on
نشمي عربي: تعليقاً على مقالة حازم صاغية وحسام عيتاني في الحياة بعنوان.. نظرة إستعادية إلى رفيق الحريري وتجربته
نشمي عربي: كلنا شركاء
أثار الكاتبان المخضرمان في مقالتهما بعنوان: ( نظرة إستعادية إلى رفيق الحريري وتجربته ) تساؤلاً مهماً عن حقيقة دور ما للراحل رفيق الحريري في تهميش المسيحيين في لبنان، وهل كان على الأقل مستفيدا من هذا التهميش.
نعم ، حتى إذا برّأنا رفيق الحريري من تهمة تهميش المسيحيين ( وهذه ليست بالمهمة السهلة ) فإننا نستطيع أن نجزم وبكل تأكيد أنه كان هو المستفيد الأول من هذا التهميش.
خطر الحربري على ( المسيحية السياسية ) كان أكبر كثيراً من تهميشها سياسياً بل يتعدى ذلك إلى ماهو أخطر بكثير ألا وهو ( تدجينها ) بما يتوافق مع أهواء الراعي السوري.
ذكاء حافظ الأسد كان دوماً واقعياً بمايجعله يدرك تماماً أنه وقد استتب له الأمر حكماً مطلقاً للبنان بعد إخراج منظمة التحرير منه إلى غير عودة والتمكن من الحصول على تفويض أمريكي/إسرائيلي لحكم البشر والشجر والحجر هناك، فلا مناصة من وجود شريك مسيحي ولو ( ديكورياً ).
واقعية حافظ الأسد جعلته أيضاً يدرك أن التحول الجذري لدوره الجديد في لبنان وتحوله من خصم إلى حكم ( يصنع الخصوم ويحكمهم) يفرض عليه وجود حلفاء مسيحيين يسبغون على عورته الطائفية ورقة توت مسيحية قد تفيده عربياً ودولياً.
وإذا كانت عبقرية أحد أهم مستشاريه الأمنيين ( اللواء محمد الخولي ) قادرة وقت الحرب على زرع وخلق وشراء عملاء لها في أعتى بيوتات المسيحية اللبنانية المناهضة له ( إيلي حبيقة وكريم بقرادوني مثالاً )، فإن شخصيات كهذه وإن ساعدت أجندته في زمن الإختصام، فإنها لم تعد كافية لإعطاءه الغطاء المسيحي المطلوب بما يتوافق مع الدور السوري الجديد في زمن الإحتكام.
كان الأسد أيضاً واقعياً في فهم محدودية موظفيه المكلفين بالملف اللبناني وغرقهم للأذقان في مستنقع الفساد الكبير في هذا البلد الصغير، وإذا كان أول رئيس لإستخباراته في لبنان ( العميد محمد الغانم ) قد تم سحبه من مهمته على خلفية شكوك حول صلات مالية مشبوهة له بالختيار ( أبو عمار ) فإن الأسد يعلم بأنه لا صرامة حكمت الشهابي المعروفة ولا خشبية عبد الحليم خدام البعثية بقادرة على خلق التغيير الذي يريده في البنيتين السياسيتين المسيحية والسنية في لبنان الذي يريد.
في هذه الظروف تماماً دخل رفيق الحربري عرين الأسد بمعيّة بندر بن سلطان، وبعين الصقر الخبيرة رأى فيه الأسد مشروع نجم سياسي سني صاعد هو أحوج مايكون له.
كانت السيرة الذاتية للحريري مثالية للدور الذي ارتآه له الأسد في لبنانه الذي يريد.
هو سني فقط بما يكفي لتغطية عورة الأسد الطائفية، ولكن منبته الإجتماعي يضعه على مسافة بعيدة من العائلات السياسية السنية العريقة التي كان هواها العروبي دوماً مشبعاً بطعم ناصري، لا يكن له الأسد أي ود.
كان رفيق الحريري بكل تأكيد ذو نزعة قومية عربية صادقة، ولكن بطريقة ( زبائنية ) وانضمامه لحركة القوميين العرب في بداياته لم يكن في نظر الأسد أكثر من ( فورة شباب ) تغفرها له حالة التعقل والنضج على إيقاع نجاح المقاولات والبزنس في فترة الرجولة والعقل، وفِي النهاية فإن الأسد لم يكن قطعاً يبحث عن قومي عربي صلب كهاني الهندي أوجورج حبش.
كان الحريري كذلك وفياً ومخلصاً لطبقته الإجتماعية فقط بما يكفي لنفحات خيرية إجتماعية عابرة للطوائف، ومن قال أن الأسد بحاجة لمناضل عمالي شرس كمعروف سعد ؟
الحربري الرجل بالتأكيد ليس ذو نزعة طائفية، بحكم النشأة، والتكوين، والأهم بحكم عقلية البزنس لاحقاً.
المال لا يُؤْمِن بالطائفة، وكذلك النفوذ، وسنية الحريري بالأصل تفتقر النفس الإستقلالي اللبناني المتصالح مع عروبة معتدلة لا تفتئت على لبنان الكيان، بل تحصنه وتعطيه أسباب المنعة والقوة، عروبة على طريقة عبد الحميد غالب، لا على طريقة غازي كنعان. سنية سياسية عروبية كهذه دفع ثمنها المفتي حسن خالد حياته.
ولما كان تغيير اللعبة في لبنان بالنسبة للأسد بحاجة للاعبين جدد، يؤدون أدوار كومبارسية جديدة، فمن أصلح من الحربري ليكون هو صاحب المشروع السني المعتدل، الذي يطمح لبناء بلده الذي يحب، ويرى في الوجود السوري في لبنان ضماناً للأمن والإستقرار ، ولو بأثمان عالية؟
ومن أقدر من الحريري على خلق هذا التغيير في البنية الأساسية للمسيحية السياسية، تغييراًيمس وجودها وحاضرها ومستقبلها، رؤيةً وممارسةً وأهدافاً.
مبكراً ، ومنذ البداية، أدرك رجل المقاولات المتمرس بخبرة إبن السوق أنه هو والأسد الأب ، لديهما الكثير مما يمكن أن يقدماه لبعضهما، وأن حاجته للأسد كرافعة سورية لمشروعه في لبنان لأتقل أبداً عن حاجة الأسد له، الحريري أيضاً كانت لديه واقعية الأسد، ولكنه لم تكن لديه سطوته القاتلة، أدرك الحريري أن هناك مساحات إختلاف مع الأسد، ولكن التنازلات هي من شيم الرجال ووصفة ناجعة للنجاح، فلا بأس من تقديم بعض التنازلات المبدئية على طريق ماخيل له بالأهداف النهائية، وبعض التنازلات هنا وهناك كتمييع وتحوير مقررات الطائف خاصة المتعلقة منها بإنهاء الوجود السوري في لبنان في مرحلة ما، كل هذه أمور ثانوية، لن تقدم، ولن تؤخر، هكذا ظن رجل المقاولات الناجح.
الأمر الوحيد الذي فات الحريري هو أن غياب الأسد عن موقع القرار في سورية سوف يحيله هو ولبنانه الذي يحب إلى أيدي لاعبين هواة، تنقصهم خبرة ودراية الأسد الأب، الذي غيبه الموت بعد أن جعل المشهد اللبناني ، والسوري، من التعقيد بحيث يصعب على أي كان من بعده إدارته أو معالجته، وأن مسلسل التنازلات الذي كان صعباً، ولكنه قابل للحياة مع الأب ، سوف يأخذ منحاً فاجعاً ومؤلماً مع الإبن، وبالطبع فهو لم يكن يعلم بما تخبئه الأيام وأن حياته هو شخصياً سوف تكون جزءاً من هذه الأثمان.
ذكاء الحريري لم يقتصر على فهم مايريد حافظ الأسد، بل تعداه إلى تبني هذه الإرادة والسعي الحثيث لتنفيذها على الأرض وكأنها حاجة لبنانية وطنية ملحة يتمنى اللبنانيون على الشقيقة مساعدتهم في تنفيذها، مدعوماً بتمويل سعودي يفتح الأبواب ويذلل الصعاب ، في بلد إذا لم تتمكن فيه من شراء كل الذمم ، فإنك بلا أدنى شك قادر على استئجار مالم تتمكن من شرائه.
كانت مهمة الحريري الأولى على الصعيد الداخلي هي إحداث تغيير بنيوي وفكري أساسي في بنية المسيحية السياسية يتمثل في تحويلها من خصم عنيد وشرس للوجود السوري في لبنان إلى عضو فاعل في كومبارس الجوق المطبل والمهلل لهذا الوجود.
هذا التغيير في بنية المسيحية السياسية اللبنانية التقليدية كان يسير بالتوازي مع تغيير آخر أكثر شراسةً يطال بنية وكينونة ( السنية السياسية ) التقليدية في لبنان ، فجرى تحييد وتهميش قامات سنية كبيرة تنتمي لعائلات سنية لبنانية عريقة كعائلات سلام والصلح وعيتاني وغيرهم، كان النظام السوري دوماً يتوجس الريبة منهم لولاءاتهم الناصرية والعروبية التي لا تمر من خلاله.
أن تكون عروبياً في شرعة الأسد هو أن تمر عروبيتك من قصر المهاجرين، وإذا أردت أن تكون مسيحياً شرساً في الدفاع عن حقوق المسيحيين فلك أن تذهب إلى أبعد مدى في معاداة مسيحييين آخرين لم يرضوا أن يكونوا ضمن جوق المهللين للأسد أو في ممارسة عنصرية إنعزالية بغيضة ومقيتة على ما تبقى من وجود فلسطيني في لبنان.
Tags: محرر