on
ماهر إسبر: ما لا يمكن للمشاركين بالإستانة التصريح به
ماهر إسبر: كلنا شركاء
تمَّ مؤخراً تناول موضوع المفاوضات الجارية بالإستانة من قبل كثير من الأطراف السياسية أو الشخصيات السورية وتم اتهام المشاركين في هذه المفاوضات بالخيانة والتخلّي عن أهداف الثورة وإلى ماهنالك من تهم درج عليها السوريين واستسهلوا إطلاقها كثيراً في الفترة الأخيرة، وللأمانة ودفاعاً عن العقل والتوازن أورد هذا الردّ المختصر لما أعلمه بشكل أكيد عن ظروف المباحثات والمشاركين بها وواقع الأرض داخل سوريا .
المشاركون في الإستانة هم إمّا قادة ميدانيين موجودين منذ خمس سنوات على الجبهات أو ممثلين مباشرين لقوى عسكرية موجودة على الأرض في سوريا وهم الأكثر إطلاعاً على ظروف هذه القوى “حتى أنه تم الأخذ بالحسبان أن يكون لهذه القوى نقاط اشتباك مستمرة مع النظام ، أو ما تمّ الإصطلاح على تسميته “نقاط رباط”، أي أنها ليست قوى عسكرية منكفئة” وهؤلاء دون أدنى شك هم الأكثر تقديراً للموقف العسكري والميداني والفرص والإمكانات المتوفرة وهم الأكثر تأثراً بالمخاطر التي يمكن أن تحصل والأثمان التي ستدفع في حال قرروا عدم المشاركة، وهمّ الأكثر حسباناً للنتائج في حال تمّ هذا الأتفاق أم لمّ يتمّ، وتقدير هذا الموقف من قبلهم تؤثر به عوامل عديدة منها :
أولا، لا وجود لدعم دولي مضمون في المستقبل من دون المشاركة في المفاوضات على الأقل، إن لم نقل من دون التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار، والتهديد بوقف الدعم هو تهديد جدي، ووقف الدعم يعني أنه لا يمكن الاستمرار بالحفاظ على المناطق أو الجبهات المفتوحة بيد المعارضة، أي أنها ستسلّم من دون مقابل سياسي للنظام أو تسقط تباعاً بعد فترة قصيرة كما حدث في حلب الشرقية .
ثانياً، لا تمتلك المعارضة والقوى الموجودة على الأرض حلّ عسكري فعلي أو خطة عسكرية يمكن أن تقلب الأوضاع وتغيّر الموازين، كما اختبرنا جميعنا في السنوات الأخيرة، حيث لا دعم جدي ونوعي من القوى الصديقة يمكن الاعتماد عليه لتغيير الواقع العسكري، ولا تفاهم بين الفصائل العسكرية على الأرض يمكن أن ينتج عنه جيش بهيكلية وقيادة واحدة يمثل مطالب المعارضة ويسير باستراتيجية عسكرية لها أهداف سياسية يتم تحقيقها، هذا دوناّ عن احتراب الفصائل فيما بينها أو وجود أطراف متطرفة كداعش والنصرة تعتدي عليها، ولا وجود لكتلة سياسية معارضة يمكن الاعتماد عليها وتقوم بتأمين بدائل وطنية أو حتى خارجية إن توقف هذا الدعم، أو ممرات وطرق بديلة إن تم قطع الطرق عن هذه القوى من الشمال على سبيل المثال.
ثالثا، القصف الجوي والمدفعي الذي يقوم به النظام والروس ليس له سقف ولا رادع من تكرار استخدامهم لأسلحة كيميائية، ولا يوجد بيد المعارضة سلاح يمكن أن يصدّ هذا العدوان والدول الداعمة تؤكد كل يوم أنها لن تقدم مثل هذا الدعم .
رابعاً، المدنيون في سوريا بالعموم هم أكثر من يعلم حجم المعاناة الموجودة حيث نكاد نقترب من وقوع مجاعات بأغلب المناطق، وهناك حرمان شبه كامل من الرعاية الصحيّة والتعليم والعمل في المناطق المستقرّة نسبياً، فما بالنا بالمناطق الواقعة تحت النار حيث لا ماء ولا كهرباء ولا وسائل تدفئة أو سبل عيش انسانية يمكن أن يعتمد عليها .
خامسا، الهدنة هي الفرصة الأفضل لغالبية المناطق المحاصرة للخلاص من أوضاعها وتوصيل مساعدات إنسانية لها ولا يوجد حلّ فعلي بيد القوى العسكرية أو السياسية لفك الحصار عن هذه المناطق أو للدفاع عن المدنيين الموجودين فيها، والاستمرار بهذا الحال أيضاً هو استنزاف للمدنيين دون هدف سياسي يمكن تحصيله في النهاية أو للقيام بعمل يمكن أن ينتج عنه فك حصار النظام لهذه المناطق أو وقف اعتداءته عليها مع وجود مخاوف كبيرة من سقوط أغلبها وترحيل ساكنيها كما حدث بأكثر من منطقة .
سادسا، لن يتمّ التقدّم بأيّ خطوة في ملف المعتقلين أو طرح إطلاق سراحهم أو تبيان مصير غالبيتهم دون التوّصل لاتفاق وقف إطلاق النار وهذا معروف وواضح للجميع.
سابعاً، هذا اللقاء هو إجراء تقني بحت بين أطراف عسكرية وإن كان وفد النظام برئاسة الجعفري إلا أن ممثليه العسكريين والعسكريين الروس هم من سيتم التباحث معهم بالتفاصيل، وموضوع المفاوضات في الإستانة هو لبحث وقف إطلاق النار وتثبيت خطوط الهدنة والتوصل لاتفاق حول آلية المراقبة للخروقات، بينما المواضيع السياسية ستبحث في جنيف والهيئة العليا للمفاوضات برئاسة حجاب هي المسؤولة الأولى عن هذا الجانب .
أخيراً، قد يقول الكثير أنّ هذه الظروف أوجدها النظام وحلفاءه وتقصير الداعمين والعقم الدولي الموجود ومشاكل الساحة السورية المعارضة، إن كانت المعارضة السياسة أو العسكرية، ولكن السؤال المطلوب الإجابة عنه الأنّ هو :ما الذي يمكن القيام به بمثل هذه الظروف الكارثية التي ذكرتها وغيرها الكثير مما لا يتّسع المجال لذكره، وما الذي يمكن عمله لنحافظ على أهداف الثورة بالتغيير في سوريا ولنخفّف معاناة المدنيين المحاصرين أو حتى الذين هم خارج الحصار أو اللاجئين وكيف نتقدّم بالحلّ في ملف المعتقلين؟
من لديه تصوّر أفضل فليتقدّم به، أو ليشرع بتنفيذه مباشرة وسأكون أنا أول الداعمين له .
Tags: محرر