بسام مقداد: روسيا.. نقل التجربة الرئاسية اللبنانية إلى سوريا

بسام مقداد:المدن

لم تكن الانتخابات الرئاسية وحدها ما اجتذب الاهتمام غير المعتاد للإعلام الروسي في لبنان خلال الأيام الماضية. فالشأن اللبناني كان يتوفر دائماً في شريط الأخبار في روسيا، لكن نادراً ما كان يحظى بالمقالة أو التحليل، سوى ما يتصل بالمذبحة السورية ومشاركة حزب الله فيها. فقد سبق الانتخابات الرئاسية، بأيام قليلة، مهرجان للسينما الروسية في لبنان، وهو الأول في الشرق الأوسط خارج إسرائيل. وقيلت في لبنان كلمات جميلة، فعلاً،  لمناسبة هذا المعرض في صحف ومواقع روسية عديدة، كانت جميعها، تقريباً، تحمل طابع التعريف بلبنان، الذي لا تتجاوز مساحته خمس منطقة موسكو، على قول أحد هذه المواقع. فقد عاد إلى لبنان، على لسان الكتاب الروس، وصف “سويسرا الشرق”، ووصفت بيروت، بأنها المكان، الذي انتقلت فيه البشرية من الميثيات إلى التاريخ، واستعارت إحداهن كلمات مارك توين العظيم في وصف قلعة بعلبك، بأنه كان يسكنها “إما آلهة أو جبابرة “.

أما في شأن الانتخابات الرئاسية اللبنانية، فلم يكن الأمر على هذا القدر من الرومانسية الجميلة. فقد برزت في معظم ما قيل وكُتب المقاربة الروسية المعروفة للماساة السورية، إذ دعا معظم الخبراء الروس، الذين تحدثت إليهم الصحف والمواقع الروسية، وفي تبسيط مذهل، إلى الإفادة من تجربة الانتخابات الرئاسية اللبنانية في معالجة المذبحة السورية. ورأت معظم الكتابات الروسية أن الفرصة سانحة لروسيا في ظل العهد الجديد لتعزيز نفوذها في المنطقة وزيادة مبيعاتها من الأسلحة.

صبيحة يوم الإنتخابات كتبت صحيفة “Gazeta.ru” مقالة بعنوان “الجنرالات اللبنانيون يتعلمون الروسية”. فقد نقلت الصحيفة عن السفير الروسي في لبنان زاسيبكين أمله أن تأخذ الحكومة الجديدة المبادرة في مجال التعاون التقني ـــ العسكري، الأمر الذي يأملون به في لبنان أيضاً ، حيث أن “الجنرالات أخذوا يتعلمون الروسية”. وتنقل الصحيفة عن ليونيد إيساييف، كبير المدرسين في القسم السياسي في معهد الأبحاث التابع للمدرسة العليا في الاقتصاد، أن “ثمة اتفاقاً غير معلن” بين حزب الله والحكومة السورية مع تيار المستقبل على تولي سعد الحريري رئاسة الحكومة.

بعد الانتخابات كتبت صحيفة kommersant تحت عنوان “إلى أين يقود الرئيس الجديد لبنان”، بدأتها بالتأكيد أن انتخاب ميشال عون هو انتصار لحزب الله. وتسأل إن كان زعيم لبنان الجديد “سيكون مفيداً لموسكو، وما إن كانت تتوفر إمكانية لاستخدام السيناريو اللبناني في سوريا المجاورة”.

وفي المقالة تتحدث مراسلة الصحيفة عن ساحة الشهداء ورمزيتها اللبنانية وتقول إن هذه الساحة بالذات شهدت في أواخر القرن الثامن عشر الإنزال البحري الروسي واحتلال بيروت. وقد دام احتلال المدينة من جانب روسيا من تشرين الأول/ أكتوبر 1773 إلى شباط/ فبراير 1774، ولم يدخلها الروس إلا بعد قصف مينائها بنحو 500 قذيقة. ما أكسب الساحة تسمية “ساحة المدافع”، دامت حتى أصبحت “ساحة الشهداء” لاحقاً في العهد العثماني.

لم يثبت الروس أقدامهم في لبنان حينذاك، لكن، وكما تقول الصحيفة، روسيا موجودة اليوم هنا بمتخرجي المعاهد السوفياتية وزوجاتهم البالغ عددهن 8آلاف تقريباً، في حين أن الجالية الأميركية في لبنان يبلغ تعدادها نحو 100 ألف شخص، على قول الكاتبة.

وتقول الصحيفة إن نفوذ موسكو السياسي ليس كبيراً في لبنان. والنفوذ الأساسي فيه يعود لفرنسا والعربية السعودية “السنية”، وكذلك لإيران، التي ترعى حزب الله مع جناحه العسكري. وتنصح الصحيفة روسيا باستغلال اللحظة الراهنة لتوسيع نفوذها في ظل وجود الرئيس ميشال عون، “مرشح الجناح الموالي لروسيا”، في السلطة، وفق الكاتبة.

وتنقل الصحيفة عن وزير السياحة ميشال فرعون، “ممثل التحالف المعادي لسوريا”، قوله إن هدف لبنان هو “الحفاظ على التوازن”. كما تنقل ايضاً عن جهاد، “ممثل حزب الله”، أن أميركا هي عدو “من وجهة نظره”، الأمر الذي “لا يسعك قوله عن روسيا”.

وتقول الصحيفة إنه كان في وسع سوريا أن تستفيد من تجربة جارها، وهو ما يتفق معه غريغوري كوساتش، البروفسور في قسم الشرق المعاصر في جامعة العلوم الإنسانية الروسية. يقول كوساتش إن “لبنان صمد وحفظ نفسه كدولة. والناس هناك معنيون بالحفاظ على مبادئ العيش المشترك”. ويمكن أن يصبح هذا الأمر “نموذجاً لتطور سوريا في المستقبل، إنما بعد أن تنتهي الحرب الأهلية السورية”.

وتنقل االصحيفة عينها في مقالة أخرى عن السفير الروسي السابق في المملكة العربية السعودية أندريه باكلانوف تأكيده الفكرة ذاتها، وبأن “التجربة اللبنانية في المحافظة على وحدة البلاد يمكن أن تُستغل في سوريا، في ظل مقاربة متوازنة لمصالح المجموعات القومية والدينية المختلفة، التي تملك ممثلين لها في الدوائر العليا للسلطة”.

وعقدت “روسيا اليوم” في مقرها في موسكو طاولة مستديرة  حول “نتائج الانتخابات الرئاسية في لبنان”، شارك فيها عدد من المستشرقين الروس، بمن فيهم “خبير في شؤون الطائفة المارونية ” في لبنان. يقول المشارك في هذه الندوة، السفير الروسي السابق في لبنان أوليغ بيرسيبكين، إن اللبنانيين قلقون من “أن يتحول الإنقسام الموجود بين النازحين السوريين إلى صراع مسلح على الأراضي اللبنانية”. وربط أكثر من مشارك في الطاولة المستديرة بين انتخاب عون و”نجاحات القوات الجوية الروسية في سوريا”، التي بفضلها أصبحوا يستمعون إلى روسيا بوصفها “لاعباً مستقلاً”. لكنهم رفضوا جميعاً، رغم اعتراض مندوب وكالة سانا السورية، بأن روسيا لعبت دوراً مباشراً في انتخاب عون رئيساُ. وذكر أحد المشاركين في الندوة بأنه أثناء زيارته لبنان بعد ضم القرم إلى روسيا، علق على صدر عون وساماً صادراً عن الحزب الشيوعي الروسي، وليس عن الحكومة الروسية، في مناسبة ذكرى تحرير القرم من الألمان. وعن الأكراد في سوريا، قال بيريسبكين: “إننا نحاول إقناع الأسد منح الأكراد حكماً ذاتياً في سوريا، كما في العراق، على الأقل”.

بعيداً عن الصحف والمواقع الروسية، وفي السياق عينه، كتبت “TheAmerican Interest” في مقالة بعنوان “روسيا ولبنان: مناورات بوتين الجيوسياسية” جاء فيها أن “بوتين أخذ على عاتقه دور صانع السلام في لبنان أملاً في تحقيق أطماعه الشرق أوسطية”. ويقول الكاتب  إنه إذا ما انتخب عون رئيساً (كتبت المقالة في 30 الماضي)، فإن بوسع الكرملين أن يصف نفسه بأنه “صانع سلام ناجح، تمكن من مصالحة الشيعة والسنة (وكذلك المسيحيين) في لبنان”.

ويختم الموقع المقالة بالتأكيد أنه إذا ما تمكن بوتين من القيام بذلك في لبنان، فهذا “يعني أن من الممكن أن يقوم بالأمر عينه في سوريا”. وبكلام آخر، “إن التقريب بين حزب الله وأخصامه في لبنان بدعم من روسيا، يصبح دليلاً على أن بوتين، لا يطمح فحسب، بل يستطيع تحقيق التقارب عينه بين القوى المعادية للأسد والموالية له في سوريا”.

اقرا:

بشار الأسد يطالب الآن بـ١٠٥ دبابة(مَنَحها) لإميل لحّود لقتال عون في ١٩٩٠!