نور الدين الإسماعيل: من الفارابي إلى مكيافيلي.. إلى حكم العجيان

نور الدين الإسماعيل: كلنا شركاء

اهتم الفلاسفة والمفكرون منذ القديم بقضايا الحكم والرئاسة، وكان كل واحد منهم يضع تصوراً يطابق فكره حول صفات الحاكم أو الرئيس.

منهم من كان يفكر بطريقة طوباوية بحتة باحثاً عن المدينة الفاضلة كأفلاطون والفارابي. وآخرون فكروا بطريقة مغايرة للحكم فوضعوا صفات للحاكم تتعاكس تماماً مع الصفات التي وضعها أصحاب الفكر المثالي فأسسوا نواةً للتنظير السياسي الواقعي كالفيلسوف والمفكر الإيطالي مكيافيلي في كتابه الأمير.

صفات الحاكم عند الفارابي:

يرى الفارابي أن الحكم أو الرئاسة منصبٌ لا يجوز لجميع أعضاء المدينة الفاضلة أن يشغله. وإنما أن يكونَ معدّاً لها بالفطرة أولاً  وبالملكة والهيئة الإدارية ثانياً.

تأثُّرُ الفارابي بالإمامية ربما كان له دور في توجيه فكره الفلسفي حول اختيار الحاكم أو الرئيس نحو النظرة المثالية. فكما أن الإمام كامل ومعصوم فيجب أن يكون الرئيس أيضاً كاملاً ومعصوماً. فرأى أن الحاكم أو الرئيس لا بد له من اثنتي عشرة صفة يجب أن تتوفر فيه حتى يستحق منصبه فأجملها في أن يكون تام الأعضاء جيد الفهم ذكياً حسن العبارة محباً للتعليم غير شره في المأكل والمشرب والمنكح محباً للصدق كارهاً للكذب كبير النفس عفيفاً محباً للعدل مبغضاً للجور قوي العزيمة.

صفات الحاكم عند مكيافيلي:

أما الفيلسوف والمفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلّي صاحب مبدأ الغاية تبرر الوسيلة فيرى أن على الحاكم أو الرئيس أن يتخلّص من القيم والأخلاق وأن يجمع بين محبة الناس وخوفهم منه فإن تعارض الأمران فعليهم أن يخافوا منه ويهابوا جبروته وعظمته. ولكن في نفس الوقت كان يرى أن على الحاكم أيضاً أن يحقق العدالة الاجتماعية لأن الفوارق الطبقية الكبيرة والمتفاوتة بين الفقراء والأغنياء قد تدفع الفقراء للقيام بثورة ضده. كما أنه يجب عليه أن يتخلص من عهوده ووعوده إذا تعارضت مع أهدافه كما ويتيح له استخدام القوة لتحقيقها. حيث يقول في كتابه الأمير:” وهنا يقوم السؤال عما إذا كان من الأفضل أن تكون محبوباً أكثر من أن تكون مُهاباً أو أن يخافك الناس أكثر من أن يحبوك. ويتلخص الرد على هذا السؤال في أنّ من الواجب أن يخافك الناس وأن يحبوك ولكن لما كان من العسير الجمع بين الأمرين فإن من الأفضل أن يخافوك على أن يحبوك هذا إذا توجب عليك الاختيار بينهما” 

حكم البعث الأسدي والتطبيق العملي لرؤية مكيافيلي:

منذ اغتصب حافظ الأسد الحكم في سوريا عمد على ترجمة ما جاء في توصيات مكيافيلي في كتابه الأمير. حيث أطلق على نفسه الصفات التي تجعل منه القائد المفدّى، وفي نفس الوقت فرض سطوته وقبضته الحديدية على الشعب. فهو القائد المفدى ومحبوب الملايين والقائد الرمز وقائد التشرينين والكثير من الصفات التي أطلقتها آلته الإعلامية المخابراتية لتصبح حديثاً يقتات عليه الشعب فيمجّد بعظمته بكرةً وعشيا. لكنه تعارض مع مبادئ مكيافيلي في الناحية الاقتصادية فعمد إلى زيادة الشرخ بين طبقات المجتمع فزادت الهوة بين الغني والفقير لثقته من أنّ قبضته الحديدية التي تمسك برقاب الشعب ستمنعهم من الثورة عليه.

استلم بشار الأسد الحكم في سوريا عبر مسرحية مجلس الشعب عام 2000 فورث العقلية الأمنية عن والده كما ورث الشعب والجيش والوطن والمقدّرات والثروات وأجهزة المخابرات. لكّنه كان يحاول أن يظهر بصورة المحدّث والمطوّر  ولكن هناك تناقض كبير بين ما يريد تسويقه وبين ما هو عليه الواقع الأمني، فضاع الولد وأصبح يقوم بأعمال صبيانية أقرب ما تكون إلى التصنع المبتذل منه إلى الحقيقة.  فيحاول تقليد زعماء الدول الديمقراطية في الشكل، بينما يتبنى في حقيقته عقلية العسكر، وليس أي عسكر، بل يتبنى العقلية السوفييتية في الحكم التي تعتمد على مفهوم الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع. فسقطت جميع ادعاءاته عندما واجه أول اختبار له عام 2005 حين تم التوقيع على وثيقة إعلان دمشق للتغير الوطني الديمقراطي من مجموعة من الأحزاب السياسية والناشطين في مجال حقوق الإنسان والمفكرين والأدباء وناشطي المجتمع المدني.

لكن السقوط المدوي و التعرية الفاضحة التي كشفت عورة النظام كان مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 حين واجهها بكل ما أوتي من إجرام. فكشف عن وجهه الاستبدادي الحقيقي الذي دأب على تغطيته بأقنعة مزيفة مختلفة لم تكن لتخدع الشعب طيلة فترة حكمه. فقاد البلاد نحو الهاوية بعد أن قتل واعتقل مئات الآلاف وشرّد الملايين وهجّرهم بعد أن دمّر مدنهم وقراهم، دون أن يعترف بجرائمه بل اتبع بروباغندا إعلامية ظهر من خلالها منفصلاً عن الواقع كمن يكذب كذبةً ويحاول أن يصدّقها.

كوريا الشمالية الصورة الجليّة لحكم الصبيان:

عندما يشاء القدر ويضع بلداً بأكمله شعباً ومؤسسات في قبضة صبيٍ مجنون فأنت تتحدث عن كوريا الشمالية.

كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية وزعيم حزب العمال الكوري الحاكم الذي ورث البلاد عن والده كيم جونغ إيل هو المثال الواضح عن تصابي الحاكم وجنونه الذي وضع بلاده في قمقمٍ ودفنها تحت الرمال، فلا توجد أخبار أو معلومات دقيقة لما يجري في البلاد إلا ما يتم تسريبه من هنا وهناك أو بعض القصص والروايات التي تكاد تشبه الأساطير نظراً لغرابتها. فقد تجاوز الصفات التي حددها مكيافيلي ليصل إلى أن يضحك الشعب إذا ضحك الزعيم وأن يحزن الشعب إذا حزن الزعيم وأن يستيقظ الشعب وينام بأمر الزعيم. حتى حلاقة شعر الرأس يحددها الزعيم نفسه ومن يخالف فعقوبته القتل. وعلى الشعب الكوري أن يقدّس ويمجّد بحمد الزعيم الشاب. وأن يعلم أن ما أصابه من خير فمن الزعيم وما أصابه من شر فمن الامبريالية العالمية ممثلةً بالولايات المتحدة الأمريكية العدو الأول لبلاده.

شماعتان أتيتا لشعوبهما بالويل والاستبداد والطغاة فأورثتاهما إلى صبيانٍ غير مؤهلين لإدارة منزلٍ بغرفةٍ واحدة. مقاومة الصهيونية وعداوة الامبريالية تتحملان كامل المسؤولية عما يعانيه الشعبان السوري والكوري من جنون العجيان. 

اقرأ:

نور الدين الإسماعيل: كيف فرض حافظ الأسد سيطرته على الجيش؟





Tags: محرر