on
اياد شهاب: تأملات في الطغيان الشرقي.. 5- مُظاهرة (علمانية)
اياد شهاب: كلنا شركاء
روى لي احد الاصدقاء، ان احدهم دعاه للمشاركة بسهرة اسبوعية كان يقيمها احد المُعارضين السوريبن منذ عدة سنوات، وللمصادفة فإن مشاركتي الاولى -يقول صديقي- حملت بعض المُفارقات… يبدو ان القائمين على بعض “الاحزاب” المُعارضة (بدا لصديقي ان عددهم حوالي 15 حزباً)، كانوا قد قرروا ان يُنظّموا مظاهرة يشاركون بها في التورة السورية، ولكنهم ارادوا لها ان لا تخرج من المساجد، كما هي العادة، فجميع المُشاركين ضد هذه “الظاهرة”.
بالفعل، نفذوا قرارهم بعد تعبئة انصارهم ومؤيديهم و “الشارع”، لكن الحضور في المساء اختلفوا حول عدد الذين اشتركوا في المُظاهرة!. وبعد خلاف، سالوا شاهد عيان حيادي، فخيّب آمال الفريقين المختلفين وأكّد ان عدد المُشاركين لم يكن لا سبعين ولا مائه، وإنما تراوح بين ثلاثين وخمسة وثلاثين متظاهراً!!.
يشرح الفيلسوف الشهير “هيغل” رؤيته لأساس الدولة والقوانين فيقول: (لا يكون القانون مشروعاً ما لم يتمثّل روح الشعب كواقع تاريخي، ويعبّر عنه، ويكون مُستَمدّاً من قيمه وطموحاته وإلهاماته وعاداته وتقاليده، ونظرته العامة إلى الحياة، وتأثير وضعه الجغرافي على مزاجه الثقافي).
للأسف، مقابل ممارسات بعض “الاسلاميين” التي شرحنا عنها في المقالات السابقة، يجعل بعض دعاة “العلمانية” همّهم الوحيد، محاربة الدين ومحاولة فصله عن حياتنا، لدرجةٍ يُصبح معها الخروج من المساجد -لأسباب إجرائية- مُعضلةً بالنسبة لهم، حاولوا معالجتها فكانت النتيجة “30” متظاهراً!! -يعني لو خرج من كل حزب امينه العام وزوجته واحد اولاده، لكان العدد اكبر من ذلك-.
بالنسبة لهؤلاء، كل شيء اسلامي، متخلّف. جَلدُ الزاني منظر مؤذي، القِصاص تخلّف ودموية، حد السرقة إرهاب موصوف، اما تعدّد الزوجات فظلم للمرأة واستبداد وإشارة لمجتمع ذكوري، وصفات اخرى لا تحضرني الآن.
بين هؤلاء الذين يُسمون انفسهم “علمانيين” و “متنورين”، وبين “الشباب” من إسلاميي “تصنيم النص وتضييق هامش العقل” الذين ذكرتُهم في مثالي السابق، يقف الكثير من السوريين المعتدلين حائرين: اذا انتقدوا “الشباب” يُتّهمون بالردّة، وإن لم يتفقوا مع “المتنورين” يصبحون ارهابيين، متخلفين، و.. ظلاميين (حضرتني هذه الصفة الآن).
إن كان تصنيم النصوص وتقديس الرجال وجعلُهم “مُشرِّعين”، قد ادى الى ما ذكرناه من تجميد الدين وجعله غير قادر على مواكبة حاجات الزمن المتغيّر، فهل هذا يعني الانعتاق من الدين كله، بقرآنه وثوابته وقيمه، بدعوى ان الدين “افيون الشعوب”؟.
من اكثر الثوابت الاسلامية التي تتعرض للانتقاد في زماننا، موضوع تعدد الزوجات، جاء في سورة النساء: (فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)، ولكن هذا مشروط بالعدل (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). وشرط العدل هذا يفرض على الرجل المساواة بين ازواجه في كل شيء: المأكل والملبس والمسكن والإقامة وغير ذلك، هذا بالإضافة الى الشرط الثاني، وهو المقدرة على الإنفاق: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يُغنيَهُم الله من فضله).. وللزوجة ان تشترط على زوجها الا يتزوج عليها حين العقد، فإن فعل، يمكنها طلب التفريق.
في حال وجد الرجل انه ملتزم بما تُرتّبه عليه رغبته، فله ان يعدّد.
اما ان يُفكّر بالخيانة الزوجية دون التزام، فهذا قد يُعرضه للعقوبة في الاسلام، الذي يبني منظومته الاخلاقية من خلال المحافظة على الانساب، ورفع القيم الاسرية والعائلية.
عند النظر لكل ما سبق كحزمة واحدة، يبدو السؤال مختلفاً: هل وسّع الاسلام على الرجل في التعدّد، ام انه ضيّق عليه؟.
في فرنسا -احد اكثر الدول انفتاحاً وتحلّلاً من القوانين الضابطة لمؤسسة الاسرة-، يشير تقرير “المعهد الوطني للأبحاث الديمغرافية” الذي تم تقديمه الى البرلمان الفرنسي قبل اكثر من عشر سنوات، الى حالة قد تبدو مُقابلةً للرؤية الاسلامية، يؤكد التقرير الاوضاع المتردّية التي آلت إليها مؤسسة الزواج في فرنسا، فمقابل “450” الف علاقة غير شرعية سنوية، هناك فقط حوالي “150” الف طلب للحصول على عقد مدني.. وما يعادل “53%” من الامهات الفرنسيات، يضعن اول مولود لهن خارج مؤسسة الزواج، و “40%” من مجموع الولادات المُسَجلة في فرنسا هي ولادات خارج مؤسسة الزواج، ما يؤدي الى نسب متزايدة من الاطفال بدون اب شرعي، “ينتهي بهم الامر احياناً الى فقدان الاب مدى الحياة”، ما يعني فقدان الروابط الإنسانية والدفء والالفة العائلية. هذا التقويض للأسرة كبنية اجتماعية رئيسية، سيؤدي الى نتائج كارثية، تجعل “فوكوياما” يؤلف كتاباً خاصا اسماه “الانهيار العظيم”، شرح فيه آثار كل ما سبق على التدهور الكبير في المجتمعات الغربية، وفق مؤشرات ازدياد معدلات الجريمة، والعلاقات الاجتماعية المتردّية.
اما بالنسبة الى موضوع جلد الزاني الذي يراه البعض مؤشراً الى قسوة الاسلام، فهو يحتاج ايضاً للدرس…
يتعامل الاسلام مع بعض التجاوزات بشكل يسميه “علي عزت بيغوفيتش” “الجوّاني”، اي بناء علاقة مع الله، والاستغفار ومراجعة النفس والندم، لأجل الا يتحول التجاوز الى جريمة اجتماعية.
ففي تفسير الآية: (واقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل، إنّ الحسنات يُذهبن السيئات . .) يورد القرطبي ان سبب نزولها رجل جاء الى النبي (ص) فقال: إني عالجت امرأة في اقصى المدينة، وإني اصبت منها ما دون ان امسّها، وانا هذا فاقض فيّ ما شئت، فلم يرد رسول الله، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله (ص) رجلاً فدعاه، فتلا علي الآية السابقة (واقم الصلاة طرفي النهار . . . إن الحسنات يُذهبن السيئات) فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: لا بل للناس كافةً.
والحالة التي تقتضي الجلد هي ان يشهد على الزاني اربعةٌ رأوه بحالة الزنا. وقصّة عمر مشهورة، حين جاءه اربعة يشهدون على زنا “المغيرة بن شعبة”، فشهد ثلاثة، وقال الرابع: (رأيتهما في لحافٍ واحد، وسمعت نفساً عالياً ولا ادري ما وراءه)، فعاقب عمر الثلاثة بتهمة قذف المغيرة واتهامه.
إن كنت تريد ان تجاهر بالزنا حتى يراك اربعة وانت متلبسٌ به، فيجب ان تتوقع الجلد في دولة الاسلام، ووفق منظومته الاخلاقية.
مقابل ما سبق من احكام دقيقة، يورد الدكتور “عبدالرحمن الصابوني” في كتابه “مدخل لدراسة التشريع الإسلامي” ان معظم احكام القرآن جاءت مُجملةً، بقواعد عامةً ومبادئ كلية، دون ان يتعرض للأحكام الجزئية والامور التفصيلية، والسبب: (حاجة التشريع الى المرونة والتطور ومسايرة الزمن، ولتعمل الامة على استنباط الاحكام، ومد التشريع بالحلول العملية للوقائع الجديدة).
مرةً اخرى سيتساءل القارئ عن علاقة ما سبق بدراستنا “للطغيان الشرقي”، وذلك يحتاج لرواية بقية قصة صديقي:
فبعد ان اكّد شاهد العيان ان عدد من شاركوا بالمظاهرة لم يتجاوز “35” شخصاً، استفسرت -الكلام للصديق- عن سبب اصرار المجتمعين على نبذ فكرة التظاهر من المساجد، فكان الرد متحفظاً يشير الى اعتبار هذا الاتجاه “الشعبي” دليلاً على التخلف، ولكن احد الحضور اعترض قائلاً ان هذا خيار الشعب الذي يجب احترامه وفق جوهر الديمقراطية، فكانت المفارقة اعتبار “المتنوّرين” ذلك من عيوب الديمقراطية، التي يجب التغلب عليها بوجود “طليعة” تعرف مصلحة الشعب اكثر منه، وتُوجّهه وتصحح له…
شيء ما في النقاش يُذكّرك بالثورة البلشفية وطليعتها الثورية، ودولة “البسطار” “العلمانية” التي عاملتنا كـ “رعايا” فقامت ثورات الشرق.
لا يمكنك ان تؤمن بالديمقراطية عندما تتنكّر لقيم شعبك وروحه ومبادئه.
نحتاج ان نتعلم من تجارب امم سبقتنا، ومن مفاهيم الديمقراطية والليبرالية والعلمانية، ولكن دون ان ننسى هويتنا.
قد تُلقي الكثير من المحاضرات لشرح مبادئ الديمقراطية وضرورتها، لكن التجاوب هنا في الشرق سيكون افضل بكثير لو انك زاوجت بين الديمقراطية والشورى، ورويت قصة عمر مع الغنائم، التي اختم بها هذه السلسلة:
فعندما فُتِحت العراق والشام، جاء المقاتلون الذين فتحوها يطلبون من عمر ان يعطيهم اربع اخماس الغنائم، كما يدل ظاهر إحدى آيات القرآن، وكما فعل النبي محمد (ص) عندما فتح “خيبر”.
لكن عمر رأى ان الزمن تغيّر، وان الدولة بعد ان اتسعت، تحتاج الى جنود يدافعون عن الحدود، وذاك وغيره يحتاج الى موارد، تؤمنها اراضي العراق والشام، ولكنهم -اي الجنود وبعض الصحابة الذين وافقوهم- أكثروا على عمر، واستشهدوا بآيات من القرآن الكريم، تختص بتوزيع الغنائم والفيء، وقالوا: (يَقفُ ما افاء الله علينا بأسيافنا، على قومٍ لم يحضروا ولم يشهدوا؟! ولأبناء قوم، وابناء ابناءهم، ولم يحضروا؟!) فكان عمر لا يزيد على ان يقول: (هذا رايي)… قالوا فاستشر، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا، ورأى معظمهم رأي عمر. ثم ارسل الى عشرة من الانصار، فقال: (إني لم ازعجكم إلا لأن تشتركوا في امانتي، فإني واحد كأحدكم، ولست اريد ان تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر اريده، ما اريد به إلا الحق).. وايضاً وافقه الانصار.
يقول “معروف الدواليبي” في كتاب “المدخل الى علم اصول الفقه”: (وقد مكثوا يتناقشون اياماً، ومازال عمر يستشير ويناقش، فيحتج الناس للتقسيم بظواهر النصوص، ويحتج عمر لعدم التقسيم بمصلحة المسلمين). حتى اتفقوا بعد ايام، بعد ان ظهرت حجة عمر.
وبعد…
لازالت ظاهرة الطغيان الشرقي تحيّر الفلاسفة والدارسين منذ مئات السنين.
البعض يرى المشكلة من اسفل “كما تكونوا يُولى عليكم” فينظّرون للتصوّف، والبعض الآخر يراها من اعلى فيدعوا للثورات وتغيير الرؤوس.
ولكن القضيّة فيما يبدو تحمل البُعدين معاً:
حبّ الرياسة: وتلك طبيعة انسانية يستحيل تجاوزها، ولكن قد يمكن القضاء على شوكتها بفكر الشورى وآليات الديمقراطية، التي يصعب تحقيقها دون حرية، او تغيير من الاعلى.
والجهل، وهو اصعب، فليس كل من قرأ وعى، والوعي يتطلّب تضييق مساحة المقدّس في شرقنا، والاستفادة من علوم وثقافات امم سبقتنا دون ان نفقد هويتنا، هذا تغيير من الاسفل.
تعلّم جيل طليعي في الشرق، فحمل الراية، وطالب بالتغيير من اسفل، ثم من اعلى. وخاف ارباب الدولة العميقة، فاشتروا رؤوس جديدة، وحيّدوا بعض طلائع العلم والثقافة، بينما هرب آخرون، ليصبح المشهد رمادياً، ينتظر طلائع جديدة ومراجعات كثيرة.