ولاء عساف: (نور) طفلةٌ سوريةٌ احتفلت بنجاحها الدراسي الأول في السماء

ولاء عساف: كلنا شركاء

“أمي… لماذا تبكين؟؟ أنا هنا بقربك… ألا ترينني… أمييي… أنا أراكي… ما بالك تصرخين؟؟ لا تحزني ألم تعديني ألا نبتعد عن بعضنا أبدا. أبي لا تحزن… سأذهب غداً لأستلم جلائي فأنا الأولى على صفي… وستحضر لي دمية كبيرة كما وعدتني. أمي ما بالك تبتعدين، أنا لم أعد أراكم بوضوح، أميي… أمييي، لا تتركوني وحدي… أنا لم أعد أراكم… أمييي…”.

إنه الموت… الموت بوسائل مخيفة هو ما يعكر صفو حياة كل سوري، كل ذنبنا أننا وجدنا على ثرى الأرض السورية، ونحمل هوية سورية.

نعيش أسرة صغيرة ولكن حبها كبير، أنا وزوجي وابنتاي، طال القصف والدمار معظم منزلنا، لكننا لم نستسلم ونتركه بل رحنا نصلح ما تم تدميره، ونعيد بناءه من جديد ببعض المال الذي كنا قد ادخرناه ليوم مثل هذا، أصلحنا النوافذ والأبواب ورممنا الجدران المتصدعة.

بعد فترة قصيرة افتتحت المدارس فسجلنا الفتيات الصغيرات (نور، وهناء) في المدرسة في الصف الأول والثاني، كانت “نور”، وهي الصغيرة، مجتهدة جدا ومشاغبة أيضا، كانت كلما حصلت على علامة تامة جاءت لحضن والدها تطلب منه مبلغاً صغيراً من المال أو لعبة ما، فيذهب والدها بكل ود ويشتري لها ولأختها بعض الألعاب رخيصة الثمن، ولكنها تحمل الكثير من الحب والحنان، كان زوجي يعمل إعلامياً ميدانيا، يخرج في المعارك ليصور الأحداث، ولم يكن صاحب دخل كبير.

وفي أحد الأيام، وقبل أن يتم الإعلان عن النتائج، جلسنا جميعا على مائدة الطعام، قال زوجي للفتيات “لنرى غداً من ستكون الأولى على مدرستها، سأحضر لها هدية كبيرة”.

قالت نور: “فلتذهب وتحضرها منذ الآن… فأنا متأكدة من تفوقي”، ضحكنا جميعاً سعداء بنباهتها وذكائها.

لبست نور وأختها هناء الثياب المرتبة والجديدة، وذهبتا الى المدرسة لمعرفة النتائج، وبعد حوالي الساعة كان زوجي قادماً من عمله، وكنت أجهز الغداء وطعام نور وهناء المفضل ريثما تعودان ونتناول الطعام معا، ونحتفل بعدها بنجاحهما.

وسمعنا صوت الطائرة… بات قريباً جدا… حاداً وقاسيا، وضربت صاروخ هز أركان المنطقة… خرجنا إلى الحي، الناس تهرع وتركض وكل يصرخ “أولادي”.

للوهلة الاولى لم استوعب ما يحدث، لكن زوجي أمسكني من يدي وراح راكضاً بي يصرخ “الفتيات في المدرسة”، رحنا نركض مع الناس… أركض وقلبي فزع… دموعي أغرقت وجهي وقلبي يرتجف خوفا.

وصلنا… وإذ بالأشلاء متناثرة هنا وهناك، استشهد كل من كان في المدرسة إلا عدة أطفال كانوا لم يصلوا بعد.

رحت أراقب الدماء حولي… ولا أدري هل أنا فيحلم أم في حقيقة، يد هنا ورأس هناك، ولون أحمر كان قد غطى جدران وأرض المدرسة.

جاء زوجي نحوي يبكي، ويده ووجهه كلها دماء، راح يبكي كالأطفال ويصرخ “سوار هناء… إنه سوار هناك ملطخ بالدم، ربما تكون على قيد الحياة”، وراح يهز رأسه مستسلما موجوعاً باحثاً عن شيء يعرف أنه لن يجده.

جلست على الأرض، لم أعد أقوى على الحركة، ودموعي تحرق عيناي من ملوحتها، لم أكن يوماً أظن أنني سأعيش بلا تلك الضحكات البريئة والزهور التي ملأت علينا حياتنا، لحظات تحرق القلب وتشعرك أن الحياة تافهة رخيصة، أمهات تبكي وتندب، ورجال تحاول البحث عن أنفاس في جثث تناثرت، وتبحث عن أعضاء أبنائها التي اختلطت، وأنا أراقب كل ما يحدث وأبكي متمنية الموت لروحي بدل فتياتي الصغيرات…

ماتت نور وهناء يا عزيزي، صغيرتي هناء اللطيفة ونور المشاغبة لم يكن لها قدر أن تحتفل بنجاحها الأول على الأرض، ذهبت لتحتفل بنجاحها وتفوقها في السماء، كل ذنبهن أنهن ولدن في زمن الدماء والموت السوري، لنا الله يا عزيزي، لنا ولهم الله.





Tags: محرر