(بوكر) العربية واستبعاد الرواية السورية وصناعة الصمت

كلنا شركاء: المدن

لاحظ أكثر من مراقب ومتابع، تغييب الرواية السورية عن القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية في دورتها العاشرة 2017، واقتصر التمثيل السوري على تيسير خلف برواية “مذبحة الفلاسفة”(المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، وخلف في الواقع ليس سوريا، فهو فلسطيني من المقيمين في سوريا، وتتحدث روايته عن تاريخ مدينة تدمر أيام الملكة زنوبيا…

بمعنى آخر، غًيبت الرواية السورية بشكل كامل عن الجائزة، حتى وان كانت البوكر لا تعتمد المعايير الجغرافية والجهوية في اختيار المرشحين، وما يحصل في كل مرة يعكس مدى “مزاجية” بعض لجنة التحكيم وسياستها في توجه الجائزة واختياراتها، فهي تستبعد بعض الروايات حتى وان كانت جيدة لأسباب تبدو واهية، وأحيانا تختار أسماء تبدو غير مقنعة وتخدم بعض النافذين أو بعض الدول وربما ضد بعض الدول… ذات مرة استبعدوا الأسماء المكرسة وخرج أحد أعضاء اللجنة محتفلا: “تخلصنا من الكبار”… ومرة ركزوا على الأسماء الشابة، وأحيانا يركزون على مواضيع الباست سيلر، أو المواضيع التي يحبذ الغرب الاهتمام بها. بعض الآراء الفايسبوكية تقول إن لجنة الحكم لا تقوم بعملها بشكل تقني وجيد، لا تقرأ الروايات بالشكل اللازم بل تلجأ الى اعتبار أن هذه الرواية صادرة عن دار عريقة، فهي اذن عريقة… كثيرون يسألون عن طرق إختيار لجنة تحكيم بوكر. لا ضرورة للعودة والحديث عن الجائزة وتقلباتها، فحتى الذين ينتقدونها يقعون في مطباتها وغوايتها…ويتردد أن الروايات السورية المستبعدة أو المُسقطة عن ترشيحات بوكر 2017، “الموت عمل شاق” لخالد خليفة (منشورات هاشيت أنطوان) “الذين مسهم السحر” لروزا ياسين الحسن (دار الجمل)، “مترو حلب”  لمها حسن (دار التنوير)، “الذئاب لا تنسى” للينا هويان الحسن (دار الآداب). واذا كان معظم الروايات السورية المذكورة يتحدث عن الحرب وتأثيراتها في زمن الدواعش والطغيان، ومعظم أصحابها ينتمون الى “المعارضة السورية” (مهى حسن، وخالد خليفة وروزا حسن)، تردد أن لجنة تحكيم الجائزة أرادت أن تكون “بمنأى عن هذا السجال الدائر”. واذا كان هذا صحيحاً، فالجائزة تعتمد معايير مزدوجة، او صيفاً وشتاء تحت تحت سقف واحد، هنا يبقون بمنأى عن السجال، وهناك يغزّون السجال ويساهمون في تكريسه… كأن ما يجري في سوريا يختلف عما يجري في مصر أو لبنان أو فلسطين. أمام هذه النقد ينبغي على لجنة الحكم أن توضح الأمور، وربما على النقاد تقديم وجهة نظر في معظم الروايات، لكن ما يحصل غالباً هو أن غواية الجوائز وكثرتها باتت “أقوى” من الأصوات… من جهة أخرى شعر بعض النقد بلا جدوى النقد…

بعض الأسماء السورية التي كانت رشحت روايتها لـ”البوكر” وأسقطت من القائمة الطويلة، تفادت الحديث عن النتائج. أحدى الروائيات قالت إنها لو لم تكن مرشحة لأبدت رأيها، والآن على النقاد أن يدلوا يدلوهم… الصمت عن نتائج الدورة العاشرة في البوكر مفاده أن الكاتب (أو الكاتبة) يراهن على الدورات المقبلة، فلا يريد كسر الجرة مع إدارة البوكر. أو لا يريدون الكلام حتى لا يقال لهم “لو أن رواياتكم كانت في القائمة الطويلة لصمتم”… هذا هي معضلة الجوائز، من جانب تساهم بشكل او بآخر، في ترويج الأدب ومن جانب آخر تساهم في تكريس الصمت، والأفدح أن تلعب دورا في تنميط الكثير من الأفكار… لا عجب ان قلنا ان الكثير من الأسماء باتت تكتب من أجل الجوائز.

بالعودة الى الرواية السورية وتغييبها عن البوكر، تضاربت المعلومات حول الأسباب… أكثر من طرف ركز على دور أحد أعضاء اللجنة وهو من محابي بشار الأسد، قد يكون له دوره في ذلك، وهذا من باب التخمين أيضا. 

بعض المدافعين عن بوكر في موسمها الجديد، يعتبر أن من يتحدث عن تغييب الرواية السورية الآن، صمت عن فوز روائي ليس بالقدر المطلوب في الموسم الماضي. هذه هي البوكر، مزيج من الهفوات والمكاسب والتأويلات والثرثرات والمنافسات والنفوذ والأوهام، ولكن ما ثبت حتى الآن، أنه ليس بالضرورة أن تأخذ جائزة ليصبح لك مزيد من القراء وتصبح مكرساً، فربيع جابر لا يشبه ربعي المدهون، وشكري المبخوت لن يكون أحمد سعداوي… صناعة القارئ ليست بالأمر السهل…