د. حبيب حداد: كيف يمكن للديمقراطية ان تنتج سلبياتها

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

أثارت نتاىج الانتخابات الرئاسية الامريكية الأخيرة , وقبلها نتاىج الاستفتاء في بريطانيا حول الخروج من الاتحاد الاوروبي فيما عرف بعملية Bri-exit ; وكذلك ما تظهره التوقعات و عمليات سبر الرأي الحالية من استدارة حادة نحو احزاب وتيارات اليمين في العديد من الدول الأوربية في الانتخابات المقبلة التي ستجري خلال الأشهر القليلة القادمة ،اثارت كلها موجات من التساؤلات والهواجس بل والمخاوف ،لا لدى قطاعات واسعة من مواطني وسكّان هذه البلدان فحسب ، وإنما على مستوى الرأي العام في العالم كله . وفي الواقع فان تلك التساؤلات والمخاوف لا تتناول فحسب التأثيرات العملية التي ستتركها تلك النتائج على مستقبل اوضاع تلك البلدان بالذات او على الوضع العالمي كله بل ، وهذا مايعنينا بالدرجة الأولى هنا ، على صعيد القيم الأخلاقية والإنسانية التي تشكل جوهر الديمقراطية وانعكاساتها على الوعي الشعبي العام في بلداننا المتطلعة نحو بناء حياة ديمقراطية سليمة . وهنا ومن هذا المدخل تطرح مسألة علاقة الديمقراطية بالليبرالية وعلاقة الديمقراطية بالعدالة والمساواة ، وقبل ذلك كله مسألة العلاقة اي مدى التوافق والتعارض بين الديمقراطية التي هي صيغة تنظيم حياة المجتمع وبين حقوق وحريات الأفراد التي كان يرى عمانويل كانت وكثيرون من بعده انها ينبغي ان تكون حقوقا مطلقة لا تحدها حدود بحجة مصلحة المجتمع او الخير العام لهذا المجتمع !!! .

ان ما يدفعنا لتناول هذا الموضوع ، وبما يسمح به المجال هنا ، هو إلقاء الضوء على بعض جوانب القضية الديمقراطية النظرية والعملية والإجرائية باعتبارها كانت ولا تزال الهدف الرئيس الذي انطلقت من اجل تحقيقه الانتفاضات الشعبية العربية وقدمت في سبيله اجل التضحيات وخاصة في بلدنا سورية .

يتفق جميع علماء الاجتماع السياسي ان الديمقراطية كانت أفضل صيغ نظم الحكم التي توصلت اليها الحضارة الانسانية في العصور الحديثة ، وان فضيلة الديمقراطية الاولى هي انفتاحها على التجدد والتطور الدائمين لتجاوز وإصلاح نقائصها وسلبياتها بما يستجيب لاحتياجات مجتمعها في كافة المجالات ، وكماهو منتظر فإن قيمة ونوعية هذا التجديد والتطور تتوقفان على مستوى وعي هذا المجتمع ومدى تجسيده للمصلحة العامة . فالدولة الديمقراطية هي دولة الحق والقانون لأنها اولا دولة المؤسسات ودولة فصل واستقلالية وتكامل صلاحية المؤسسات , دولة الأكثرية والأقلية السياسية التي تتبدل بين فترة واُخرى حسبما تقرره الإرادة الشعبية الحرة ، وليست دولة الأكثريات والأقليات القارة تبعا للتصنيفات القومية والإثنية والدينية والمذهبية والعشائرية والجهوية . الديمقراطية هي في اساسها المبادئ والقيم الديمقراطية التي تتكون من متحد وفسيفساء قيم الليبرالية التي لا يمكن ان تنفصل باي حال من الأحوال عن قيم العقلانية والعلمانية والعدالة والمساواة وكل ما يعزز كرامة الانسان ويكفل لكل الشعوب الحق في تقرير مصيرها . هكذا يرى عالم الاجتماع الأمريكي جون رولز في تطويره لافكار كانت عن الليبرالية وضرورة ربطها بفكرة العدالة سواء على صعيد مصالح الأفراد اي المواطنين الآخرين أم على صعيد المجتمعات وهو يخلص الى انه اذا كانت الدساتير والمؤسسات والقوانين والانتخابات والاستفتاءات ووجود الأحزاب والنقابات وبقية هيئات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها مثل الانتخابات والاستفتاءات تمثل الإجراءات العملية والتنفيذية للممارسة الديمقراطية ، فان كل تلك الهياكل والممارسات تظل فوقية وشكلية لا تنفذ الى أعماق المجتمع ولا تقوم بدور القاطرة التي تقوده نحو آفاق الرقي والتقدم لانها تشكل جسد الهيكل الديمقراطي ، اما روحه فتتمثل في مدى استيعاب وايمان أفراد هذا المجتمع بالقيم الديمقراطية ومدى ممارستهم لها في سلوكهم وحياتهم اليومية وكذلك مدى ترسخ هذه القيم في الحياة العامة وبرامج الثقافة والتعليم والإعلام .

وبصدد نتاىج الانتخابات الامريكية الاخيرة والانتخابات المنتظرة في عدد من البلدان الأوربية والتساؤلات والمخاوف التي تثيرها على صعيد الرأي العام في منطقتنا تجاه سياسات تلك القيادات الجديدة ، وعلى صعيد تلك الأنظمة والقوى والاتجاهات الاصولية التي ترى ان مجتمعاتنا غير مهيأة ، بل وغير قابلة من الأساس للحياة الديمقراطية فكيف اذا اخذنا بعين الاعتبار النتايج السلبية لتلك الديمقراطية في مواطنها الأصلية التي ما يزال يهيمن عليها وعلى إفرازاتها الآنية ومآلاتها المستقبلية سلطة رأس المال وسلاح الإعلام الذي لم يعد يقتصر دوره على توجيه الرأي العام بل تعدى ذلك الى صناعة هوية هذا الرأي العام نفسه والعمل على توجيهه في مسارات لا تخدم مصلحة الشعوب المعنية لانها تنطلق في تعاملهامع الانسان ، في ظل هيمنة الرأسمال العالمي المستغل والطفيلي في عصر العولمة والهيمنة على المجتمعات المتخلفة والفقيرة، هذا ، كأنه سلعة من سلع السوق يمكن تطويعها واستخدامها لأي غرض وفي كل اتجاه ، وأقرب شاهد على ذلك بالنسبة لنا هو الدور التخريبي الذي اضطلع به ومايزال إعلام الخليج البترولي في اجهاض الانتفاضات الشعبية العربية واغتيال أهدافها . فإذا ما استعرضنا ابعاد نتايج هذه الانتخابات التي جرت وفق الأسس الإجرائية بطريقة ديمقراطية وحاولنا تقصي ابعاد تأثيراتها على المستويين الخاص والعام فماذا يمكن ان نستخلص واية تساؤلات يمكن ان تطرح في هذا المجال ؟

ففي داخل كل بلد هل من حق كل مواطن او فئة او جماعة او حزب ان يتصرف عبر العملية الانتخابية بما يلبي مصالحه الخاصة والمباشرة حتى ولو كانت تتناقض مع مصلحة الأغلبية او المصلحة العامة من الشعب، بالاستعانة كما أسلفنا في تحقيق الأغلبية العددية بما يملكه من وسائل مالية واعلامية ودعائية ، علما بان الأغلبية العددية التي يفرزها صندوق الانتخاب قد لا تعبر دوما عن المصلحة العامة ، وهناك قول معروف لروبرت أينشتاين بانه في ظروف ما قدتسمح الأغلبية العددية بواسطة صندوق الاقتراع ان يفوز احدا عشر جاهلا على عشرة فلاسفة ؟؟؟ ألم يكن في مقدمة الأساليب التي تنسجم وجوهر العملية الديمقراطية ان التناقضات الثانوية في مصالح فئات وطبقات المجتمع ينبغي حلها عن طريق التوافقات والتسوية والحلول الوسطى المرحلية بديلا لأساليب التطرّف والعنف والصراعات الطبقية التي تدفع المجتمع في غالب الأحيان الى حروب أهلية تنفي الغايات وتدمر الكيانات ؟؟؟ . وفي بعد آخر لنفترض جدلا ان العملية الانتخابية أدت في بلد ما ، وخاصة في الدول الكبرى ، الى نتائج آنية تراها اغلبية سكانه في مصلحة هذا البلد بينما كانت النتائج اللاحقة ضررا ووبالا لا يقتصران على هذا البلد وحده وإنما يطالان السلم والأمن العالمي ويتعارضان مع حق الشعوب في تقرير مصيرها . وهذه النتائج التي قد تفرزها الانتخابات ،التي تكون سليمة المظهر والاداء ، غالبا ما تكون ردة فعل لواقع يعاني منه الشعب واقع القهر والفساد والاستبداد ، واقع يفتقر الى تأمين ابسط الحريات الديمقراطية وحقوق الانسان او تنتهك فيه الكرامة الوطنية والقومية ولذا فان القوى والأحزاب التي قد تفوز فيها وربما باغلبية كبيرة قد لا تحمل مشروعا او بديلا أفضل من النظام او السلطة القائمة . الم يفز الحزب النازي في ألمانيا عبر الانتخابات باغلبية ساحقة وهو الذي قاد بلاده وشعوب أوربا والعالم الى كارثة الحرب العالمية الثانية بكل تداعياتها ؟؟؟ والى اي مصير قادت الحركات والأحزاب الشعبوية والشمولية والأصولية والمذهبية وخاصة في منطقتنا بلدانها عبر الانتخابات الشكلية المزيفة التي كانت تحاول من خلالها إظهار ايمانها بالعملية الديمقراطية ؟؟؟ وإذا كان لنا ان لا نبتعد كثيرا ،فلنسأل أنفسنا كيف كانت طبيعة وغايات المشروعات البديلة التي طرحتها مجموعات الاسلام السياسي التي ركبت موجة الانتفاضات العربية المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة ، في كل من تونس ومصر وسورية والعراق واليمن …من اجل مستقبل أفضل لشعوبنا من واقعها الحالي ؟؟؟

خلاصة ما نود التاكيد عليه في هذا المجال ان العملية الديمقراطية ،من خلال بعض آلياتها وممارساتها غير الواعية ، قد تقود في بعض الحالات الى حصاىل ونتائج مرحلية غير متوقعة ، و تتعارض وجوهر القيم الديمقراطية وذلك بفعل ظروف ضاغطة واستثنائية في الداخل أوالخارج . لكن هناك حقيقتين يجدر بِنَا ان نذكر بهما هنا : . أولاهما ان الديمقراطية التي كانت أفضل انظمةالحكم التي توصل اليها التطور الإنساني حتى الآن هي صيرورة مستمرة متطورة سواء فيما يتعلق بقيمها الانسانية او بأسس وصيغ واجراءاتها المؤسساتية والعملية المتوافقة مع تطور كل مجتمع ومع حال مقومات تربة الديمقراطية في كل المجالات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية .ولهذا فان تأسيس دول ديمقراطية في بلداننا العربية وهو التحدي التاريخي الذي يواجهها منذ نيلها استقلالها الوطني والذي يستدعي السير في هذا الطريق الْيَوْمَ قبل الغد ،إنما يستدعي في الان نفسه توفير كل هذه المقومات المجتمعية التي لا بد منها لبناء نظام ديمقراطي علماني . اما الحقيقة الثاني ة فهي ان سلبيات ونقائص واخطاء وحتى انحرافات التجارب الديمقراطية لا يمكن تجاوزها او تحاشيها او اصلاحها الا من خلال الممارسة الديمقراطية ذاتها ….





Tags: محرر