د. سميرة مبيض:عهد ترامب نحو مسار بيئي عالمي متقهقر

د. سميرة مبيض: كلنا شركاء

بعيداً عن التنبؤات المتشائمة المرتبطة بالمسار السياسي الذي سيتبع فوز ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، هناك مسار متقهقر بالتأكيد ينتظر كامل كوكب الأرض على الصعيد البيئي ان سارت الأمور كما بدت خلال المرحلة الانتخابات الأميركية. حيث لا يبدي الرئيس الحالي أي اهتمام بظاهرة الاحتباس الحراري، لا و بل يذهب أبعد من ذلك ليعتبرها حماقات ابتدعتها الصين لتحدّ من تقدم الولايات المتحدة الاقتصادي.

 لم تكف البيانات الموثقة و المئات من الأبحاث العلمية التي تثبت ارتفاع درجة حرارة الأرض لإقناع رجل الأعمال بمصداقية العلم خصيصاً أن المسؤول عن هذه الظاهرة هو ازدياد تركيز غازات الدفيئة في  الغلاف الجوي و التي ترتبط باقتصاد العالم بشكل وثيق حيث تنتجها النشاطات الصناعية و استهلاك الوقود الأحفوري  (الفحم والغاز الطبيعي والنفط).

 و تعتبر أميركا ثاني بلد في العالم كمصدر انبعاث لهذه الغازات و كانت الإدارة الأميركية السابقة قد تقدمت خطوة في هذا الملف و تعهدت بخفض الانبعاثات بنسبة الثلث تقريباً. لكن ذلك لم يكن يناسب ترامب، بحسب برنامجه الانتخابي، و كان قد عبر عن رغبته بالغاء التزامات اميركا باتفاقيات المناخ. لحسن الحظ أن التنصل قانونياً من هذه الاتفاقيات ليس سهلاً،  لكن إدارة أميركا ستنحو مساراً مضاداً للبيئة على كل حال يعتمد عقلية الربح المالي السريع و لا يبالي بما يصنعه من كوارث بعيدة المدى.

ليست المشكلة فعلاً بارتفاع درجة الحرارة اليوم لكن  بما سيتبع ذلك من كوارث طبيعية تؤثر على حياة الانسان سلباً بشكل مباشر أولها ارتفاع مستوى المياه بالبحار مما سيجعل مدناً شاطئية عديدة قائمة اليوم غير قابلة للسكن مثل لندن، والبندقية ونيويورك وطوكيو على سبيل المثال  بالإضافة الى ازدياد الكوارث الطبيعية التي ستؤدي بدورها الى اضطرار مئات الملايين من البشر للرحيل عن أماكن سكنهم الحالية و ظهور مجتمعات كاملة لاجئة مناخياً تبحث عن ملجاً في مكان آخر قابل للحياة على هذا الكوكب نضيف لذلك التصحر و الجفاف الذي سيصيب أجزاء عديدة من الأرض و تأثيرات كثيرة على التنوع الحيوي لا يتسع المجال لنقاشها هنا.

يعكس موقف ترامب من البيئة موقفا من الحياة بشكل عام فانعدام حس المسؤولية تجاه هذه المشاكل العالمية هو تفصيل تابع لانعدام بحس المسؤولية تجاه الإنسانية بمفهومها الجامع لكل المجتمعات البشرية بمختلف تنوعاتها العرقية و أماكنها الجغرافية فلا نجد في أي من التوجهات التي طرحت خلال حملته الانتخابية ما يدعم نهج القيم التي تأسست عليها  الأمم المتحدة و التي تعتبر مرجعية في تطبيق الحقوق الإنسانية على مستوى العالم.

فبمقابل مبدأ حفظ السلم والأمن قرأنا دعوات الرئيس الأميركي لتسليح المدنيين بحجة الدفاع عن النفس ضد الإرهاب، فاته التنبه أن امتلاك السلاح بحد ذاته إرهاب للمجتمع ومحرض على العنف أمام ضعف الانسان بمواجهة غضبه وتعصبه  و أمام أمراض المجتمع المتزايدة بسبب تسارع نمط الحياة والضغوطات التي تعاني منها المجتمعات بشكل متفاقم.  

في حين يدعو المنطق السليم في هذه الحال الى تقليم روح الاقتتال و ليس تحفيزها و احتواء الاختلاف و ليس عزله و شيطنته.  أما مبدأ السلام بين الأمم  و تساوي الحقوق بين الشعوب فقابله ترامب خلال الفترة الدعائية للانتخابات باقتراحات  بناء الجدران العازلة بين البشر، كما قابل احترام المساواة بالكثير من التصريحات العنصرية و المواقف  التي تفتقد كلياً لاحترام المرأة.

فهل ستضبط التزامات المنصب الرئاسي و ضغط المجتمع الدولي بمختلف قواه المؤثرة هذه الشطحات المناهضة للبيئة و المحاربة لحرية المرأة و الداعية للعنف و المضادة للسلام المستدام في العالم، هذا ما يأمله الجميع و على رأسهم العلماء و المعنيين بحقوق الانسان و الساعين لتقدم المجتمع الإنساني بخطوة واثقة يلزمها بناء الكثير من الجسور و ردم الكثير من الحفر. 

اقرأ:

د. سميرة مبيض: قراءة في واقع المنظمات السورية في فرنسا د. سميرة مبيض: عام الندم.. أما الثورة فتستمر



Tags: مميز