شهادة (باسل قس نصرالله) عن المطران (كبوجي) في الملف الذي نشره موقع (التجدد)

 باسل قس نصرالله: كلنا شركاء

بداية ، أود أن أذكر أنه تربطني بالمطران الراحل هيلاريون كابوتشي علاقات عائلية تعود الى الطفولة ، وما زالت في ارشيفي الشخصي والعائلي ، صورة لي تعود للعام 1959 التقطت في منزلنا بدمشق ، ويظهر فيها مثلث الرحمات كابوتشي وهو يسوق عربية ( صغيرة ) ، حيث كنت مستلقيا فيها.

منذ حوالي 10 سنوات ، هبطت الطائرة القادمة من روما في مطار حلب الدولي ، لمدة ساعة أو أقل ، حيث ستغادر الى دمشق ، وكان على متن الطائرة مثلث الرحمات ( هيلاريون كابوتشي ) .

صعدت الى الطائرة لارافق المطران (الراحل ) كابوتشي بالنزول الى قاعة الاستقبال ، حيث ينتظره ابناء أخيه وأقاربه ، وقد وجدته متعبا جدا ، قلت له سيدنا : تفضل بالنزول ، فقال لي : ” اني متعب جدا ، ولا أستطيع الوقوف … ولا أعرف ماذا حل بي” .

عندها ، قلت له : وكان حينها ، جميع المسافرين قد نزلوا من الطائرة ، سيدنا هل تريد أن أجلب الى الطائرة كرسي متحرك ، … فما كان منه ، الا ان التفت نحوي ، ونظر الي بنظرة غضب ، قائلا : ” يا باسل ، اسرائيل لم تسطع ان تثبط عزيمة المطران كابوتشي ، وأنت تريدوني ان أنزل على كرسي متحرك ….؟!!! …. ثم تابع هيا بنا … ” ،

وقام ، ثم نزلنا سوية الى قاعة الضيافة في مطار حلب ، حيث كان في استقبال المطران ، المفتي العام أحمد بدر الدين حسون .

بعد أن التقى المطران كابوتشي أقاربه ومستقبليه ، غادر المطران برفقة المفتي العام الى دمشق ، حيث كان من المقرر أن يلتقي الرئيس بشار الاسد .

في بداية الازمة السورية ، اتصل بي المطران كابوتشي ، وكانت والدتي قد توفيت حديثا ، وبعد أن قدم لي العزاء ، شعرت بشيء من الحزن في صوته ، فبادرته بالسؤال على الهاتف : لماذا هذه النبرة الحزينة في صوتك ، فاجابني : أخاف أن يطول ما يحدث في سورية … فالسيد المسيح نظر الى السماء مناجيا ربه ( اغفر لهم يا أبتي لانهم لا يعلمون ماذا يفعهلون ) ولكن هؤلاء – يقصد المتآمرين على سورية – فانهم يعلمون ماذا يفعلون بسورية ، فانهم يريدون الخراب …

ان ارصفة وجدران حلب تعرفه منذ طفولته ، وقبل ان يذهب الى الدير ، فقد خطا خطواته الاولى في هذه المدينة ، وكما انه ابن حلب ، فهو ايضا ابن فلسطين ، فقد كان يخيف اسرائيل ، عندما ينتقل من بلد الى اخر ، ليشرح قضية فلسطين … وقد حمل قضية فلسطين لا لشيء ، إلا لأنه حلبي …

كل  شيء  في مدينة حلب ، كان يعشقه ، حتى ان اقاربه كانوا يرسلون اليه صابونة الغار الحلبية ، التي كان يغتسل بها  .. وكنت انا – أحيانا وبكل تواضع – ارسل له الزعتر والليف ، والخبز الحلبي …

اذكر ، أنه كان ثمة لقاء افطاري في كنيسة الارمن الارثوذكس في حلب ، وكان المفتي العام  (الدكتور أحمد حسون) مفتيا لمدينة حلب ، وقد جلس الى قبالة المطران على مائدة الاقطار، ولما صعد المفتي حسون لالقاء كلمته ، قال مذكرا : ” ان منبر الجامع الاقصى صنع في حلب  … حيث تم تصنيعه في مدينة حلب ثم حمل الى الجامع الاقصى …. ” ثم  توجه المفتي حسون الى المطران كابوتشي ، بالقول : ” سيأتي يوم نحملك فيه منبرا اخر للجامع الاقصى … ”  ، فقد احب فلسطين ، لانها مرتبطة بحلب .

 في عام 2007 ، جاء خصيصا لكي يدلي بصوته الانتخابي في مدينة حلب ، وزار يومها  الرئيس بشار الاسد ، واذكر هنا ، أنه في تلك الزيارة ، حصلت حادثة فيها شيء من الطرافة ، فهناك عطر له رائحة طيبة جدا ، اسمه ( كابوتشي) ، وفي تلك الزيارة ، حمل المطران (الراحل) ، زجاجة صغيرة من عطر كابوتشي للرئيس الاسد.

فقلت له : سيدنا ، سيادة الرئيس  في الاصل ، لن ينسى المطران كابوتشي ، وحتما لم ينساه ، ولكن باهدائك للرئيس الاسد ، عطر كابوتشي ، فان الرئيس لن ينساك ابدا ، … فضحك المطران كابوتشي كثيرا ، ثم قال لي : ” ان الرئيس الاسد يحب هذا العطر” .

ان دفن المطران كابوتشي في بيروت ، يعود لسببين ، اولا :  قبل ان يكون مطرانا ، هو راهب  في دير الرهبان الباسيليين الحلبيين ، وهذا الدير مركزه في (صربا) بمدينة جونيا اللبنانية ، ومن العرف ان يدفن رجل الدين ،  في مطرانيته او في ديره – اذا عاد –

وبما ان المطران كابوتشي ، من الرهبان الباسيليين الحلبيين ، وأصبح أيضا رئيسا عاما للرهبنة الباسيلية الحلبية ، فهو طلب وتمنى وابدى الرغبة ، بان يدفن في هذا الدير ، والجميع يعرف انه  تعب كثيرا ، وكذلك جدته (امه لابيه) في هذا الدير .

ولا يعني دفن المطران كابوتشي في بيروت ، أن حلب لا تهتم به ، فالمطران كابوتشي ، كان يرفض ان يعود الى حلب ، ميتا ، وهو باق بالذاكرة الحلبية ، ولم يمت ، فما تزال رائحته وعصاه ، تمران في ازقة وشوارع حلب وحتى عندما نمر نحن ، بالقرب من منزله او منزل اخيه في مدينة حلب ، نشعر انه ما زال هنا

لا توجد وصية للمطران كابوتشي ، سوى وصية واحدة ، هي حب الوطن ، وقد  ضرب مثالا عظيما على  ذلك ، بانه  لم يتكلم عن حلب فحسب ، بل عن وطنه سورية ، وكذلك عن وطنه الاكبرالوطن العربي ، وعن قضيته المركزية فلسطين .

وبنفس التوقيت ، الذي جرت فيه مراسم الجنازة في بيروت ، جرت كذلك مراسم الجنازة  في القدس الشريف ، التي مرّ بها المطران كابوتشي ، حيث سجن في احد السجون الانفرادية هناك ، ولم يقبل المطران  كابوتشي ، مطلقا ، الحديث عن السلام الهش ، وقال مرة في مجمع أحمد كفتارو : ” انكم تتكلمون عن السلام العادل ، وهو ليس كذلك ،  بل انه السلام الممكن ..”

وفي مشهد أخير عن المطران ، أنقل ماحدث معه ، عندما أجرت احدى الصحف المصرية لقاء مع احد المخرجين المصريين ، فقد لفت المخرج المصري في حديثه لتلك الصحيفة : ” اننا سننتج فيلما وثائقيا عن المطران هيلاريون كابوتشي لنقول للغربيين ولنفهم الاوروبيين ، انظروا ماذا يقول هذا المطران وهو منكم عنكم ، وعن القضية الفسلطينية ، وهذه هي مواقفه تجاهكم وتجاه القضية فلسطين “…

فما كان من جريدة الثورة السورية ، الا أن نقلت ومن دون تدقيق او تمحيص ، حديث المخرج المصري للصحيفة المصرية ، لتقع في خطأ فادح ، حيث اتصل بي المطران كابوتشي باكرا ، ليوقظني من النوم ، وهو يصرخ ” هل أنا غربي يا باسل … ؟!!! ، هل المطران كابوتشي أوروبي يا باسل ؟!!!… أنا حلبي ، المطران كابوتشي من حلب ، … أنا من سورية “.

لقراءة الملف بالكامل:  هنا





Tags: محرر