إبراهيم الجبين لـ(كلنا شركاء): سٓجنتُ حافظ الأسد في (عين الشرق) داخل زنزانة منفردة

مضر الزعبي: كلنا شركاء

ليس من السهل الكتابة بشكل متجدد عن مدينة كانت وماتزال تحت أنظار البشرية مرئية مرصودة طوال الوقت، مجهولة التفاصيل كثيرة الأسرار. دمشق عين الشرق ولغز العالم، تبوح هذه المرة بأسرارها لعاشق من عشاقها، ليكون النتاج أيقونة دمشقية جديدة، وشهادة جارحة على عصر مظلم.

مرض التذكر (هايبر ثيميسيا) لدى الإعلامي والأديب السوري “إبراهيم الجبين”، أنتج رواية (عين الشرق) التي صدرت مؤخراً عن المؤسسة للدراسات والنشر في بيروت وعمان، الرواية هي الرواية الثانية لـ “الجبين” عقب رواية (يوميات يهودي في دمشق).

ومنذ اليوم الأول لصدور رواية “الجبين” الجديدة، والرواية أخذت بالتحول إلى حالة جدلية في أوساط المثقفين والقراء السوريين والعرب، فكتب عنها العديد من المفكرين والنقاد،  كان منهم الفيلسوف الفلسطيني السوري “أحمد البرقاوي” على سبيل المثال، حيث قال: “رواية إبراهيم الجبين (عين الشرق) تؤرخ الجزئي المعبر عن الكلي، تهدم سردية الرواية المألوفة، وشتان بين من يقرأها وهو يعرف دمشق في فصلها وأصلها وبين من يعرفها من بعيد، رواية تؤرخ للحقيقي القابع وراء الظاهر، تحتاج إلى أكثر من قراءة وإعادة قراءة حتى تحتفظ الذاكرة بأحداثها”.

“كلنا شركاء” حاولت كشف أسرار رواية (عين الشرق) والغوص في تفاصيلها، من خلال الحوار الآتي مع الإعلامي والأديب السوري “إبراهيم الجبين”:

ما السر الذي يقف وراء الحالة الجدلية التي أحدثتها روايات إبراهيم الجبين؟ فعقب الجدل الكبير التي ترافق مع رواية السابقة “يوميات يهودي من دمشق” التي صدر قبل عشر سنوات، هاهي راوية “عين الشرق” تثير جدلاً أكبر في الأوساط المثقفة. كيف تفسر هذا؟

حقيقة لا أعرف. ولكنني بالطبع سعيد بهذا، فالعمل الذي لا يثير الأسئلة، لا يحترم عقول القراء والمتلقين، لأنه يكون عادة عملاً دائرياً مغلقاً يجيب بنفسه على كل ما يطرحه من أسئلة داخل النص الروائي. وبالتالي يصبح دور القارئ مجرد آلة مسح بصري للسطور، وهذا ما لا أفعله شخصياً في كتابتي، فالقارئ بالنسبة لي شريك كامل حقا، بما تعنيه الكلمة نقدياً وعلميا، يكتب النص بما لديه من خيال، ويخرج بنتائج في آخر صفحة قد تختلف عما خرجت به أنا الراوي، أو ما خرج به غيره من القراء.

سيقول لك أحدٌ ما، إن سبب هذا الجدل هو المواضيع الإشكالية المطروحة في الرواية، وأنها لا تعتمد على حكاية عادية بسيطة، وهذا صحيح. فالواقع المحيط بنا معقد وإشكالي جداً، وحين تصنع قصتك بسيطة عادية، فأنت تخون ذلك الواقع، وتتواطأ معه على القارئ. أراقب أين وصل وعي القراء، من خلال تفاعلهم، وأحاول ألا أكون متأخراً عنهم، وأقدم لهم تقنيات جديدة.

من أين أتى إبراهيم الجبين بأسرار دمشق خلال الحقبة الماضية؟ وهل من السهل أن يحصل صحفي وأديب على هذا الكم من المعلومات والوثائق، فكيف كشفت لك دمشق أسرارها؟

ليس سهلاً بالطبع، لماذا يكون سهلاً أصلاً؟ أنا مقتنع أن العمل في الكتابة بتخصصاتها المختلفة، هو عمل جاد، وليس عملاً سهلاً، عمل يتطلب منك أولاً أن تعيش حياة تسمح لك بالكتابة عنها ذات يوم. لا أن تعيش حياة لا تستحق أن تروى. بالطبع سيكون هناك أثمان باهظة، وخسائر في الزمن واشتداد التجربة، لكن في النهاية أنت تخرج بكل هذا، ليس لتعرضه على الناس كسيرة حياة، ولكن كشاهد يومي على تفاصيل صغيرة صغيرة، تشكل المشهد كله.

من أين أحصل على المعلومات؟ من حرية التفكير والحركة. لم أدع أي شيء يقيدني وكنت مبكراً أتصرف على النقيض مما يقال لي، ومنحنتي شخصية الصحفي القدرة على القيام بهذا، دون أي حاجز. أنت كصحفي لك كامل الحرية في البحث والتقصي والعيش في التجربة للخروج منها بما يخدم موضوعك، ما دمت ستقدّم لقرائك في نهاية المطاف وثيقتك التي تتحمل أنت مسؤولياتها ولديك القدرة على الدفاع عنها أخلاقياً ومهنياً. دمشق مدينة الأسرار، لذلك لم أعش فيها سائحاً بل عشت في كل شبر مربع فيها إلى آخره. لا تنتهي ينابيعها، وما يقع في الفضاء المحيط بها، يبدأ منها وليس من خارجها. من يدرك هذا لن يفوت الفرصة لتتبع كل ما يمكن من خطوط وإشارات.

جميع السوريين يعلمون أن إسرائيل كانت تعرف كل كبيرة وصغيرة في سوريا، وتمكنت من قتل عشرات الشخصيات داخل المربع الأمني للنظام في دمشق. فكيف فر منها الضابط النازي أو الدكتور “جورج فيشر”؟

لم يعد برونر مجرد ضابط نازي. صار شاهداً على جريمة تحويل سوريا كلها إلى معقل نازي عملاق، وبات تسليمه من قبل حافظ الأسد وبشار الأسد إلى أي جهة تطالب به، كمن يسلم أوراق إدانته بنفسه، وهذا ما لم يكونا يريدانه. بالطبع كان يمكن التخلص منه، لاحقاً، سواء من قبل النظام أو حتى إسرائيل، خاصة بعد أن أجرت معه مجلة “دي بونته” حوارها. الحوار الذي قال فيه إنه نادم جداً “لأنه لم يقتل المزيد من اليهود”. ولكن ما يدريك أنهم هؤلاء جميعاً أرادوا إبقاءه هكذا، ورقة للضغط والمساومة كما في حالات أخرى مشابهة حصلت في سوريا.

قصة ألويس برونر لا تحكى في “عين الشرق” للمرة الأولى. لكنها هذه المرة، تفصيلية، عن حياه وبيته وهيئته، إلى جانب كونها وضعت في سياقها التاريخي، فهو وصل إلى دمشق بعد انهيار الوحدة مع مصر. وانهيار الوحدة لا يعني بالنسبة لي فقط انهيار مشروع سياسي، بل عملياً كان يعني انهيار النظام الأمني الذي أسسه عبد الناصر والسراج في سوريا، وانفراط عقد أجهزة المخابرات (الشعبة الثانية) وغيرها، وهذا ما شكل وقتها “فراغاً أمنياً” سارع برونر إلى الاحتماء به، وسارع معه أيضاً الياهو كوهين إلى الوصول إليهم لينفذ مهمتيه الأساسيتين، الأولى القبض على ألويس برونر لمحاكمته أسوة برئيسه في جهاز الإس إس أدولف أيخمان، الذي جلبته إسرائيل وحاكمه وأعدمته، والمهمة الثانية إقامة علاقات مع ضباط في الجيش يخططون للوصول إلى الحكم، وتمويل حزب البعث الذي كان منحلاً حينها وفقيراً ومبعثرا.

فشل كوهين في المهمة الأولى، لكنه نجح في الثانية، غير أن برونر ذاته تمكن أيضاً من إقامة صلات وثيقة مع هؤلاء الضباط، وكان أقربهم إليه حافظ الأسد الذي بدأ منذ العام 1965 ببناء المنظومة الخاصة به، في سلاح الجو، ثم في وزارة الدفاع والحزب والأجهزة الأمنية التي كانت قد بدأت تنشأ.

دائماً يوجد بطل يهودي في روايات إبراهيم الجبين، فما هو السر، وهل هم لهذه الدرجة متغلغلون في ثقافة الشرق؟

طبعا. لكن لا أقول متغلغلين كما تقول أنت، بل إن الشرق الطبيعي هكذا، دوماً يوجد يهودي حيث يوجد مسلم ومسيحي، حيث توجد بقية الطوائف والأعراق. وحين تم كسر هذا في العشرينات من القرن العشرين على يد الأوربيين، الحالة التي أنشأها الغرب الاستعماري ليحكم السيطرة على الشرق، حالة مرّت على الجميع، تأسس عليها صراع كبير، ارتكبت فيه مجازر بحق الفلسطينيين وتم تشريدهم من أراضيهم، وإزكاء النزاع الطائفي بين المسلمين والمسيحيين واليهود، كما يحدث الآن ما بين الشيعة والسنة، وقد تبنى الجميع تلك المشاعر العدائية من الأطراف كلها، دون التنبه إلى أن هذا سيفتح الباب على مصراعيه من أجل شرعنة الطائفية وممارستها، وشرعنة الاستبداد باسم المقاومة، وشرعنة القتل باسم الجهاد، وشرعنة الإبادة والعنصرية باسم أرض الميعاد، وعلينا اليوم تصحيح هذا، والتحرر كلياً من كل العقد التي زرعها فيها المستبدون كي يواصلوا حكمنا.

كل صراع على وجه الأرض وفي أي مرحلة من التاريخ له بداية ونهاية، غير أن الصراع في المشرق يراد له أن يستمر إلى ما لا نهاية، بل ويتخذ أشكالا جديدة. وطبعاً هناك الكثيرون من المستفيدين من استمرار هذا الصراع، من الحكومات في المنقطة إلى التيارات المتعصبة من كافة الأطراف إلى التيارات الثقافية التي اعتاش على رمزية القضية وفلسطين حتى خسرنا بقية سوريا، دون أن ينفذ هؤلاء وعدهم بإلقاء اليهود في البحر، وهو وعد دموي فاشي على كل حال لا يختلف عن وعد عصابات الهاغاناه بقتل كل طفل وكل امرأة من الشعب الفلسطيني.

الشرق كما أعرفه، شرق الجميع. قبته المعرفية والثقافية عربية، وأعمدته تلك الهويات الهائلة والغنية التي عاشت فيها وستعيش إلى الأبد، ولذلك تكون البيئة الطبيعية في أعمالي متعددة الأديان والهويات، لتعكس تعدد تلك الذهنية التي عاشت آلاف السنين.

لماذا أخفيت أسماء شخصيات في عين الشرق، ولماذا أظهرت أسماء أخرى ولاسيما أدونيس؟

لعبة الإفصاح والإخفاء. جزء من التقنيات المتبعة في الكتابة في “عين الشرق” ليكون القارئ كما أسلفت شريكاً في اكتشاف وتسمية من يشاء أو من يشعر أنه قريب وملائم للمشهد الذي يرتسم أمامه في كل خط من خطوط الرواية. أما بخصوص أدونيس، فلم يكن وحده الذي كشفت عن اسمه، بل هناك آخرون، مثل مظفر النواب، مصطفى الحلاج، برهان بخاري، هائل اليوسفي، وآخرون، ولكل واحد من هؤلاء حكايته المثيرة، التي تصب في نهر الرواية الكبير.

هناك شخصية لا يقترب الصحفيون منها كثيراً، لأنها شخصية منفرة أصلاً، وربما يخشون من الاستماع لهذيانها طيلة صفحات الرواية، إنها شخصية حافظ الأسد الذي تفترض نظرية الراوي في “عين الشرق” أنه لم يمت في العام 2000. وإنما تم ادعاء موته من قبل النظام الأمني الشيطاني وتحالف المافيات وأسرة الأسد ذاتها. دخل حافظ الأسد في غيبوبة منذ ذلك الوقت، استيقظ منها مرة وحاول الانتحار، بسبب ما يدور في رأسه من حوارات وذكريات وهلاوس لكنه عاد إلى غيبوبته، وتم وضعه في غرفة عناية مشددة حتى هذه اللحظة. يقول ما حصل معه، حديث حار مع النفس يعكس كيف تفكر تلك الشخصية، ويبرز وثائق أيضاً، لدقيقي الملاحظة من القراء.

أنت قلت لا يمكنك أن تعيش في دمشق دون خيال، فهل استخدم الجبين خياله في كتابة الرواية؟

بالطبع. وعليك كقارئ أن تميّز بنفسك، أو أن تستسلم، لما تراه هنا خيالاً أو ترغب بالاقتناع طواعية أنه واقع. ما قيمة العمل الفني إن كان فقط نقلاً دقيقاً للواقع؟ قلت سابقاً إن النقل المباشر لما يحدث في سوريا اليوم، سواء بتصنيع حكايات عن الحرب والمآسي أو بتوثيقها في عمل أدبي، هو سباق خاسر سلفاً يتفوق فيه الصحفي صاحب التقرير التلفزيوني على الروائي، لأنه ينقل لك بالصوت والصورة كل ما يمكن أن يحدث التأثير المطلوب، فلماذا ستلجأ للغة الروائي حينها؟

هل يمكننا أن نعتبر روايتك “عين الشرق” تمثل الصندوق الأسود لدمشق، ولاسيما حقبة نظام الأسد، فهي تبدأ من إشراف العقيدة النازية على بناء منظومة سجون الأسد ولا تنتهي بصناعة داعش في أقبية هذه السجون؟

نعم، هي صندوق أسود من صناديق عديدة روت ما حدث ويحدث في بلادي سوريا. وما أريد قوله باستمرار من خلال هذه الرواية والتي سبقتها، أننا نواجه فكراً، وليس مجرد سلطة مافيوية. نواجه قناعات استعلائية ترى الناس مجرد رعاع يمكن إبادتهم بسهولة، وهذا الفكر يتلاقى مع النازية كما يتلاقى مع الداعشية، كما يتلاقى مع الطائفية، كما يتلاقى أيضاً مع بعض متعصبي العلمانية. ولذلك لا يمكننا التعامل معه بسذاجة والركون إلى وصفه بأوصاف مباشرة، مثل نظام طائفي أو نظام قومي فاشي، هو أعقد من هذا بكثير، ولذلك صمد، بعد أن ربط نفسه بركائز هامة في المجتمع، تعتمد على خلق دعائم له حتى من قبل معارضيه الذين تجد بعضهم أحياناً لا يتخيل سوريا بلا نظام الاستبداد، مع أنه حاربه طيلة عمره، لكنه ألفه واعتاد عليه. وهذا أيضاً نهج تفكير. نعم “صندوق أسود” مليئ بالشيفرات.

لماذا سلطت الضوء في روايتك على المهندس المعماري سنان في دمشق الذي بنى أعمدة في ساحة الأمويين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، أعمدة تمثل الخلفاء الأمويين يركعون؟

هذا مثال حي وحقيقي على حالة يعيشها نظام الأسد. ويتماهى معه فيها من يتعبده بتصوف وعشق مختلط الأسباب. هذا الشاب مهندس موهوب، لكنه باع نفسه لشيطان الطائفية، يقول إننا يجب أن نحقن دمشق بحقن معرفية، لكي نتمكن من إحداث التغيير المطلوب، ولا أعرف ما هو التغيير المطلوب. قام سنان بتنفيذ عدد من المشاريع برعاية بشار الأسد الذي جمع له ذات مرة مجلس الوزراء ليستمع إلى محاضراته ويتعلم منه، ونفذ ساحة العباسيين وساحة الأمويين، فيما أعرف وقد يكون هناك المزيد من المشاريع التي نفذها، في ساحة العباسيين، أنشأ سنان اسطرلاباً زمنياً، يرمز إلى التاريخ العربي والإسلامي، يزداد حمرةً كما قال لي كلما ازدادت دموية و”طائفية” الخلفاء. على حد قوله. ارجع إلى ما قاله للصحافة حينها “طريقة تمثيل الشخصيات على الجدار الثقافي، بمداميك بيتونية (كتل بيتونية) تحدد فترة حياة المبدع مكانه على الجدار، بمقابل هذه الفترة على محيط الساحة”.

في ساحة العباسيين طبق فكرة المداميك تلك، لكن بعد أن قدم خطوات إلى الأمام في مشروعه المعماري العدائي، لأن أحداً لم يردعه، بل تم تشجيعه، فقام ببناء اثني عشر مدماكاً، أيضاً، على طول السور، كلها تنحني، كما شرح لي بالحرف، باتجاه القصر الجمهوري. هذه الكتل تمثل الخلفاء الأمويين، كل هذا كان يحصل قبل زمن الثورة بكثير، وقبل الإسلاميين وقبل الشعارات وقبل الفصائل، حين تكشف عن هذا، يقول لك بعض الموتورين، إنك طائفي. ولا يرون التعددية التي تصبغ أعمالك، ولا يجرؤون على انتقاد مثل هذا الإجرام المعماري الطائفي في عاصمة الأمويين وجوهرة الشرق وعين الشرق دمشق.





Tags: سلايد