هنادي زحلوط لـ (كلنا شركاء): في سوريا مسالخ توازي وتفوق سجن صيدنايا فظاعةً

مضر الزعبي: كلنا شركاء

تضاعف عدد الناشطين في سوريا خلال السنوات الماضية، ولا سيما عقب موجة الهجرة واللجوء التي شهدتها البلاد، ولعب الناشطون السوريون دوراً كبيراً في نقل مأساة بلدهم، ولكن قبل العام 2011 كان عدد الناشطين السوريين محدود في ظل إحكام النظام قبضته الأمنية على مختلف جوانب الحياة، ومراقبة كل شاردة وواردة.

الكاتبة والناشطة (هنادي زحلوط) كانت واحدةً من أبرز الناشطين السوريين ما قبل العام 2011، حيث بدأت بنقل معاناة السوريين مع دخول شبكة الإنترنت إلى سوريا، ودفعت ثمن ذلك ملاحقات أمنية في العام 2010، لتنتقل إلى العمل باسم وهمي وهو (هيام جميل)، ومع انطلاق الثورة السورية شاركت في الحراك السلمي، واعتُقلت لمرتين قبل أن تخرج من سوريا.

وللحديث عن آخر نشاطات الكاتبة والناشطة (هنادي زحلوط)، ولا سيما توثيق أوجاع السوريين في معتقلات النظام، وتجربتها في تلك المعتقلات، وإمكانية العيش المشترك في سوريا في ظل جرائم النظام، أجرت “كلنا شركاء” مع (زحلوط) الحوار الآتي:

أين هنادي زحلوط من كل ما يجري في سوريا، وهل تشعرين بالندم لخروجك منها؟

موجودة حاضرة، أراقب ما آلت إليه الأمور، وأدون ملاحظاتي وأنقل الأخبار كلما استطعت ذلك من زاوية العمل الصحفي.

في الجانب الحقوقي أحاول الإسهام قدر الإمكان في الحملات التي تستهدف نقل أخبار المعتقلين بشكل خاص، لإيماني أن المعتقلين قضية يجب العمل لها تحت جميع الظروف، ويجب أن تحظى باهتمام خاص، لأنها مأساة مستمرة للمعتقلين أنفسهم ولذويهم وللمجتمع السوري عامة.

في الجانب السياسي أعتقد أنني اخترت ألا أكون موجودة، لأن الأطراف السياسية جميعها نالها من الفساد والبيروقراطية والديكتاتورية ما جعلها نظيراً للنظام، وهو أمر لا يتناسب وتضحيات السوريين وسعيهم لنظام أفضل، ليس هنالك اليوم جسم سياسي يمثل الثورة بحق، وهذا مؤسف.

لا أشعر مطلقاً بالندم لخروجي من سوريا، لقد كان الأمر محتماً حينها، ولم أكن لأدرك أن هذه الحرب ستطول حاصدة كل هذه الأرواح، لكني أتألم لفراق الناس هناك ولفراق البلاد، ولن يزول ألمي إلا بعودتي لها وهي تتعافى من أحزانها وجروحها.

هنادي زحلوط قامت بتوثيق مجموعة من الانتهاكات في كتاب (إلى ابنتي)، فهل تعتقدين بأن ما تم توثيقة هو كل ما يجري في سوريا؟

بالتأكيد لا، فكتابي يغطي بضع قصص من قصص الاعتقال والألم السوري اليومي، فيما كتبت عشرات الكتب في إطار أدب السجون بأقلام كثر من الكتاب السوريين الشباب والمخضرمين. كل يسجل حسب مشاهداته لتكون جميع هذه الكتب والشهادات ذاكرة جمعية ترسم ملامح مرحلة هامة في تاريخ سوريا، قدم خلالها السوريون ثمناً غالياً لتغيير سياسي لم يأت بعد، وما زال الثمن يدفع.

هل تعتقدين أن مثلث الموت أو (المسلخ البشري) هو الوحيد في سوريا التي تتم فيه انتهاكات على هذا المستوى، ولمصلحة من طمس تاريخ سجن (تدمر) الذي كان سجن (صيدنايا) يعتبر فندق خمس نجوم بالمقارنة معه؟

سجون عديدة في سوريا كانت، وحسب معلومات المنظمات المحلية والدولية، مسالخ توازي وتفوق سجن صيدنايا، منها سجن تدمر، وسجن المخابرات الجوية بالمزة، وسجون أخرى مورست فيها فظائع بحق السوريين، وعاجلاً أم آجلاً سيحمل الناجون من هذه السجون صور الرعب الذي خضب الجدران وقتل عشرات الآلاف قبل أن ترى هذه الجدران النور، لتكون شاهداً على دموية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها.

أما السجون التي دمرت كما حصل في حالة سجن تدمر فقد بقيت حاضرة في ذاكرة نزلائها، ويقع على هؤلاء مسؤولية نقل وتوثيق ما حصل أمام أعينهم من جرائم، لتكون شهاداتهم طريقاً للعدالة الانتقالية الآتية لا محالة إلى هذه البلاد التي تستحق العدالة.

ماذا عن السوريات في سجون النظام التي أعلن مؤخراً استعداده لمقايضتهن بأسرى له لدى الفصائل المقاتلة، فهل نجح السوريون في الغرب بإيصال حقيقة الأمر لوسائل الإعلام بأن المعتقلات في سجون النظام عبارة عن رهائن للضغط على الحاضنة الشعبية؟

أعتقد أن الحملات التي تخص المعتقلين نجحت إلى حد كبير في نقل معاناة هؤلاء والمطالبة بإطلاق سراحهن، لتكون قضية أساسية على جدول أعمال المفاوضات الجارية، لكنها تحتاج بعد إلى العمل أيضاً وأيضاً ليكون جميع المعتقلين في النهاية خارج القضبان، وكي لا يبقى ذووهم عرضة للابتزاز من أطراف عديدة.

الصور التي نقلها سيزار، والمعلومات التي تخرج كل يوم لتضيء على سجون كانت حتى وقت قريب مظلمة تجعلنا أقرب للوصول ‘لى غايتنا في معاقبة المسؤولين عن كل هذا الإجرام وفضحه بكل تأكيد.

بالانتقال لتجربتك في معتقلات النظام، هل هناك شخصيات مازالت هنادي تذكرهم كل يوم ومازالوا في معتقلات النظام؟

لا تزال سجينات عديدات قضيت معهن أيام اعتقال في زنازين النظام، ولا أخفيك أني أعرف أن كل سجين يخرج يترك في ذاكرة السجين الباقي مزيجاً من مشاعر الفرح والأمل بمغادرة هذا المكان، وبالحزن أيضاً لهذا الفراق، كما يترك لدينا نحن الخارجون غصة لأننا تركناهم هناك، وربما شعوراً بتأنيب ضمير، لا نستطيع التخفيف عنه إلا بالعمل لقضية هؤلاء المعتقلين الذين نأمل أن يكونوا بخير، وأن يلاقوا أحباءهم قريبا.

نبيل الشربجي أحد هؤلاء، كنت أتتبع أخباره وألتقطها عن طريق خطيبته التي دأبت على زيارته في سجن عدرا حتى أيار من العام ألفين وخمسة عشر، لتنقطع أخباره، ونفاجأ جميعنا بخبر مقتله تحت التعذيب، ولا يبلغنا الخبر إلا بحلول شهر كانون نهاية العام ألفين وستة عشر. أمل عشناه لأشهر بأن يكون بخير، وأمل نعيشه بانتظار المحامي المعتقل خليل معتوق، والعميم فائق المير، والطبيب عبد العزيز الخير، ورفاقهم، ورفاقنا، ولا نعلم حقاً شيئاً عن مصيرهم ولا نملك سوى المطالبة بمعرفة مكانهم وأخبارهم.

هل مازال هناك إمكانية للحديث عن العيش المشترك في سوريا، ولاسيما عقب حملات التغير الديمغرافي التي تمت مؤخراً في عدد من المناطق السورية؟

أعتقد أن الأمر يزداد صعوبة، الخنادق التي حفرها النظام منذ عقود بين السوريين ازدادت عمقاً في هذه الحرب، عندما استخدم كل الوسائل والأدوات للإجرام وللصق كل إجرامه بطرف بعينه، محملاً هذا الطرف بالذات عبء أنه يحميه، ويحمي “الأقليات” في هذه البلاد التي لم تحتج “أكثريتها” و”أقلياتها” يوماً لضامن للعيش المشترك سوى سوريتهم!

كنت قد تحدثت بضرورة إدانة جريمة التغيير الديمغرافي، ومازلت أرى ضرورة خروج صوت يدين وينزع عن النظام متاجرته بورقة حماية الأقليات، هنالك ضرورة لكي يستعيد السوريون أنفسهم زمام المبادرة ويصوغوا عقدهم الاجتماعي، لكن ذلك كله مرهون بوضع حد لمعاناتهم، ونأمل أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن.

بأسطر قليلة، وبكل صدق، عقب ست سنوات من الثورة السورية، ماذا أضافت الثورة السورية لـ هنادي زحلوط؟

أضافت الكثير، في الجانب الشخصي كما في الجانب العام، وأكاد أجزم أنني أصبحت أكثر قوة وأكثر قدرة على تحمل مصاعب الحياة، تماماً بالتوازي مع إيماني بأن سوريا ستخرج أكثر قوة من مخاضها العسير هذا.





Tags: سلايد