on
أحمد عمر: سوريا كفيلم هندي
أحمد عمر:المدن
عثرت طالبة طب سورية على أخيها في المشرحة، فصاحت وهي تدقّ على جدران الصهريج الكبير: أخي.. والله هذا أخي؟!الخبر كان الأول في مواقع التواصل الاجتماعي السورية، ويشبه خبر عثور شامبليون على حجر رشيد، وكريستوف كولومبوس على قارة أميركا، واكتشاف نيوتن لجاذبية بشار الجعفري في مجلس الأمن والتي استحقت أن يُقلد وساماً من لدن المندوب الدولي لمؤسسة القلق وإنجاد النازحين بالعواطف النبيلة.تختلف الوثنية السورية الأسدية عن الوثنية الهندوسية، فالهند إحدى الدول القليلة التي تبيح الدعوة للدين بشكل علني، فهي أكثر ديمقراطية من أوروبا دينياً، لولا الوثنية الخام، فوثنية أوروبا مقنعة، وأنيقة. أول الاختلافات هي أن الآلهة متعددة في الهند، بينما في سورية الأسدية، إله واحد ينافس إله السماء والأرض. لكن الغرض من هذه السطور هو المقارنة بين الدراما الأسدية والدراما الهندية، وليس البحث في الأديان.
الدراما الهندية مشهورة ونمطية، أحد هذه الأنماط وأشهرها هي أن تضيّع أمّ أحد أولادها أمام أبواب السفر المتوحشة، غالباً في محطة القطار، فخطوط القطار مزدحمة وكثيرة، وتقول إحدى الإحصاءات أن ضحايا القطار تبلغ ثمانين ألفاً سنوياً، إذا لم تتآمر عليّ الذاكرة مؤامرة كونية. ثم تعثر عليه الأم بعد حقبة من الزمن، فالنهاية السعيدة ضرورية. أحياناً تضطر الأم إلى التخلي عن ولد الخطيئة أمام باب معبد لتعود إليه فتجده مفقوداً، وقد تبنته أسرة أخرى، فيكبر ويصير أميراً، كما تبنت النظام السوري اللقيط كل القوى العظمى: الشيوعية، والرأسمالية، والليبرالية، والدينية التي تدين بغير دين أهل سورية، فهو لقيط من الأقليات التي يعشقها الغرب، لقيط قد ينفع، المافيا تحب الأعضاء اللقطاء، وقد نفعها كثيراً. وكانت السينما الهندية إلى فترة قريبة تحرص على تنبيل الشر في آخر الفيلم، مجرم الفيلم في النهاية السعيدة، يظفر بالتوبة، فالسينما الهندية هي سينما التعويض والمخدر والفردوس المفقود.
ما زال اسم الطالبة مجهولاً، فهي تخشى على نفسها، وهي قصة أغرب من الخيال، قصة يصعب على الخيال اختراعها، مثل قصة عصفور ميشيل كيلو، وعصفور أحمد المرزوقي. وكان النظام السوري متهماً بأنه لا يستفيد من أجساد الضحايا كما يجب، فهو يقتل عشوائياً ويحب الهدر في كل شيء، أحياناً كان يسرق بعض الأعضاء: مثانة، كلية.. القلب السوري لا ينفع في أجساد الغزاة فهو قلب لمرة واحدة فقط ويقلب بصاحبه.
كان هتلر يحوّل الضحايا إلى صابون، ولا بد أن جندياً جائعاً فكر في نفع الوطن والعِلم، فباع الجثة لطلاب كلية الطب، أو لعله كان يحب الطرفة، وتعب من التمثيل في الجثث، فأراد أن يرتاح من هذا العبء، فضحى بالجثة لصديق، فوجدت الطالبة -مجهولة الاسم- نفسها، وجهاً لوجه مع أخيها، الذي غاب عند أحد الحواجز كما يقول الخبر. والحواجز ثقوب سوداء على الأرض السورية. ظنَّ الضحية أنه في مأمن، فهو طالب طب، ولا علاقة له بالسياسة، فالمواطن الصالح هو المعقم من لوثة السياسة وهو صالح، ثم رأى نفسه متهماً بالمؤامرة على الشعب السوري بسبب اسمه أو كنيته أو مكان ولادته أو كلية العلم التي يدرس فيها، فهو طالب، والرئيس يغار من زملاء المهنة فقد كانوا أول أعداء النظام وأكثرهم استهدافاً.
بكت الأم، وبكت الأخت، بكى الأب، وبكى الإخوة، بكوا جميعاً: يوماً أو يومين أو عشرة، ثم صبروا ودعوا الله، إلى أن عثرت الطالبة على أخيها ميتاً تحت عجلات القطار الأسدي، قطار الموت السريع، الذاهب إلى القدس عن طريق حلب، في مشرحة كلية الطب.
فصاحت لله درُّها وكبدها المتصدع: أخي والله هذا أخي، كانت صيحة أكبر من صيحة أرخميدس، فقد اكتشفت قانون الطفو على الفجيعة.
كنت أطمح إلى فترة إصلاحية سورية، سياسية تطول أو تقصر، فالثورات قاسية، فترة إصلاحية كما في المغرب. استطاع الملك محمد السادس، مواجهة الماضي، وأبوه ملك من أسرة ملكية عريقة وليس مثل الأسد، فلا شبه بينهما. لكن ذلك لم يحدث مع فرص كثيرة أتيحت للرئيس الشاب المحب للعولمة والإلكترونيات ومداواة العيون التي أضناها السهر من العشق، فخسرنا بالثورة الجردة السياسية أو بعضها، وخسرنا قصة جمهورية الأتلانتس السورية الضائعة الغارقة في الدم والظلم، وخسرنا فرحة أن تعلن الدولة أسماء المفقودين في الثمانينات، وخسرنا تعويض الضحايا الرمزي والمالي، وخسرنا فرصة أن يتحول سجن تدمر إلى معرض أو مبكى أو حديقة آلام..
وكنت أطمح إلى أفلام ومسلسلات عن البطولة السورية، والتضحية، والصبر المرّ، وقصص الفصل العنصري بين بيض سوريا التوتسي، وسودهم الهوتو، فكان أن وصلنا إلى هذه المرحلة: ألف حكاية وحكاية، وألف مذبحة ومذبحة، والرئيس يكذب ويدعي ويقول للصحيفة الأميركية التي تتهم النظام بالقتل: أعندك وثائق؟
طالبة الطب ليس لها اسم حتى الآن.. ويحتاج السوري إلى غُراب، غير بوتين، يعلمه طريقة دفن الضحية ويواري السوأة؟
اعترض أحد الأصدقاء بعدما أنكر عميد كلية الطب خبر دراما المشرحة، وزعم أنّ “موديلات” المشرحة هي غير سورية، أو هي غالباً لجثث مجهولة الهوية، وأوحى بأنها مستوردة، ربما من الصين الشعبية أو ربما من أوروبا. فجثثهم أحسن وأكثر تطوراً، بحسب المفهوم البعثي للتطور والحداثة. فانبرى أحد الأصدقاء، وهو طالب طب سابق، غيّر فرعه في ألمانيا من طب الأجساد إلى طب العقول، وهو معارض، ووقف إلى جانب رواية العميد، وأكد على صحة روايته، وشهادة الضحية بشهادة شاهدين من العدول.
لكني ضحكت من ردِّ الصديق، فالسوري يعاني من مشاكل في الجمع والتبويب، وشهادة صديقي الضحية عجيبة، فسوريا مقلوبة، والذبح فيها بالبراميل والغاز على الهواء مباشرة. لا شك أن سورية كانت فيها قوانين، ولا أقصد بالقوانين العدل، فهو “حاجة تانية”. فأنا لم أرَ عدلاً في أي شيء. ربما كان من تلك القوانين أن تذبح الضحايا بصمت في السجون من غير أن يعرف أحد، وتستورد ضحايا مشارح الطب من الخارج، أو أن تكون مجهولة الهوية.
ها هم يشرِّحون الشعب السوري الحي على الهواء الحي الذي يدعسنا يومياً بأخباره الحديدية..
اقرا:
الصور وما تبقّى من سورية