on
د. محمد حبش: الموت أو غوانتانامو…. هل من بديل لخطاب الموت هذا؟
د. محمد حبش: كلنا شركاء
في لقائي مع ديمستورا قبل سنتين في جنيف طلب إلي الرجل أن أقدم رؤيتي كمهتم بالشأن الإسلامي، وفي الجواب طالبته على الفور أن يتحاور مع داعش والنصرة وأن يوفد إليهم مندوبين ويلتقي ممثلين عنهم في جنيف..
قال لي مباشرة: الحوار!! أنا لا أستطيع الحوار مع الإرهاب أبداً.. أنا موظف أممي وقد حدد مجلس الأمن داعش والنصرة منظمتين إرهابيتين ولا يمكن على الإطلاق التفاوض مع إرهابيين والحسم فقط للقوة الحربية.
إنها مسألة نص ولا اجتهاد في مورد النص!!
ولا شك أن رواية الحوار كما جرى ستدفع أصدقائي الذين ينتقدون مشاركاتي السياسية ويقولون عليك ان تعود للجامع فأنت رجل لا علم لك بالحرب، والسياسة مكر ودهاء، لها شياطينها ودهاقنتها وفلاسفتها.
لا أكتب في السياسة ولكن أكتب في الإنسان، ولا أرسم سيناريو التآمر الدولي والخرائط السرية ووثائق ويليليكس ووقائع الجيوبوليتيك للمنطقة، بقدر ما أبحث عن خلاص لأسرتي وأهلي التائهين في جحيم الحرب، والذين يعانون نار التطرف التكفيري والتوحش السيادي والعماه الدولي.
لا يختلف رأيي في رفض التطرف بشكل قاطع عن رأي سائر الإسلاميين حين يسالون عن داعش، وليس في جوابي شيء جديد إنه خطاب الأزهر والزيتونة والقرويين وكليات الشريعة والمفتين ورابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي وسائر الهيئات الإسلامية، وأن الدين بريء من خطاب التطرف وأن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلى آخر الأدلة المترافدة على بؤس التطرف ووسطية الإسلام.
ولكنني في الوقت إياه قلت: إن الحرب ليست حلاً وعلينا أن نفهم الدوافع التي دفعت هؤلاء إلى اختيار العنف، فالإيديولوجيا وحدها لا تصنع التطرف، وهذه الفتاوى التي يتكئون عليها عمرها مئات السنين ولكنها لم تنتج هذا اللون من التطرف والدموية، إن ثقاقة الكراهية تنتج عادة الاكتئاب والعزلة والانفصال عن المجتمع، أما الثأر والدموية والعنف فهي نتاج الظلم والقهر، وهنا فقط يمكن لثقافة الكراهية أن تنفجر عنفاً ودموية.
قلت له قناعتي أن داعش بعقلها الإيدولوجي العابر للبلدان لا تزيد عن عشرة في المائة من عدد المقاتلين في صفوفها، في حين ان أكثر من تسعين بالمائة من المقاتلين هم في الواقع سوريون وعراقيون، وكثير منهم ليس متديناً وفي العراق، هناك أغلبية من البعثيين القدامى في صفوف داعش، وأي أرقام خلاف ذلك هي أوهام وتبرير لفشلنا في منع قيام تطرف كهذا.
أسباب التطرف قائمة ومستمرة وتتفاقم، ولا تتوقف أبداً عند النصوص المتطرفة إنها مسألة ترتبط بالظلم وتطنيش المجتمع الدولي عن عناء السوريين والعراقيين، وخططهم الفاشلة في التغيير في البلدين المنكوبين.
حين يشاهد السوري بيته يقصف فوق أولاده الأربعة وأمهم ويستخرجهم من الركام، فإنه لن يبحث عن المبادرات السورية للسلام بل سيتوجه على الفور إلى أشد الفرق تطرفاً ووحشية ليجني نصيبه من الثار والانتقام والتشفي، وسيجد من فتاوى الدين ما يرضي نزعته الضارية، وهو مرتاح الضمير.
قال لي: هناك تحالف دولي سيتشكل في الأسابيع القادمة والحسم العسكري قادم خلال شهور وسينتهي كل شيء…
قلت له.. نختلف تماما يا عزيزي… إنكم ذاهبون إلى حرب ضارية لن تنتهي بأسابيع أو شهور.. وتخيير المحاربين بين غوانتانامو أو الموت لن يجلب السلام، بل سيجلب الإصرار على القتال إلى النهاية، ولن يكون الاستسلام إلا على ركام المدن المنكوبة.
لا أجهل أن تحالفاً دولياً بهذا الحجم تشارك فيه أمريكا وروسيا وفرنسا وبريطانيا قادر في النهاية على أن ينتصر في حرب الموصل والرقة، ولكن هل هو أمر منطقي أن تتجمع جيوش العالم كله لحرب ضد تنظيم!! وما هو الثمن الذي ندفعه من أجل ذلك، وما عدد الأبرياء الذين يقضون موتاً وشراداً على مسرح الموت هذا؟؟
قناعتي أن مجلس الأمن لم يكن حكيماً حين اختار قراره بإعدام هذه المجموعات حقوقيا وقانونيا وسياسيا قبل أن يبدأ بالقضاء عليها مادياً.
لا أتقن لغة الأرقام ولكن أي تقدير لحجم النكبة مع داعش والنصرة لن يقل عن مائة ألف ضحية ومليون شريد وهذا وفق أقل الأرقام تشاؤماً، وقناعتي أننا لسنا قريبين أبداً من نهاية الحرب، فالخلايا الداعشية النائمة هي التي سترسم المشهد القادم لعشر سنين تالية بصيغة بالغة القسوة والتوحش، وقد قدمت نفسها بوضوح في العراق وأفغانستان من خلال آلاف التفجيرات في المجامع والأسواق والمزارات وهي صورة يومية مستمرة بكل تأكيد، وهي ترتكز على إيديولوجيا صارمة خلاصتها أن العالم يتآمر على الإسلام والخلافة، وهي قناعة باتت من المسلمات لكل من يحمل سلاحاً ويعيش دائرة الريبة وسوء الظن بالدول الكبرى، وهي نتيجة ثقافة تشارك في بنائها الخطاب الديني والسياسي على طول قرن كامل دون توقف، وقدمت لها الأحداث الحالية الف دليل ودليل، ولا تبدو في الأفق لها أي نهاية.
لا أكتب في السياسة ولكن أكتب في الإنسان، وقناعتي أن إغلاق الباب تماما مع المتطرفين عن أي حوار وتخييرهم بين الموت وبين غوانتانامو لن يؤدي إلى أي حل وسيزيد النار اشتعالا وتوحشاً، وهذه هي النتائج التي نشاهدها اليوم بكل كارثيتها ودمويتها وبؤسها.
ماذا لو كانت للأسرة الدولية خطوط دبلوماسية مفتوحة مع المتطرفين؟ فالدبلوماسية ليست بين أهل العدل والعقل، والتخضر والتمدن، بل إن رسالة الدبلوماسية أن تنجح في الحوار مع التوحش والتطرف والهمجية وتقليل أضرارها، وأتصور الآن لو كان بين الأمم المتحدة وبين أمراء الحرب في الموصل والرقة وفود ذاهبة ووفود آيبة، رجال من الأزهر واتحاد علماء المسلمين وفقهاء الدين ورجال الدعوة والحكمة في العالم، وعلى الرغم من كل ما نشاهده من توحش ورعب فهؤلاء المحاربون لديهم مئات المراجع الدينية التي يثقون بها وهم موزعون في البلدان وكان من الأجدى أن تتعاون الأمم المتحدة على تنظيم وفود واعية من هنا وهناك للحوار مع القوم.
ماذا لو كان الوسطاء يدخلون ويخرجون، ويحملون الرسائل والمطالب، ويقابلون أمراء الحرب ويقترحون الحلول والبدائل، وينجزون حلولاً إنسانية تقلل الكوارث.
لقد جربنا الحرب فكانت النتائج بهذا الهول والأسوأ قادم، فهل سنصغي لصوت العقل ونلتفت إلى أسلوب آخر في التعامل مع النصرة التي تنتشر في كل مكان في الوطن المنكوب، وهم يمسكون بالشعب رهينة لتحقيق مشروعهم أو لحماية أنفسهم، ويتصرفون وفق شعار شمشون: علي وعلى أعدائي، وينتحب العقل مغموماً حيث لا يصغي إليه أحد.
ألا يستطيع العالم أن يتحدث إلى الجولاني؟؟؟ وهل يداه الملطختان بالدم إلا نسخة واحدة من اليد السورية المشاركة في الحرب نظاماً ومعارضة ويساريين وخلفاء وأمراء حرب؟؟ ألم يكن الجولاني تلميذ مشايخ دمشق، أليس له أصدقاء ورفاق؟؟ إلى متى سنصدق أن الانتحاري مرتزق يقبض من رعاة الإرهاب؟؟
والحوار المطلوب ليس نقاشاً في الفقه والأصول وظاهر النص ومؤوله، بل هو حوار عقلاني يتصل بالظروف التي دفعت هؤلاء لاختيار العنف، وتقديم اقتراحات حلول عقلانية وواقعية تبنى على احترام الجميع.
هناك عشرات من الأسماء المعروفة تعتبرها النصرة محل ثقة واحترام ويمكنها أن تخفف من الأضرار والنكبة والضياع، وحين يحمل هؤلاء قوائم بالمعتقلين والمعتقلات وإرادة دولية بإطلاقهم وجسماً انتقالياً جاهزاً للحكم لا يعود بهم إلى سجون النظام وبطش مخابراته فإن الأمور ستتغير بكل تأكيد.
لدي أسماء محددة قادرة بالفعل على حوار كهذا، في سياق الحوار مع النصرة على الأقل، ولا أحب أن أحرق أسماءهم بمقال كهذا، ولكنني قدمتها للسيد ديمستورا، ولكنني أقول باسف إن خطاب القوة هو الذي تغلب في النهاية واشترك الجميع في التوحش، واليوم يريدون أن نرقص في الرقة والموصل على أشلاء أوطان منكوبة تتراكم تحت مسرحها عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء الذين دفعوا حياتهم ليست فقط نتيجة توحش الإرهاب بل أيضاً نتيجة الإصرار الدولي على تنفيذ نص مجلس الأمن، وأنه لا اجتهاد في مورد النص!!!
قد تنجلي معارك الرقة والموصل خلال الشهور القادمة، وبالطبع فلن تكون نهاية الحرب، بل إنه استئنافها على منطق الذئاب المنفردة، وإذا كانت الموصل على وشك السقوط بيد الجيش العراقي، فالرقة تتنازعها أربع إرادات متناقضة بالمطلق وكلها يحكم على كلها بالإعدام والإلغاء النظام والكرد والجيش الحر والإرهاب إضافة إلى التحالف الدولي التائه، أما مناطق النصرة المتغلغلة في كل الأرض السورية فهي أشد هولاً وتعقيداً، وهذه الحرب المأساوية مرشحة لمتوالية هندسية متوحشة لا يعلم أحد متى تنتهي فصولاً ومأساة.
Tags: سلايد