د. حبيب حداد: بين معرفة ووعي الواقع وبين الإقرار بصحة ومشروعية هذا الواقع

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

في سياق الكفاح التحرري الوطني الذي يخوضه الشعب السوري منذ ست سنوات ، والأمر بطبيعة الحال لا يختلف كثيرا عما عرفناه في سياق الانتفاضات الشعبية العربية التي حدثت في عدد من الأقطار الأخرى ضمن موجة ماسمي بالربيع العربي ، ;كانت هناك تلك الظاهرة التي برزت اكثر من أي وقت مضى ، الظاهرة التي يجدر بالجميع ،من وجهة نظرنا ، التوقف عندها والتعامل معهابدراية ووعي ، لما لذلك من أهمية بالغة في التعرف على بنية ومعطيات الواقع من جهة ، وفي انتهاج السبل الصحيحة لتجاوز هذا الواقع وتحقيق المهمات والأهداف المنشودة من جهة ثانية . ولا نبالغ هنا ، حيث لا نريد ان نستغرق في نقاش ذي طابع نظري بحت ، اذا قلنا ان هذه الظاهرة كانت عاملا رئيسيا في اخفاق وفشل معظم ،ان لم نقل كل ، المشروعات والبرامج التي طرحتها القوى الوطنية الديمقراطية السورية على طريق الانتقال من نظام الاستبداد الشمولي الحالي نحو بناء النظام الديمقراطي العلماني البديل . وهذا ما يؤكده واقع الحال من خلال المآساة المصيرية التي يعيشه وطننا الْيَوْمَ . تلك الظاهرة التي نعنيها تتمثل بحالة الانقطاع او الابتعاد او عدم التكافؤ وربما في كثير من الأحيان الافتراق او التناقض بين الشعارات والأهداف المطروحة والمتبناة في جانب ، وبين الاستراتيجيات والامكانات واساليب العمل التي اعتمدت لتحقيقها على ارض الواقع في جانب ثان . انها هي نفسها ظاهرة التناقض بين الغايات والرغبات وبين القدرات والاساليب والممارسات المستخدمة والتي يمكن ان تشكل في كثير من الحالات تشويها وطعنا لكل القيم الوطنية والإنسانية والحضارية التي تنطوي عليها تلك الغايات . هكذا فان سيادة العقلية التي تعبر عنها هذه الظاهرة في مسارالعمل الوطني ستؤدي ،طال الوقت أم قصر ، الى نشر وتعميم مناخ اليأس والاحباط لدى كل مواطن ، وستقود حتما الى المزيد من التراجعات والخسائر والتضحيات والى استمرار عملية التدمير الذاتي في كل بنى الدولة والمجتمع كما هي حال بلادنا منذ سنوات .

ان كل استراتيجية صحيحة تهدف الى تغيير وتطوير الواقع الذي يعيشه مجتمع ما ، كما ان نجاح اية خطة تهدف الى تحقيق مستوى أفضل للتنمية الانسانية المستدامة فيه ،لا بد ان يستندا قبل كل شيء على معرفة علمية صحيحة بتضاريس وبنية هذا الواقع وبحجم ونوعية المشكلات التي تعيق او تشل تطوره الطبيعي . وبالنسبة لنا نحن السوريين فان الانطلاق ،فحسب ، من الشعارات والاهداف الوطنية والتحررية التي تجسد عدالة القضية التي انتفض شعبنا وقدم كل التضحيات في سبيلها ليس كافيا لضمان الانتصار . ان حقائق و،مصاعب الواقع ، الممتدة في الزمان والعنيدة على الاصلاح ،لا يمكن التعامل معها وتذليلها وإيجاد الحلول الناجعة لها ،لا بالرغبات الجدية والنوايا الصادقة ولا بالحماس والانفعال وردود الأفعال ،ولا بانتهاج ما كنّا نطلق عليه في الخمسينات من القرن الماضي ، اثناء مرحلة الصعود الوطني والقومي اُسلوب حرق المراحل . لا بد إذن لكل حراك شعبي وطني يرمي لتغيير الواقع وبناء المستقبل المأمول ان ينطلق من ارض الواقع وان تكون اداة وغاية هذا التغيير هماهو الشعب نفسه لا القوى الخارجية ومصالحها ولا قوى الثورة المضادة كما هي الحال في وطننا الذي اصبح منذ سنوات ضحية حرب طاحنة مدمرة بين قوى الاٍرهاب من جانب وبين نظام الاستبداد من جانب آخر .

ان هناك فرقا كبيرا بل ان هناك تناقضا صارخا بين ما نود التأكيد عليه من أهمية معرفة ووعي واقع المجتمع الذي نعيش فيه ، وبين ان نقر ونقتنع بصحة ومشروعية استمرار هذا الواقع او الوصول مثلا الى القناعة بعدم جدوى تغييره او استحالة ذلك !!! . اذ ان ما نود التأكيد عليه هنا هو ضرورة ان تتسلح النخب الفكرية والسياسية في بلادنا بالمنهج العقلاني العلمي والرؤية الموضوعية ازاء مراحل ومهام صيرورة التغيير والتقدم ، وذلك بديلا للمنهج البوليسي التآمري والنظرة الذاتية المعاقة التي تنكر وتتجاهل معطيات الواقع الراهن محاولة عبثا ودون جدوى تطبيق ما في أذهانها ومخيلاتهامن أهداف ومشروعات في ارض الواقع بدل ان تتعامل مع تربة هذا الواقع كما هي والانطلاق منها ومن شروطها لتحقيق البديل المتوخى . تلك كانت اهم دروس حركات التحرر والتغيير الديمقراطي التي انتقلت الى الحياة الديمقراطية خلال الربع الأخير من القرن الماضي وتلك كانت في الآن نفسه ابرز خلاصات أفكار عصر التنوير الأوربي اذا استرجعنا هنا ما أشار اليه ديكارت وأكد عليه بعده هيغل وهو ان ما هو واقعي هو عقلاني وان ما هو عقلاني هو موضوعي من حيث الوجود والماهية وطريقة التعامل .

لقد أدت هذه الظاهرة كما هو معلوم الى اخطاء وخطايا ومخاطر جسيمة عبر مسار الحراك الوطني الشعبي الذي انطلق في بلادنا منذ ست سنوات مطالبا بالحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية وكان نتيجة ذلك تفجر الإطار الوطني الديمقراطي لهذا الحراك وتحوله الى حرب أهلية عبثية مدمرة . كما أدت هذه الظاهرة على الصعيد السياسي الى حرب شعواء بين النخب الفكرية والسياسية المعارضة وقودها الشعارات والمفاهيم والتناقض في فهم المصطلحات ودلالاتها: فهناك من يرى في ذلك الحراك الشعبي العام قبل حرفه عن مساره انتفاضة شعبية وطنية عارمة او هبة شعبية عفوية شاملة لوضع حد لحياة التهميش والتمييز والاستبداد ، وهناك غيرهم من رأى فيها مشروع ثورة تحررية مجتمعية ، وذلك قبل ان تجهض أهدافها وينحرف مسارها نحو العسكرة والأسلمة والتدويل . وهكذا قادت تلك المواقف المتباينةالى تكوين اجواء من الاٍرهاب وانعدام الثقة والتقية عند الجميع ، والى ازدواجية المواقف من قبل معظم العاملين في الحقل السياسي ، وفي المعارضات السورية بخاصة .والتي أدت بالبعض الى ان يتهم البعض الاخر بالتواطؤ او التآمر والارتباط بالقوى المعادية والوقوف ضد الثورة التي يرى فيها انها ظلت حتى الساعة اعظم ثورات عصرنا !!!

ويمكن ان نضيف لذلك ان هذه الظاهرة كانت احدى العوامل التي تقف وراء الانزلاقات الخطيرة التي دفع اليها كفاح شعبنا بعد ان صمت صوته وغيبت ارادته وأصبح صوت السلاح والدمار والخراب سيد الساحة ، كما أصبح مفهوم ميزان القوى الذي سيتحكم في تقرير مصير سورية ، يعني في مفهوم القوى الدولية وفي مفهوم الأطراف المعارضة المرتبطة بها مجموع القوى الغاشمة المتصارعة فوق الارض السورية والمعادية أساسا للمشروع الوطني الديمقراطي الذي انتفض الشعب السوري لتحقيقه ، هذا التوجه الجديد الذي يبدو انه ينحو الى تهميش ،والى حد بعيد ، دورالمعارضات السياسية المدنية .

لقد كان وما يزال على اطياف المعارضات الوطنية الديمقراطية السورية ان تقف امام نفسها وتصارح شعبها بالحقائق التي استخلصتها من تجربة السنوات الست الماضية وان تعترف بأخطائها وخطاياها التي ارتكبتها عندما أدارت ظهرها لشعبها وتنكرت لكل معطيات واقع مجتمعها ، وعندما راهنت على دول الخارج واستخدمت واجهات لأجنداتها ولقوى التطرّف والارهاب . تلك هي في راينا الخطوة الاولى التي تأخرت

كثيرا ،خطوة المراجعة الشاملة والجادة والاعتراف بكل معطيات الواقع الراهن ومخاطر استمرار التراجيديا التي يعانيها شعبنا . وهي الخطوة الاولى كما نرى في طريق القيامة الشاق طريق استعادة الوحدة الوطنية ، الطريق المعبد بالعرق والجهد وبالتضحيات الجسام التي تجعلنا مؤهلين وجديرين بتحقيق حلم اجيالنا المتمثل ببناء سورية الجديدة التي نريدها،





Tags: محرر