on
د. لؤي صافي لـ (كلنا شركاء): تزايد المنصات يعكس تحرر السوري من حالة الاستلاب للنظام
وليد غانم : كلنا شركاء
مع بدء العدّ التنازلي لانطلاق محادثات جنيف، تعيش الثورة السورية منعطفاً هامّاً من حيث التجاذبات الدولية وتأثيرها في القضية السورية وما تعكسه من ترجمةٍ لهذا الواقع على الصعيد الميداني في البلاد. ويأتي هذا المؤتمر بعد سيطرة روسيا بشكلٍ كاملٍ على قرار نظام بشار الأسد السياسي، وبعد تغلغلها في صفوف بعض أطياف تيّارات تقدّم نفسها كمعارضين للنظام في سوريا.
فهل تتمكن روسيا من تمرير الحلّ الذي ترغب به من خلال مؤتمر جنيف؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام السوريين لإنقاذ ثورتهم؟ ولماذا استعجلت روسيا في طرح دستورها لسوريا؟…. أسئلةٌ توجّهت بها “كلنا شركاء” إلى الدكتور لؤي صافي، وكان معه الحوار التالي:
هل تتوقع أن تتمخّض عن مفاوضات جنيف4 نتائج ملموسة، أم سيكون جنيف استمرارا لحالة الاستنزاف التي تشهدها سورية؟ وهل وصلت الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في هذا الصراع إلى درجة من التوافق تسمح بوضع حدِّ للقصف والقتل والتدمير والتهجير؟
لا أتوقع أن تقود محادثات جنيف إلى ما يطمح إليه السوريون الذي خرجوا إلى الشوارع قبل ست سنوات يطالبون بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد واحترام حقوق المواطنين وإطلاق الحقوق المدنية. ثمة إجماع دولي اليوم على بقاء الأسد، يتضمن دولا كانت تصر على مستوى الخطاب على رحيل الأسد، مثل فرنسا وبريطانيا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. اليوم هذه الدول مستعدة للتعاطي مع الأسد ونظامه بوصفه حقيقة قائمة.
روسيا، اللاعب الرئيس على الساحة السورية، تمكنت من إيجاد حل سياسي يبقي على الأسد ونظامه، عبر تفاهمات مع الولايات المتحدة أولا، وتركيا وعدد من الدول العربية كذلك لاحقا. الرئيس الأمريكي صرح بأنه مع بقاء الأسد عقب استبعاده دعم المعارضة. بالمقابل، المعارضة السورية في وضع سياسي وعسكري ضعيف.
عسكريا، تم ابعاد الفصائل العسكرية التي حملت علم الثورة عن ساحة الصراع العسكري مع النظام خلال التفاهمات االروسية التركية التي عمدت خلال مؤتمر الاستانة. كذلك نجحت الأردن في تجميد الجبهة الجنوبية، وإخراجها عمليا من دائرة الصراع العسكري.
سياسيا، المعارضة السياسية لم تتمكن من تشكيل جبهة مشتركة قوية وموحدة، كما لم تتمكن من تطوير استراتيجية وطنية واضحة للتعاطي مع الحالة السياسية بمعزل عن القوى الإقليمية والدولية المؤثرة. ومع التخبط في مسيرة حلفاء الأمس الإقليميين والدوليين، أسقط في يد المعارضة السياسية، ولم تعد قادرة على اتخاذ مبادرات سياسية، أو استخدام أوراق مستقلة عن تلك التي تمسك بها تركيا والسعودية والولايات المتحدة وحلفاؤها.
هذا يعني أن جنيف يراد لها أن تكون واجهة سياسية لتمرير التفاهمات الدولية، والضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت مظلة نظام الأسد، وبالتالي سيكون من الصعب تحقيق حل سياسي يتوافق مع الأهداف التي سعت الثورة إلى تحقيقها. فنظام الأسد لم يغير نهجه عبر السنوات الستة الماضية، وهو لا يزال يتعامل بشدة وقسوة مع خصومه السياسيين، ومع المواطنين الرفضين لسياسة العصا الغليظة التي يتقنها، ولا يكاد يتقن غيرها. المتغير الوحيد اليوم الذي يمكن أن يعدل هذه الصورة يتعلق بتغيرات في مواقف القوى النافذة، مثل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا، ومثل هذا المشهد محتمل إذا ما أدركنا أن أولوية فريق ترامب هو تحجيم الدور الإيراني في منطقة المشرق. تركيا يمكن أن تلعب دورا مهما في تغيير المعادلة السياسية والعسكرية في حال حدوث تقارب مع إدارة ترامب، وحصولها على دعم حقيقي لا اسمي كما حدث في ولاية أوباما.
إذا لم يحدث تغير واضح في الاصطفافات السياسية الحالية فإن الصراع العسكري سيعود على الأغلب إلى الواجهة من جديد بحدة أكبر، وستكون ضحايا هذا الصراع الأحياء والقرى المدنية التي تمثل الحلقة الاضعف والأسهل في معادلة الصراع، والتي كانت تتعرض على الدوام لقصف وحشي من أطراف محلية وإقليمية ودولية مختلفة للضغط على المقاتلين المنتمين إلى مناطق الصراع.
بعيدا عن الآستانة وجنيف، ما هي الخيارات الحقيقية أمام السوريين، وهل هناك خيار سوري – سوري ينهي المأساة؟
نظرياً الخيار الأفضل هو اجتماع قيادات المعارضة السياسية على رؤية موحدة وخطة مشتركة، وقيام تنسيق بين المعارضة السياسية والعسكرية. واقع الحال مختلف تماما. فالتنافس بين السياسيين والعسكريين كبير، ولا يخضع في كثير من الأحيان إلى أي قواعد مشتركة. الثقافة السياسية الموروثة في سورية جزء اساسي من المشكلة، والثورة لم تتمكن من التخلص من هذه الثقافة التاريخية التي تحصر التعاون السياسي في دوائر ضيقة كالحي والمدينة والقبيلة.
غياب خيارات التعاون لا يعني غياب الخيارات جميعا. فخيار الثورة في رفض الخضوع لبطش الأسد، والتي استطاعت أن تصمد على مدار ستة أعوام في وجه أعتى قوة عسكرية معدة لدعم نظام سياسي ضد شعبه خيار مهم. خيار الصمود ورفض حياة الذل والعبودية هو ما ساهم بصورة رئيسية في استمرار الثورة رغم الظروف غير المناسبة ورغم التنكيل الشديد. صمود الثورة أدى إلى تغييرات حقيقية في البلاد، كما أدى إلى إضعاف نظام الأسد بصورة كبيرة. سورية اليوم تحت احتلال خارجي روسي إيراني، وهذا الاحتلال يمكن أن يولد تحركات وطنية جديدة، ويدخل قوى محلية كانت غائبة عن الثورة خلال السنوات الماضية. هذا هو الوجه الإيجابي للثقافة السياسية السورية: رفض الاحتلال وحكم الأجنبي. والقوى التي تدعم النظام تحولت رسميا إلى قوى احتلال مع تراجع نفوذ الأسد الداخلي والخارجي واعتماده الكامل على “حسن نوايا” حلفائه.
فشل جنيف والانتقال إلى المشهد الذي وصفته بخطوطه العريضة أعلاه سيطيل زمن الصراع، كما سيطيل بطبيعة الحال زمن الألم والمعاناة. هذا الاحتمال قد يدفع القوى الدولية إلى ممارسة بعض الضغوط في جنيف لتحقيق تغير في البنية السياسية للنظام. ولكن مثل هذا التغيير غير ظاهر حتى الآن.
مؤخراً، تم الإعلان عن منصة بيروت، هل هذه المنصات تساهم في الحل السياسي فعلياً، ام هي لأسباب أخرى، وما هي هذه الأسباب؟
تعدد المنصات يجب أن يفهم بصورة أساسية على أنه تعبير عن المشكلة الثقافية التي أشرت إليها آنفا، والتي تعكس طموح الناشطين السوريين إلى لعب دور سياسي عبر التوحد تحت مظلة سياسية أملا أن يؤدي ذلك إلى إدخالهم في التحركات الدبلوماسية الدولية. ولكن تزايد عدد المنصات يعكس أيضا تزايد أعداد الناشطين السياسيين في سورية، كما يعكس تحرر السوري نتيجة الثورة من حالة الاستلاب الكامل للنظام. فهو بذلك سيف ذو حدين، يقطع من جهة باتجاه الثورة، لأنه يزيدها تشرذما، كما يقطع كذلك باتجاه النظام لأنه يضعف قدرة النظام على إعادة السوريين إلى حالة ما قبل الثورة، بل يبدو جليا أن ثمة عودة بالحياة السياسية في سورية إلى ما قبل النظام، أي إلى أيام النشاط السياسي الحيوي في الأربعينيات والخمسينيات، قبل أن يتمكن حزب البعث بتأميم العمل السياسي لصالحه
تمكنت روسيا على الأقل في هذه المرحلة أن تقبض على الملف السوري، وأن تتحكم وحدها بمصير السوريين، وهي تقول لهم «لسنا متمسكين بالأسد، ولكن لا يوجد له بديل»! وتصر أطراف على أن يكون الهدف الوحيد الذي تحققه الثورة السورية هو تجديد البيعة للأسد إلى الأبد، هل هذا التمسك ببشار فعلاً لعدم وجود بديل فعلاً؟
روسيا وإيران غير متمسكين بالأسد لشخصه، إذ أنه من الواضح أن قيادته أخذت سورية إلى الوضع الكارثي الذي يعيشه السوريون اليوم، والذي يهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها. التمسك بالأسد يعود إلى طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على حكم الفرد وعبادة الرمز. والأسد هو “الرمز” الذي يلتف حوله أفراد النظام بوصفه الوريث “الطبيعي” لمؤسس النظام الذي رفع أتباعه أثناء حكم الأسد الأب شعار “الأسد قائدنا إلى الأبد” وسعوا إلى تأكيد وجود الأسد الأبدي في البلاد من خلال العدد الهائل من التماثيل التي لا يخلو منها حي وقرية وثكنة عسكرية سورية.
بهذا المعنى بقاء الأسد ضرورة لبقاء النظام الذي شرعن النفوذ الإيراني والروسي في سورية. القيادتين الروسية والإيرانية ليس لديها ثقة بأي قيادة تفرزها الأغلبية السكانية، ويعتقدون بأن بقاء الأغلبية خارج الحكم ضروري للحفاظ على مصالحهما ونفوذهما.
لماذا تطرح روسيا موضوع الدستور قبل الوصول إلى رؤية الحل السياسي؟
ربما يكون السبب الأقرب الذي يمكن فهمه من اندفاع روسيا لتطوير دستور جديد، غير الدستور الذي تبناه نظام الأسد في مطلع المواجهات العنيفة في البلاد، هو أن روسيا لا تثق بقدرة النظام والمعارضة على القيام بهذه المهمة بمفرديهما لاحقا. نجاح روسيا في إقناع أطراف الصراع بتبني دستور جديد يسهل مهمة الوصول إلى الحل السياسي الذي تريده هي والقادر على جمع نخب المعارضة والنظام في حكومة واحدة. وبالتالي فهي حريصة على تشكيل دستور يسمح بإيجاد شيء من الاستقرار خلال الفترة الحرجة التي قد تتبع أي تفاهمات.
في تقديري روسيا تخطئ التقدير، وتتجاهل القلاقل التي يمكن أن تنجم عن بقاء نظام الأسد في سدة الحكم، وتداعيات قيام حكومة وحدة وطنية غير قادرة على تحقيق طموحات السوريين واحترام تضحياتهم على استقرار البلاد والمنطقة المشرقية خلال السنوات والعقود القادمة.
هل إقامة منطقة آمنة تعني اقتراب نحو النهايات، وفي حال نجحت تركيا في تحقيق ذلك، هل سوف يكون ذلك معززاً لخيار التقسيم؟
مع الأسف الحديث عن منطقة آمنة في هذه المرحلة من قبل إدارة ترامب يعكس غياب الإرادة السياسية للوصول إلى حل حقيقي للصراع. فقيام مناطق آمنة مترافقة مع الحديث عن حل سياسي أمر غير واقعي. في تقديري الحديث عن مناطق آمنة بعد ستة سنوات من الصراع يعكس رغبة أمريكا في حماية المليشيات الكردية في الشمال السوري من ضربات تركية محتملة لأن تركيا ترى في المنطقة المستقلة تحت الإدارة حزب الاتحاد الديمقراطي منطقة آمنة للحركة الكردية الانفصالية في جنوب وجنوب شرق تركيا. والقيادة الأمريكية غير مرتاحة لسعي حزب العدالة وزعيمه أردوغان لإعطاء تركيا دورا مستقلا عن رؤية التحالف الغربي.
المنطقة الآمنة ستكون على الأغلب وسيلة ضغط على تركيا لا نظام الأسد، ولكن مثل هذه الخطوة سيكون لها تداعيات على النظام السوري والمعارضة في آن معا.
كيف ستكون المنطقة الآمنة وسيلة ضغط لا على نظام الأسد؟
المنطقة الآمنة ستكون على الأغلب وسيلة ضغط على تركيا لا نظام الأسد، ولكن مثل هذه الخطوة سيكون لها تداعيات على النظام السوري والمعارضة في آن معا. فالمؤسسة الأمنية في الولايات المتحدة لديها شكوك كثيرة تجاه القيادة التركية وتعاطفا واضحا مع الأقلية الكردية في تركيا. سعي أردغان لإضعاف القوى السياسية التي حملت إرث أتاتورك ومشروعه لنقل تركيا إلى الثقافة الغربية تزايد في السنوات الأخيرة، خاصة بعدما سعت إدارته إلى تطوير سياسات خارجية تجاه إيران وإسرائيل ومصر بعيدا عن سياسات حلف الناتو. لذلك تسعى المؤسسة الأمنية منذ سنتين إلى تقوية الحركات الكردية المسلحة في الشمال السوري، حمايتها من الآلة العسكرية التركية، ومن المرجح أن تستخدم فكرة المناطق الآمنة لحماية المقاتلين الأكراد في الشمال السوري. هذا الاستخدام سيحقق مفعولا معاكسا تماما للغاية الأساسية التي أردت تركيا تحقيقها من خلاله بمنع النظام السوري من استخدام قدراته الجوية للانتصار على خصومه. المناطق الآمنة ستوفر حماية للحركات الانفصالية في جنوب تركيا
أحد الاختلافات بين إيران والنظام من جانب وموسكو من جانب آخر، يتعلق بسير العمليات العسكرية بعد السيطرة على حلب. فالطرف الأول يفضّل التوجّه من حلب الى دمشق لتطهير الجيوب في المنطقة الفاصلة بينهما ولتنظيف محيط العاصمة، أما الطرف الاخر يريد التوجه الى الرقّة ودير الزور حيث يحاصر مقاتلو “داعش” جيش الأسد ومؤيديه في قسم من المدينة ومطارها، هل الدافع الى الاختلاف هو الأهداف، فالأولى تريد استكمال السيطرة على “سوريا المفيدة” للانطلاق منها لاحقاً لتحرير “سوريا غير المفيدة” رغم كونها قليلة السكان وغير قليلة الموارد. أما القيادة الروسية فتعتبر الرقة هدفاً استراتيجياً لأن “تحريرها” يوجّه ضربة الى “داعش” والولايات المتحدة المصرّة على تحريرها بواسطة قوات سورية متمرّدة مدعومة منها، وهل سوف تشهد تصاعد لهذا الاختلاف بين روسيا وإيران في سوريا؟
التنسيق بين إيران وروسيا عالي المستوى ومتماسك، والخلافات بينهما لم تتحول إلى خلافات جوهرية حتى الآن. الخلافات في جوهرها تتعلق بحجم نفوذ الطرفين في سورية، ولا ترتبط بتقييم الطرفين للحل العسكري الذي يهدف إلى اخضاع المعارضة للنظام. روسيا تسعى، بالتعاون مع بعض القيادات داخل النظام للاحتفاظ بدور رئيسي لها في تشكيل سورية في المرحلة القادمة، ولذلك لا ترغب من إعطاء إيران، والقيادات المقربة منها ضمن التركيبة الحاكمة، السيطرة الكاملة على الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة. هذا ما يفسر إصرار روسيا على الوصول إلى هدنة مع المعارضة العسكرية في حلب، ومنعها المليشيات الإيرانية من دخول المدينة بحجة الحساسيات الطائفية، واستقدام قوة من الشرطة العسكرية مكونة بشكل رئيسي من وحدات من الشيشان السنية العاملة ضمن قوات روسيا الاتحادية.
احتمال تصعيد الصراع بين روسيا وإيران ضعيف نظرا للأهمية التي يعطيها الطرفان للتحالف الاستراتيجي بينهما ضد سعي الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى توسيع دائرة النفوذ الغربية في الشرق الأوسط وشرق أوربا ومنطقة الخليج. لكن الوضع المتداخل بين أطراف الصراع قد يؤدي إلى مفاجآت غير متوقعة نتيجة التفاهم الحاصل بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو لجعل إيران العدو الأول للتحالف الغربي.
Tags: سلايد