د. حبيب حداد: مقاربة عامة حول ظاهرة الارهاب كأخطر تحد لمشروعنا الوطني الديمقراطي

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

لا تزال ظاهرة الارهاب ، حتى وقتنا الراهن ،موضع تباين واسع ، قد يصل احيانا حد التناقض ، سواء من حيث النظرة اليها  اومن حيث الموقف منها واسلوب مواجهتها والتعامل معهامن جهة ، وكذلك من حيث تحديدالأسباب والدوافع التي تؤدي الى نشوء هذه الظاهرة واستفحالها بحيث تصبح خطرا يهدد أمن وسلام واستقرار كل المجتمعات التي تغدو ضحية لها  من جهة اخرى  . وبإيجاز فان مسألة الارهاب ماتزال حتى يومنا هذا بعيدة عن التوصل الى  تقييم موحد من مختلف جوانبها : الفكرية ، أي كمفهوم ، والأخلاقية والقانونية على الصعيد الدولي ( منظمة الامم المتحدة ودوّل العالم وشعوبها) وداخل كل مجتمع بحد ذاته . فكلنا يقران مفهوم الارهاب يمكن ان يشمل استلاب الحقوق وانتهاكها ومصادرة ابسط الحريات الديمقراطية من قبل اي نظام حاكم تجاه مواطنيه ، هذا اضافة الى ممارسة كل أساليب القمع  والاضطهاد المادية المعروفة .  كما لا بد من تميز فعل الإرهاب  الذي قد يمارسه فرد او أفراد ، الذئاب والخلايا المنفلتة ، وكذلك ارهاب الدولة الذي قد يتخذ شكل الجرايم ضد الانسانية والذي  ترتكبه بعض الحكومات داخل او خارج حدودها . وَمِمَّا يجدر ذكره هنا ، انه على الصعيد الدولي وحتى في نطاق مؤسسات الأمم المتحدة كانت المواقف  وما تزال من ظاهرة الارهاب في الكثير من الحالات يمليها  منطق الحق للقوة ، وليس منطق قوة الحق ، . فالدول ذات الهيمنة والنفوذ كانت تصنف العديد من قوى التحرر والديمقراطية والاستقلال على انها منظمات ارهابية ، وخاصة في بداية نشأتها عندما ترى ان الأهداف التي تسعى تلك القوى لتحقيقها يمكن ان تتعارض مع مصالحها وسياساتها .

اما بالنسبة لنا ، نحن الوطنيين الديمقراطيين  العلمانيين السوريين ، وإذ يطرح علينا ، كمهمة ملحة لا تحتمل اي ارجاء ، ضرورة اتخاذ موقف عملي واضح ومحدد من ظاهرة الارهاب ، موقف  ينبغي ألا يكون عرضة بعد الآن لاي لَبْس او سوء تأويل ، ولا يحتمل اي قدر من المناورة والتضليل ، فان هذا يعني بكل بساطة اتخاذ الموقف المطلوب من الظاهرة الاخطر التي باتت ، بعد انقضاء هذه السنوات الست ، تهدد مشروعنا الوطني الديمقراطي الهادف لإنقاذ وطننا وتحقيق تطلعات شعبنا في  إنجاز مهام التحول والتغيير نحو بناء سورية ، الدولة الحرة الديمقراطية الموحدة . ينبغي علينا  إذن ان نعترف ونصارح أنفسنا ان وضعناالحالي من جهة ، وموقفنامن جهة ثانية ، اذا لم يمتلكا وحدة الرؤية المنسجمة ،  ووحدة الإرادة الفاعلة تجاه ظاهرة الارهاب التي كانت اخطر العوامل التي شوهت صورة كفاح شعبنا التحرري السلمي من اجل الحرية والكرامة والمساواة  ،والتي أجهضت انتفاضته بعد ان دنست وعيه واستثارت غرائزه وردود فعله ، فان هذا يعني بصورة منطقية اننا  لم نضطلع حتى الآن بدورنا المطلوب  تجاه المشروع الوطني الديمقراطي الذي تنادينا لحمله وتشكيل حالة نوعية  على  اساسه تبرر وجودنا في مسار العمل الوطني السوري .

فإذا عدنا الى المنطلقات التي جسدت أهداف ومسار ومهمات الانتقال لانتفاضة شعبنا التي ارادها ان تكون مشروع ثورة تحررية وطنية مجتمعية ، واستعدنا المخاطر والتحديات التي نبهنا اليه في حينه وفي مقدمتها : مخاطر العسكرة والأسلمة والتطييف واستدعاء التدخل الخارجي  ، وكيف قادت هذه المخاطر بتشابكها مع مختلف العوامل الداخلية والإقليمية والدولية الى الماساة السورية الحالية ، فإننا لا بد عقلانيا ومنطقيا ، ان نتمكن وبكل موضوعية من توحيد رؤيتنا ومواقفنا وتعاملنا مع ظاهرة الارهاب التي تواصل الْيَوْمَ وغدا تدمير ما تبقى من مقومات كياننا الوطني ، وهنا اذا كان لا بد لنا ان ندين ارهاب النظام المستبد الفاشي وممارسات كل المجموعات الطائفية المتحالفة معه  ، فينبغي ان ندين في الوقت نفسه ارهاب كل المجموعات المسلحة المقاتلة فوق الجغرافية السورية ، تلك المجموعات التي لا علاقة لها من قريب او بعيد  بالمشروع الوطني الديمقراطي السوري  ولا بكل قيم العصر الكونية والإنسانية  بل انها بإعطائها صورة البديل الأسوأ للنظام الحالي ، وبما لا يقاس طبعا ، ساعدت النظام على البقاء والاستمرار وعملت على تزييف تاريخ شعبنا ودمرت وحدته الوطنية . في نفس الوقت الذي أخافت فيه المجتمع الدولي ووحدت مواقفه في إعطاء مكافحة هذه الظاهره الاولوية في  سلم اهتماماته ، وهو محق في ذلك ، باعتبارها الخطر الداهم الذي اصبح يهدد أمنه واستقراره بعد ان شوهت هذه الظاهرة إرادة  ومطامح شعوبنا وقيم الاسلام الانسانية الحضارية .

وباختصار فإننا نعتقد ان موقفنا من ظاهرة الارهاب في مجتمعنا السوري ينبغي ان يستند الى الأسس الثلاثة التالية :

١- ينبغي عدم ربط  عملية مكافحة الارهاب بأية مطالب او مهام اخرى في سياق عملية التحول من نظام الاستبداد الى النظام الديمقراطي المنشود . فالقول مثلا بان مهمة مكافحة الارهاب تشكل واحدة من السلال الأربع في محادثات جنيف العبثية هو بلا شك دليل ملموس ومفضوح على عدم جدية الأطراف المشاركة في هذه المحادثات بالسير في طريق الحل السياسي وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة . ان مكافحة الارهاب في وطننا المنكوب وفي المنطقة وعلى مستوى العالم كله قد أضحت بالنسبة  لنا ، على صعيد القول والعمل مسالة وطنية بامتياز . علينا ان نكون مبادرين في موقفنا المدين والمواجه ، ودون اية تحفظات  ،لهذه الظاهرة التي هي مهمة الجميع الْيَوْمَ قبل الغد . صحيح ان عملية التصدي لظاهرة الارهاب لم تعد متوقفة او مقتصرة  على وجود تلك المجموعات المتقاتلة فوق جسد المجتمع السوري ، وأنها تحتاج الى وقت طويل لمعالجة اسبابها العميقة في مجتمعاتنا : الأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والدينية وكل مظاهر واشكال  الاستبداد والقهر وعدم المساواة والتي أسهمت في فشل وإخفاق دولنا بعد الاستقلال في تأسيس أنظمة ديمقراطية ، لكن ذلك بالتأكيد  هو ما يجعل مهمة مكافحة الارهاب والاستبداد والتخلف المهمة اليومية المستمرة لكل قوى شعبنا الوطنية الديمقراطية الواعية .

٢- ينبغي ادانة مواقف جميع تلك المعارضات السورية  التي عملت خلال السنوات الماضية وما زالت تعمل على تبرير وجود و ممارسات المجموعات الإرهابية تنفيذا لتعليمات الدول والجهات التي ارتبطت بها . لقد قامت تلك المعارضات بمختلف تشكيلاتها ومازالت تقوم بدور سلبي خطير في خطابها وإعلامها وافعالها بالدفاع عن تلك المجموعات المسلحة وتصويرها تارة بأنها قوى المعارضة المسلحة ، وتارة اخرى بأنها قوى الثورة السورية التي تمثل إرادة الشعب السوري  ،وتارة ثالثة بانها ،هي ماغيرها ، فصائل الجيش الحر سواء منها جبهة النصرة ومن ثم هيئة تحرير الشام والمجموعات التي تديرها المخابرات الأجنبية عبر غرفتي الموك والموم  الى مايسمع بدرع الفرات الى قوات قسد وغيرها  وغيرها ….. ان تقييمنا لأي من المجموعات المسلحة فوق الارض السورية فيما اذاكانت قوى ارهابية او انها مجموعات وطنية ،حرة القراروالارادة  ،لكنهااضطرت الى حمل السلاح دفاعا عن أمن ووجود مناطقها يتمثل في مبدأ واحد هو ايمانها المعلن والتزامها الصريح بالانخراط في مسار الحل السياسي الوطني الديمقراطي من اجل سورية حرة موحدة ديمقراطية ،  التي تكفل المساواة في الحقوق والواجبات والفرص المتكافئة لجميع مواطنيها ومكوناتها دون اي تمييز .

٣- ينبغي علينا نحن الوطنيين الديمقراطيين العلمانيين السوريين . وفي إطار  توضيحنا لهوية و لطبيعة وأسس وتميز مشروعنا الوطني الديمقراطي ان نكون مؤهلين لاستخدام المنهج العقلاني العلمي في التعريف والمصارحة بكل الحقائق المتعلقة بمصيرنا الوطني وبكل الأحداث والتطورات المستجدة ومواقف الدول من قضايانا الوطنية والتحررية . وليكن همنا دائماً اعادة الثقة الى شعبنا المحبط  بنفسه وبعدالة قضيته  ،وفاعليةامكاناته  وقدراته الذاتية اذا وضعت في الاتجاه الصحيح . ان الخطاب الموضوعي العقلاني الذي ينبغي ان نكرس له كل حكمتنا وجهودنا  ، وكل الوسائل التي يمكن ان تتوفر لنا ،هو بلا شك سلاحنا الامضى في  أداء مهمتنا  .ان غايتناالاساسية .، حيث ليس لنا ولَم نكن نسعى الى ذلك أصلا ، اية مجموعات مسلحة فوق تراب وطننا ولا دول أوجهات خارجية تستوعبنا وتوجهنا وفق أجنداتها ، غايتنا الاسمى ورهاننا الوحيد على كسب ثقة شعبنا وتصميمنا ان نكون المعبرين الاوفياء عن قضيته العادلة واهدافه المشروعة في ان يحيا حياة العصر !!!.





Tags: محرر