on
د. أسعد الصالح: كيف رسمت داعش طريق سقوطها؟
د. أسعد الصالح: كلنا شركاء
لست من الذين كتبوا يوماً من الأيام أن هناك مفاجئات بعد شهر أو ستة أشهر وأن النظام المجرم السوري سيسقط في نهاية العام كذا وكذا. لكني كتبت منذ سنتين تقريباً عن 10 خطوات ستسقط بموجبها داعش. هذه الجماعة ليست بالذكاء الذي يجعل المراقب لها يحتار فيما ستؤول إليه. إذا كان البعثيون العراقيون قد طالت لحاهم وصاروا خبراء التخطيط العسكري في داعش، فإن تجربة البعثي صدام حسين المتهور يعيدونها بنفس الطريقة: تحديات خلبية وخطابات جوفاء وبالنهاية هروب واختباء وتوريط الناس الأبرياء في حروب لا قبل لهم بها.
هذه خطوات داعش للسقوط غير المأسوف عليه:
الأولى: الاعتماد على القتل والإرهاب: هذه الخطوة تبدو أكثر الخطوات التي تلجأ إليها داعش وأسهلها. هي سهلة من حيث وجود الآلية العسكرية التي يمكنها قتل أي فرد أو جماعة مخالفة لداعش طالما أن السلاح والقوة البشرية والفتوى موجودة. منطق داعش المعتمد على القوة سيكون نفس المنطق الذي يؤدي إلى زوالها. التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات والدول وحتى فرق القدم العالمية لا تستطيع أن تحتكر القوة دائماً وأبداً.
الخطوة الثانية: التمدد المطاطي: مع التمدد تصبح داعش أكبر من حجمها. هذه الخطوة—لمن درسوا تاريخ العالم أو اطلعوا عليه بشكل عام— هي نهاية حتمية إما للكيان الذي تجاوز حده أو لحالة التجاوز وعودته إلى حجمه الطبيعي. أعتى الامبراطوريات كان التمدد المبالغ فيه هو بذرة الدمار لها. لماذا؟ لأن التمدد سيدخل أفراداً جدداً يؤثرون في أفكارهم وتصرفاتهم وصراعاتهم على النظام الذي تمدد بهم. انظروا إلى الدولة العثمانية مثلاً وتأملوا نتائج تمددها إلى مناطق شاسعة مع عدم تقبل الشعوب لوجودها. الامتداد غير الطبيعي إلى الدول العربية والتوجه الى أوروبا أدّيا إلى تقلص الدولة العثمانية الى حدودها وحجمها الطبيعي كدولة خاصة بالأتراك وليس بالضرورة خلافة إسلامية ترعى مصالح المسلمين في العالم.
الخطوة الثالثة: استغلال مشبوه للإسلام. اعتماد داعش على تفسير أسود للإسلام خارج الزمان والسياق بحيث لا يعرف غير الدماء والأشلاء والتسلط على غير المسلمين. هذا التفسير للإسلام في القرن الواحد والعشرين يختلف عن ظروف ظهور الإسلام في قرنه الهجري الأول. السبي، مثلاً، كان موجوداً كجزء من الممارسة الحربية السابقة للإسلام وقد أجمع المسلمون على تركها بعهودهم على شكل اتفاقيات أقر بها العالم أجمع. الذين يحررون مناطق داعش (وربما في بعضهم عناصر الإرهاب والطائفية ممن ينتمون إلى الحشد الشعبي أو ميليشيات شيعية عندها حقد تاريخي) لن يلجأوا إلى سبي النساء كما فعلت داعش لأنه ببساطة ليس السبي عندهم هو جزء من المباح الديني. هنا تقف داعش كعنصر شاذ تفعل بالناس ما لا يفعله بها حتى أعداؤها.
الخطوة الرابعة: الاصطدام مع القوى الدولية المحيطة. لا توجد دولة يمكن أن تنشأ وتستمر دون اعتراف بعض أو كل الدول العالمية بها. الدواعش لا يعترفون بأية منظومة دولية والكل عندهم صليبيون وكفرة. حتى طالبان الأفغانية رغم وجود عتاة القاعدة فيها، كابن لادن الذي يكفر هو وجماعته الحكومات العربية، تقربت إلى المملكة العربية السعودية وأخذت منها لفترة من الزمن الاعتراف بحركة طالبان كحكومة شرعية في أفغانستان. داعش في هذا السياق لا تقبل حتى السير على خطى طالبان، رغم أن داعش (الغريبة عن ثقافة العراق وسورية) لم تحصل على كيان دولة مشابه لكيان الدولة الطالبانية.
الخطوة الخامسة: عدم وجود تحالفات. داعش تظن نفسها انها مدعومة من السماء فقط ولا يهمها أحد على الأرض. هذه عقلية صدام حسين نفسها التي جعلته يتصرف بجنون عظمة دمر فيه العراق باحتلاله الكويت وكأنه السيد المطاع في العالم. عزت الدوري منذ أيام يعترف أن غزو الكويت خطأ ويعتذر عنه. لا أستغرب بعد سنوات إذا ظهرت شرذمة داعشية تعلن خطأها في تدمير مدن العراق وسورية باسم إقامة دولة إسلامية.
الخطوة السادسة: زرع بذور الثأر بين الأفراد و القبائل. داعش قامت بمجازر بحق بعض القبائل العراق وسورية. المجتمع القبلي تطغى على أبنائه عادة الثأر. رغم عدم إسلامية هذه العادة إلا أن جرائم داعش أيضاً بعيدة عن الإسلام. مع عدم وجود قصاص من داعش سيجعل أبناء القبائل ينتظرون الفرصة المناسبة للاقتصاص أو الثأر من أفراد داعش على جرائمهم بحق افراد قبيلتهم. إذا سقطت داعش بشكل كامل فربما ستكون هناك مجازر بحق أفرادها من قبل الأفراد الذين عانوا منها ومن جرائمها.
الخطوة السابعة: الإعتماد على عدم وجود بديل حكومي. التعويل على غياب الحكومة التي يرضى عنها الشعب هو سبب رئيسي لظهور داعش. مثلاً في سورية، داعش تعتمد كثيراً على وجود بشار وأن اهل الرقة و دير الزور لن يقبلوا بحكومته لتعود وتسيطر على أراضيهم بعد كل إجرامه هناك ورغم وجود مؤيدين له. لكن هذا الحال قد لا يدوم إذا تم تغيير بشار وجاء رئيس يقبل به الشعب السوري قائداً. نعم، كما أن داعش لن تبقى للأبد أيضاً بشار لن يبقى للأبد.
الخطوة الثامنة: الاعتماد على ضعف أعداء داعش. ظهور داعش مرتبط بمرحلة ضعف أصابت كيان دولة العراق وسورية بل وأصاب أيضاً البدائل الهزيلة لهذه الدول. رجوع الدولة العراقية الى قوتها والدولة السورية كذلك—مع نظام وطني وليس مجرماً—يعني بالضرورة إنكفاء داعش وتفرق الناس عنها. الضعف كان قائماً وبالتالي فداعش كانت الأقوى إلى حين. متى ما قويت شوكة أعداء داعش صارت راياتهم يُصنع منها لباس لهروبهم بزي النساء.
الخطوة التاسعة: فقدان داعش لقياداتها بسبب وجودهم في مناطق جغرافية محدودة (تقع تحت إشرافهم) ويأس صغارهم من وعود النصر والتمكين التي تم تلقينهم إياها في عصر الغزوات.
الخطوة العاشرة: داعش تعتمد على الغزوات السريعة والبيعات السخيفة ولا تعرف كيف يسير التاريخ. عصر الغزو لم يستقر لأهل الجاهلية وعصر البيعات لم يجعل الحكم باقياً عند الخلفاء الراشدين ليستمر حكمهم بين الناس. مصطلح “باقية” يدل على عدم فهم داعش لسير التاريخ وتداول الأيام.
سقوط داعش ونهاية مغامرتهم ستكشف أنهم مثل البعثيين في العراق وصلوا إلى القوة والسلطة بمغامرة وانتهت سلطتهم بخسائر كبيرة للشعب الذي حكموه.
اقرأ:
د. أسعد الصالح: حلب ومسؤولية الدول المتفرجة
Tags: محرر