الشاعر محمد المطرود لـ (كلنا شركاء): الحياة ممكنةٌ طالما أنّ القصيدة ممكنة

مفيدة عنكير: كلنا شركاء

شقّ طريقه في أرض وعرة، طوع الفوضى في تعامله مع النصوص الشائكة، القصيدة عنده ”تتنفس”، إنها حياة كاملة، إنه ”شاعر الغربة'”، محمد المطرود.

ويقول المطرود لـ “كلنا شركاء”: “‘قتلت المعلمين والآباء الروحيين في الكتابة”!

في ألمانيا وجد المطرود نفسه محاصراً بالغربة، بالصمت المريب، بالسكون القاتل، ويوضح هذه الحالة ”كنت بحاجة لصوت أعلى من الأصوات التي خرجت بها من سوريا”، ويرفض المطرود في كتاباته وآرائه أن يخضع النص الشعري لـ “جعير” الساسة “حتى لا تقرب النقي والنظيف من الانتهازي واللانظيف”.

ويعترف أن الشعر وعموم الأدب لم يرق لمستوى الثورة، بأوجاعها وتجلياتها، رغم الأسماء التي ظهرت ولمعت ويقول “نحن بحاجة لنوع من الغربلة في هذا المجال، ومواز نقدي يعمل فيها مشرط الناقد”.

ويرى في “أدب المهجر” نوعاً من التحدي ومقاومة التهميش، الذي يلقاه المبدع أينما حل “ستزول هذه الظاهرة لو وصلنا لحالة تعاضد الحضارات لا صدامها”، ويقرن “المطرود” استمرار القصيدة باستمرار الحياة نفسها “لو لم تكن القصيدة ممكنة فالحياة غير ممكنة، على الأقل لمن آمن بها وبدورها الجمالي”.

ويحضر “المطرود” مع الشاعر “فايز العباس” لإصدار كتاب بعنوان “كتاب سوريون ضد البشاعة”، جمعا فيه أكثر من 20 نصاً لكتّاب مختلفين، وترجم الكتاب للغتين الإنكليزية والهولندية.

وإليكم نص الحوار:

من الواضح تحيزك لقصيدة النثر في النص المفتوح، هذا النمط الشعري برأيك هل يتناسب مع العبث الوجودي للإنسان السوري أم أنه طابع أساسي لتجربتك الشعرية؟

قصيدة النثر أو حتى الشكل الذي كتبت فيه مؤخرا، حيث تزاوج السرد والشعر، هو مران سنين، وهو استفادة من تجارب ومنجز أناس سبقوني، غير أني أثق بنفسي، بأني قلت نفسي أولاً، قد أبالغ إذا قلت أنس “قتلت” المعلمين والآباء الروحيين في الكتابة، لكن بالتأكيد نجحت في شق طريق في أرض وعرة، وكل ما يحيط بي من فوضى في التعامل مع هذا النص الشائك ماهو إلا عملية بحث وتعالق مع أسئلة وجودية تخلقها الكتابة، ويخلقها الحال السوري الراهن بكل هذه النار التي تحيط بنا.

كيف انعكست حياة الغربة في شعرك ومواضيعه؟

في البداية وجدت الغربة قاتلة ومضنية، ومضيعة لكل شيء، كنت بحاجة إلى صوت أعلى من الأصوات التي خرجت بها من البلد، وهذا شكل لي صدمة فمن الصخب وأصوات الانفجارات إلى سكون مريب. المكان الذي توفرَّ لي جعلني إنساناً كسولاً لفترة، مجتّرا للذكريات، ولم أحاول إيقاظ النائم الذي في داخلي، فيما بعد، يبدو أني صحوت وشعرت بصدمة الأخضر والسكون، فكتبت ما لا أعتبره ردة فعل وإنما أدب ومحاولات في قول جديد، وكان كتابي في نهاية 2014 وثيقة أدبية وليس وثيقة سياسية على مايجري في بلدي، أستطيع القول إنني ناددت بقراءاتي الجديدة ماكنت أعتبره معلماً، أي أنني لم أعد أرى نفسي في موقع المتعلّم بقدر ما صرت أرى نفسي في موقع المعلّم.

تُكرر دائماً أنك تبتعد عن السياسة، هل الشعر والسياسة عدوان برأيك؟

أنا ضد أن يكون الشاعر سياسياً، أي أن يخضع نصّه للسياسة، وينظر للكتابة من زاويتها، بحجة الدفاع عن قضايا هامة، هناك من يقول إن الشعر بحد ذاته قضية، إذا لماذا نصر أن نقرّب بين ماهو نقي ونظيف من اللانظيف والانتهازي، لكن هذا لايعني بأي حال من الأحوال بأني أغيب موقفي الأخلاقي من قضايا أهلي وبلدي، وكثير من النصوص كتبها مبدعون وهم يغيبون السياسة بوصفها أحيانا ردة فعل، بدت كما لو أنّها إدانات لفعل ما أو لإبادة شعب، وكانت أبلغ من الكثير من الصرخات أو “الجعير” الذي يفعله الساسة، أنا شاعر وأريد الحفاظ على المكان الذي أنا فيه قدر الإمكان، ولدي ما أقوله لغة بعيداً عن الشتائم والمستوى الحضيض الذي يصله بعضهم.

هل تجد أن الأدب الذي كتب ويكتب عن الثورة يرقى لها؟

لاشك أن الثورة قدمت أسماء كثيرة كانت مغفلة عن المعرفة الواسعة، نصوصها الوجدانية عن الثورة جعلتها تحت الضوء، ربما بعضها استدر العاطفة، وربما بعضها حقق مشروعية، كذلك على النقيض كان هناك منتوج ضعيف لاينافس لا وجدانياً ولافنيا، عموماً يوجد كم هائل من الكتابة لم يغربل بعد، أعتقد أننا بعد أن تضع الحرب أوزارها وينظر كل ذي أمر إلى عمله وعمل غيره، سيقرأ مايمكن أن يسميه أدبا، وسيلفظ ماكان نوعاً من “العربَشة” بالأذيال، ومهما يكن من أمر هذه الكتابة فهي بحاجة إلى مواز نقدي يُعمل فيها مشرط الناقد بأدوات تأخذ التحول السياسي والنفسي والثقافي والاجتماعي على محمل الجد، إن لم أقل أن هذه الأداة الدارسة عليها أن تكون من جنس الفعل، ولكن بعد أن أخذ الدارس مسافة أمان كافية للنظر في كل الذي كتب.

هل مازال الشعر بخير؟ أم أن “اللايكات” الفيسبوكية لا تقيس جمهورا؟ هل تظن أن حضورك الشعري في ألمانيا منحصر في كولونيا أم أنه تعدى ذلك؟

الفيسبوك وجميع وسائل التواصل، كسرت الشكل النمطي للصحافة، لكنها لم تقدم البديل الرصين عن الصحافة الورقية أو المرئية أو المسموعة، العلاقة هنا مباشرة وآنية، ولهذا لايمكن للشاعر الجيد أن يعتبر “ستاتوساً” كتبه بشكل مباشر على متصفحه بأنه ينفع ليكون جزءاً من كتاب أو قوامَ قصيدة، ربما خلق الفيس تفاعلاً وعلاقة طيبة بين المنتج والمتلقي، لكن لايمكن للايك أن يكون الفيصل في التقييم، ويمكن النظر في صفحات أحدهم أو إحداهن على سخفِ مايكتبون لنجد عدداً مهولاً من الإعجابات والتعليقات، ما يعني أن هناك ما خلف الأكمة، أو أن بعض المتابعين يميلون بفعل كسلهم إلى ما يرضي هذا الكسل دون الخوض في المعرفة واكتشاف مساحات بكر، الشعر الجيد بخير، هذا الخير يكمن في إحساس الشاعر بمسؤوليته، كذلك باكتسابه قراء أندادا له لا يرتضون العادي.

بالنسبة لحضوري الشعري في ألمانيا، بما أني قمت بأنشطة خارج كولونيا، فمن الطبيعي أن يكون اسمي تعدّى كولونيا، وهذا واضح من دعوات لورشات كتابة من مؤسسات ألمانية ثقافية عريقة، غالبيتها ستكون في العام 2017.

هل وجدت تفاعلاً بين النص العربي للشعراء اللاجئين أو شعراء المهجر كما لقِّبوا وذكرت آنفاً والوسط الثقافي الألماني وهل تقبّلهم فكريا؟

هذا السؤال صعب بعض الشيء، ليست هنا مراكز الحقيقة ترصد هذا التفاعل، لكن يمكن القول إن نصوصاً ترجمت للألمانية ولاقت استحسان القارئ الألماني واهتمامه، وهذا التفاعل ممكن رصده أيضاً في الفعاليات التي تنشط وإن بشكل غير ممنهج، كذلك من خلال ورشات الكتابة والترجمة، بعض النصوص صدرت ومع كتّاب ألمان، أي أننا الآن أمام نصوص عربية وألمانية، وهذا يعطي مجالاً للمنافسة، وأقول منافسة تجنباً للفظة مفاضلة. والحقيقة أن القارئ الألماني لديه عطش لمعرفة هذه المناطق الغائبة عنه، لاسيما أنَّ كتاباً قديمون هنا، احتكروا الساحة طيلة السنوات، لأنهم كانوا الوحيدين الذين يتحدثون باسم شيء اسمه أدب عربي أو شرقي.

هل يمكن أن نسمعك تلقي قصائداً باللغة الألمانية فيما بعد؟

لا أعتقد، اللغة صعبة علي، إلى الآن لا أرى نفسي أتحدث الألمانية، قد أتعلم لغة الإزتك والمايا، لكن مع اللغة الألمانية الأمر يحتاج إلى انعزال بطل رواية “العطر” لزوسكند، حتى يخرج إلى العالم وقد أتقنها.

شعراء المهجر ظاهرة تظهر وتختفي أم هي وجود دائم؟ ما الذي يجعلها تختفي برأيك؟

طالما نحن محكومون بهذه الآلية التي تدار بها شعوبنا، طالما نحن أفعال ناقصة في بورصة لغة العالم، سيكون هناك لجوء، وستكون الهجرات القسرية وغير القسرية والتي في المحصلة تأتي لضيق في الحياة ولعطالة فيها، هذه الظاهرة لا سقف زمني لها لنقول ستنتهي، قد لايكون من مبرر لاستمرارها سوى أنها ردة فعل على لا عدالة العالم ولاعدالة القائمين على أمورنا، وما الأدب الذي أنتج تحت مسمى “الأدب المهجري” إلا نوع من التحدي والمياومة على مقاومة التهميش الذي يلقاه المبدع الذي فرَّ من نار ليسقط في نار أخرى، تتمثل في القوانين واللغة وطريقة العيش وأسلوب الحياة.

ستزول هذه الظاهرة لو فعلاً وصلنا لشيء اسمه تعاضد الحضارات لاصدامها، ولو أنَّ العالم وصل لحقيقة مكافحة الأمراض المزمنة الثقافية بالتنمية وليس بالأسلحة الفتاكة، ولو أنّه استطاع أن ينظر لمناطقنا بوصفها موئل حضارات وشعوبها أحياء وليس النظر إلينا بوصفنا بؤر توتر!

نظمتم سابقاً أول مهرجان عربي للقصيدة في ألمانيا وثم قمتم بعدة أنشطة في كولونيا… ماذا عن نشاطكم القادم ولماذا كولونيا فقط؟

نظمنا مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا/كولن، كان حدثاً مهماً، استطعنا من خلاله تقديم مقول “القصيدة ممكنة فالحياة ممكنة” نجحنا إلى حد كبير، لنستمر وسيكون المهرجان في دورته القادمة في هولندا، بمشاركة أوسع وخيارات أهم، كذلك ندأب على إقامة نشاطات مستمرة مساهمة وإعدادا، ولدينا نشاط أنطلق من (ديوان شرقي) تحت اسم “شعراء من سوريا”، والديوان يعتبر مركزاً مهما، سبق واستضاف شخصيات ثقافية مهمة، منها الشاعر العربي الكبير مظفر النواب، أما عن كولن، فالنشاطات تحدث في أغلب المدن الألمانية، لكن ربّما في كولن بحكم أنها مدينة إعلامية فالنشاطات فيها تأخذ صدى أكبر.

يلاحظ المتابع أن هناك تكتلاً بين شعراء الجزيرة، ترى ألا يجعل هذا التكتل من التفاعل في الوسط الثقافي للقصيدة السورية في المهجر أقل توهجا؟

لا أعتقد ذلك، شعراء الجزيرة حتى في سوريا لهم خصوصيتهم لأسباب عديدة، لست بوارد ذكرها هنا، وكانوا دائما في العلاقة الندية (مركز/وأطراف)، والقصيدة الجزراوية، مشبعة ومحملة معرفيا، وهو ما لانجده كثيراً في المناطق الأخرى، قد يتبع هذا للتنوع، وهنا عندما نجد خطوط اتفاق بين شعراء الجزيرة فهذا لايعني تكتلاً بقدر مايعني توافقات طبيعية أوجدتها الحالة التي يعود لها هؤلاء الشعراء في النهاية مع تمايزات كل شاعر على حده.

لم تأت براً ولا بحراً بل جئت بمنحة أدبية، ترى هل جسدت معاناة السوريين في اللجوء شعراً وهل لنا بشيء مما كتبته؟

كنت محظوظاً جئت بمنحة، طرت من مطار اسطنبول وحططت في مطار كولن، لكني كتبت عن العبور واللجوء في كتابي (اسمه أحمد وظله النار) كذلك عشرات المقالات والنصوص التي تطرقت فيها لهذه المسألة التي صارت تشكل جزءاً كبيراً من تفكيرنا وزادنا اليومي في علاقتنا مع الحياة، وسيصدر لي كتاب قريباً هو إعداد مشترك مع صديقي الشاعر فايز العباس، جمعنا فيه أكثر من عشرين نصاً لكتاب اختلفت طرائق وأدوات كتابتهم تحت عنوان (كتّاب سوريون ضد البشاعة) وقد ترجم للهولندية والانكليزية، بالإضافة إلى كتاب مقالات عنونته بـ (أرباب أرضيون/ارتكابات في العطب واللجوء والثقافة)، هذا نص مقسم، صدر قبل فترة في إيطاليا ضمن كتاب ترجم للإيطالية وذهب ريع الكتاب لمؤسسة تعنى بتدريس اللاجئين السوريين، اسمه ”ناشيني على صَدرِ الحَرب”.

هل فعلاً رغم كل هذا لازالت القصيدة ممكنة؟

لو لم تكن ممكنة، فالحياة غير ممكنة، على الأقل بالنسبة لمن آمن بها ودورها الجمالي، هي متعبة، لكنها ممتعة، وصعبة، لكنها تسهل لنا.

(1)
هذا قلقي لوحدي:
قلقُ الشخصِ الذي ينتظرُ في محطتين
يوزّعُ روحَهُ البسيطةَ كالنباتِ هُنا وهناك
لاشأنَ لكمُ بالحوارِ الذي أجريه معَ العجلات
شعورُكم بالذنب أمرٌ شخصي يَخصُّكم وأنتمُ سوايَّ
أمّا أنا/ فَظلُّ جثتي وأحدُ المشيعين، وانعكاسُ روحُ الميتِ على روحي
اتركوا قطاراتكم تمشي فوقي – اتركوها أرجوكم- أنا السكةُ الوحيدةُ في هذا العالم
ومن دوني لاتستقيمُ الحربُ، ولاتصلُّ قطاراتُ السابعةِ متأخرةً!.
(2)
أُذَكِّرُ الحديقةَ بالشجَرَةِ القَتيلةِ
لَئَلاَّ تَغمَضَ أعينُ الأشجارِ الأمّهاتْ
أذَكّرُ الشَجرةَ بي وبأخوتي الطائشين
لئلاَّ تُسامحَ علىَ رصاصةٍ طائشةٍ..
أذَكِّرُ الرصاصةَ بحجرةِ النارِ الضيقةِ
لئلاَّ تَطْلَعَ روحُهُا الشِريرةُ إلىَ النُزُهات.
أذكّرُ شجرةً وحيدةً، شربَت دمَ الشهيدِ وتقمصتهُ
أذكّرُ لئلا تنامَ، فيتداعىَ قوامُ الشهيدِ ثانيةً.
(3)
مَرّةً جَربتُ أنْ أموتَ
فرأيتُ الحياةَ صفراءَ كأفعىَ
وتميلُ بكلِّها اتجاهَ الهاوية
مرةً أردتُ أنْ أكونَ سوايَّ
فرأيتُ احتدامَ الجهاتِ وضيقَ العالمِ
فآويتُ إليَّ أكلّم ُ ذاتي
حتىَّ ابيضّت – ْمن الهولِ – سوالفُ ذاتي !.
لو لمْ أكُن كائناً أنجبتهُ الحربُ الأخيرةُ
ربّما كنتُ بعضَ مشاغلِ الكونِ الصغيرةِ
المشاغل التي لاتعني أحداً.
(4)
الكائنُ (الأنثى)
الذي يجمعُ بين البرونزِ والماء
قالت :” أنتَ حزينٌ فلا تذهَب إلىَ النهر
لاترتقي جَبلاً ، ولا تَستمعْ إلىَ الربابة”
وفعلتُ الثلاثةَ، فعلتُ ما أسمتهُ المرأة “انتحاراً “.
_أنا نادمٌ ياسيدتي
لكنَّ الندمَ لايُعيدُ الموتى!
قالتْ: الحياةُ جميلةٌ
قلتُ: لو أنَّ الحربَ تنتهي.
(5)
قبلَ قليلٍ
تناولتُ غيمةً علىَ شكلِ هاتفٍ
واتصلتُ بصديقي الحَسَن حسن
قلتُ : ياحسن أنا صرتُ طَبيباً زرّاعاً
والبلدُ هنا مليئةٌ بالأطرافِ (الاصطناعية)
فتعالَ
لمْ أكُ أعلمُ : حسَن صارَ جزءاً منَ السماء
وإنَّ حَسن- منذُ زمنٍ- تعلّمَ الطيرانَ
ونَسيَّ الزحفَ كَمثلِنا.
(6)
كانتِ أمي بحَدَسِ الأمّ تَعلمُ: أني لنْ أكونَ طياراً ولا بحّاراً.
لأنّ طائرتي الورقيةَ تفشلُٰ في التحليق وزورقي الورقي يغرقُ في صحنِ الماء وفرسي تغوصُ في الوحلِ. لكنّها وبحدسِ الأمّ تعلمُ: أني سأطيرُ ولَو_ مجازاً_ علىَ الورق، فقتلَتْ شاعراً وسيماً، كان َ(حَسن)، وأعطَتني اسمه وبحةَ صوته وطريقته في الكتابة والتدخين والموت في الانتظار: ثمةَ قطارٌ أعمىَ يخطئُ المحطات، وثمةَ حربٌ يقولُ المحللون: ستنتهي، وتقولُ المرأة: احزم للأيامِ الطويلةِ ياحسن!.
(7)
وأذكرُ أني سرقتُ مرتين :
كنتُ صغيراً – مرةً – وهَشّاً أمامَ الجوع
وكانَ صديقي يوسف يملكُ حمامتين
سرقتُ الأنثى وأكلتها
وتركتُ الذكرَ يكابدُ حتىَ ماتَ
عندما كَبِرتُ – أخيراً- وكَثيراً
اعتذرتُ من جميعِ الَحمام.
ومرةً : فَكرتُ أنْ أهديها شيئاً
وأنا – عادةً – لا أملكُ شيئاً مُهمّاً
فسرقتُ وردةً من المقبرةِ المسيحيةِ
منذُ تلكَ السرقةِ الكبيرةِ
أعتذرُ منَ الموتى!

هامش: لعلَّ الذينَ يقرؤونَ يعلمونَ: أنّ الذي نَجا من الحَرب نصفُ رجلٍ وأمنيةٍ، وهوَ طيلةَ حياتهِ الجديدة، يُعزّلُ روحَهُ من الدخانِ والنارِ والأنقاضِ والجثثِ والذاكرةِ التي تَشدُه للخلف.
محمد المطرود شاعر وناقد سوري، يكتب في العديد من الصحف العربية، له خمسة كتب مطبوعة آخر ماصدر منها (اسمه أحمد وظله النار) من مواليد القامشلي 1970، تخرج من كلية التربية، نظم وشارك في العديد من المهرجانات الشعرية آخرها مهرجان ”القصيدة الأول” في ألمانيا في مدينة  كولن، وأسس منتدى ”حالة” الإبداعي، مقيم في ألمانيا بعد أن حصل على منحة أدبية من إحدى المؤسسات الثقافية الألمانية.





Tags: مميز