on
د. محمد حبش:المبادرة السورية للسلام
د. محمد حبش: كلنا شركاء
انطلقت في بيروت أعمال المبادرة السورية للسلام وهي تجمع غير سياسي تنادت له شخصيات سورية معروفة من الوسط الأكاديمي والبرلماني والدبلوماسي ورجال الأعمال، ويهدف إلى توحيد الطاقات السورية لوقف الحرب وبناء ثقافة السلام.
كان إعلان المبادرة عن أول مشاريعها العملية وهو تمكين اللاجئين من العودة الاختيارية لبلادهم مناسبة لانطلاق جدل صاخب بين المراقبين للشأن السوري، رافقته كالعادة سلسلة تخوينات واتهامات صاخبة رآها صارخون متقابلون من النظام والمعارضة بأنها مؤامرة كونية جديدة، واعتبر المتشددون من النظام أن الخطوة تهدف إلى الالتفاف على (النصر الإلهي) الذي حققه الحيش، ونريد إعادة الإرهابيين من الباب الخلفي، وأعلن أشرار غاضبون أن هذه المبادرة تنسف كل ما حققناه من طرد الإرهاب (بالبراميل المقدسة) وهذا بالضبط هو التعبير اللئيم الذي استخدموه، وهي أقسى شتيمة تلقيتها في حياتي!!!!!، فيما رآها المتشددون من المعارضة بأنها تهدف إلى تسليم المطلوبين للنظام، وأنها تتناغم مع مصالح النظام الذي يزعم استقرار الحال في سوريا.
وفي حمى الصراخ المتقابل ولغة التخوين والاتهام، لم أسمع في هذا الصخب كله صوت الإنسان، صوت السوري الشريد الهارب من قريته وضيعته والراقد منذ خمس سنين في بؤس الخيام وشرادها، وأطفاله الباكين الذين لم يعودوا يعرفون ما تعنيه المدرسة، وبات عالمهم هو الخيمة البائسة التي سكنوها منذ خمس سنين ولا زالوا.
السوري التائه الذي لا ناقة له ولا جمل، والذي فارق داره فراق مضطر مقهور على أمل أن تكون يوماً أو يومين ثم وجد نفسه في حكم صارخ من الدهر لا مكان فيه لقلب ولا رحمة ولا إنسانية.
هناك مدن وقرى منكوبة بالكامل في سوريا، ولا يستطيع أصحابها العودة إليها منذ خمس سنين، بعد أن خرجوا هاربين من الحرب، ولا أدري لمصلحة من يستمر هذا الشراد.
من حق السوري أن يعود بعيداً عن ضجيج أي مبادرة، وبعيداً عن أي مطلب سياسي أو إعلامي، وكل عائد إلى سوريا هو رصيد لهذا الوطن المنكوب، الذي يريد أعداؤه له أن يكون بيوتاً بلا سكان، وأرضاً بلا شعب، لينعموا عليها بشعب بلا أرض، تماماً كما هي الحكاية الملعونة التي يعرفها جيراننا في النكبة الأولى.
لست أجهل أن سوريا لا تزال محترقة باللهب، وأن الحرب في كل مكان، ومن المنطقي أن يبقى كثير خارج الوطن، حيث لا تتوفر لهم فرص العودة، ومن الطبيعي أن نتذكر أن المطلوبين للجيش لن يعودوا وهذا حقهم، وقد كتبت قبل أسابيع تحت عنوان: التجنيد الإجباري الإثم المقدس، أكبر قمع قانوني متوحش ضد الإنسان في الأرض.
ولكن آلافاً من البائسين من الشيوخ والنساء والأطفال يمكنهم أن يعودوا، وقراهم وأحياؤهم خارج الحرب منذ سنين ومصلحتهم ومصلحة سوريا أن يعود إليها أهلها الغائبون، حين تتوفر ضمانات مقنعة، وهو ما نسعى إليه.
وبعيداً عن صخب الاتهامات فمن حقنا أن نشير إلى المبادرة بأنها أول تجمع يضم السوريين موالاة ومعارضة بعيداً عن الاصطفاف السياسي، وأن ما يجمع بين المشاركين هو فقط موقفهم الرافض للحرب، وسعيهم المؤكد لإنهاء الحرب والقتال، ودعم كل جهود السلام، وإيمانهم بسوريا وطناً موحداً لكل السوريين.
وتتوفر للمبادرة مقومات النجاح حيث تتبنى خطاباً إيجابياً مع كل الأطياف المشاركة في الصراع، ولديها خطوط اتصال إيجابية مع كل الأطراف، ومه الهيئات والمنظمات الدولية، وهو ثمن لا بد ان نؤديه مهما كانت قناعاتنا إذا أردنا بالفعل أن نوفر جواً واقعياً لنهاية الحرب وبداية السلام.
وبالطبع فليس هذا المقال تقريراً صحفياً عن المبادرة حيث يمكن المتابعة الإعلامية في مكان آخر، ولكنها دعوة للتساؤل حول الحاجة لمراجعات عميقة وجذرية بعد هذه السنين العجاف من الحرب والقتال.
حتى لو كنا على غاية اليقين في توجهنا الذي انطلقنا منه، فإن من لازم العقل أن يقوم المرء بمراجعة حقيقية بعد ست سنوات من الزمن، ومن المنطقي أن تتغير الشعارات والهتافات، استجابة لحكم الواقع وشرط الزمن، وهذا حكم زمني محض، فكيف إذا كان مرتبطاً بنتيجة سوداء قاتمة دفع فيها السوريون مليون شهيد ومفقود ومعاق وشراد نصف الشعب السوري في مخيمات النزوح، ودمار بلدهم وانهيار حياتهم.
لم يعد مجدياً التساؤل التقليدي عن المسؤول عن بداية الحرب ولا أتردد للحظة في القول إنه النظام الذي اختار الحل الباطش وأغلق فرصة الحلول الأخرى، ولكن أياً كان تحليلنا فالمسألة تجاوزت ذلك، وبات المنخرطون في الحرب بكل تفاصيلها وآثامها وفجورها ينتمون لكل الأطراف ويمارسون الخطايا إياها من القصف والاعتقال والتعذيب والاقتتال البيني، وحين أكتب هذه السطور فإن نشرات الأخبار تؤكد سقوط 70 ضحية في قتال أسود بين هيئة تحرير الشام وجند الأقصى، وهي فصائل لا تنتمي للنظام ولا لداعش ولا للنصرة، ولكنهم شركاء الرصاص، ولم يكن الرصاص يوماً رباط شرف أو طهر أو نبالة، بل ظل على مدى تاريخه آلة غدر وقهر وفجور، أياً كانت الدريئة التي تتوجه إليها حلقات الرصاص.
مبادرة السلام السورية ليست تنظيماً حزبياً، وهي لا تملك مشروعاً سياسياً، بل يمكن القول إنها بلا إيديولوجيا، فهذه القضايا كلها مؤجلة إلى حين تصمت طبول الحرب، وحين يتوحد السوريون في إرادة السلام ويعلنون الكفر بالحرب وما جرته من خراب وويلات، عندها فقط يمكن أن نذهب إلى الحوار السياسي وتقاسم الغنائم، وتصميم صورة الدولة الجديدة.
لا صوت يعلو صوت المعركة إلا صوت السلام، أو هكذا يجب أن يكون، وحين تخرس طبول الحرب وينطلق صوت السلام فإن السوريين سيقدمون نموذجاً للدولة الحديثة يحقق ما سبق أن قدموه خلال تاريخ طويل من التفوق والسبق الحضاري.
تحاول المبادرة ان تجمع السوريين من كل الاطراف بعيدا عن شرط السياسة وصخب الحرب، وتطمح ان تنجح في نصب موائد للبرلمانيين والاكاديميين والدبلوماسيين والصناعيين والتجار من ابناء الوطن الواحد بعد ان بات الجميع على يقين أن الحرب جلبت الخراب والموت وان التفكير الإقصائي لن ينتج إلا مزيداً من القهر والحرب ولن يجلب اي بارقة استقرار أو سلام.
المبادرة السورية للسلام… قبل ان تصبح العودة حلماً…… الفلسطيني يحمل مفتاح بيته في جيبه منذ سبعين عاماً، والعالم يتفرج عليه!!
Tags: سلايد