله وتحرره وتقدمه ، هذا الكفاح المتواصل على امتداد القرن الماضي ، والذي وجهت بوصلته في الاتجاه الصحيح موكب شهدائنا الابرار أمثال عبد الرحمن الكواكبي ويوسف العظمة وعدنان المالكي ونور الدين الأتاسي.

اقرأ:

د. حبيب حداد: من الكواكبي الى العظمة الى المالكي الى الآتاسي ـ نضال متصل وقضية واحدة (1-2 )





Tags: محرر