الايكونومست: التهديد الروسي

الايكونومست: ترجمة يونادم يونادم – كلنا شركاء

كيف يمكن احتواء امبراطورية (فلاديمير بوتين) المختلة والخطرة?

قبل أربعة أعوام ذكر حينها (ميت رومني)، المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، ان روسيا تعتبر الخصم الدولي الأول بالنسبة لأمريكا، وشبه باراك أوباما سلوك روسيا ساخراً بانها دعوة الى الحرب الباردة. كما شنّت روسيا هجوماً بعملية قرصنة على سير الانتخابات الأمريكية، وهي ما تزال ترتكب المجازر الجماعية في سوريا، وقامت بضمّ شبه جزيرة القرم، وتركز الحديث كثيرا عن استخدام السلاح النووي بارتياح وعفوية.

في كل أسبوع يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طرق جديدة لبث الذعر في العالم، فمنذ فترة قريبة قام بنقل صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية نحو مناطق قريبة من (بولونيا) و (ليتوانيا) ثم قام بإرسال مجموعة تابعة لحاملة طائرات عبرت بحر الشمال والقناة البريطانية، كما هدد بإسقاط كل طائرة أمريكية تهاجم قوات الطاغية السوري (بشار الأسد)، وذكر المبعوث الروسي في الأمم المتحدة ان العلاقات الروسية الأمريكية اليوم هي الأشد توتراً منذ 40 عاماً، والأخبار المقدمة من خلال التلفزيون الروسي محشوة بالصواريخ الباليستية والملاجئ. ويحذر المسؤول عن الدعاية في حكومة بوتين (ديمتري كيسليف) قائلاً “سيواجه السلوك الوقح اتجاهنا بعواقب نووية” ثم ينقل عن بوتين قوله “إذا كان لا بد من القتال فعليك ان توجه الضربة الأولى.”

روسيا في الواقع ليست على وشك ان تخوض الحرب ضد الولايات المتحدة ولغتها هذه ليست سوى تبجح ووعيد، ولكنها في نفس القت تشكل تهديداً للاستقرار والنظام في العالم، وأول خطوة للرد على هذا التهديد هو إدراك ان هذا العداء الروسي ليس اشارة على عودة المحارب القديم بقدر ما هو تعبير عن وهن وضعف روسيا المزمن.

غزوات المحارب فلاديمير

تواجه روسيا على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مصاعب حادة. الشيخوخة تتسع وتهيمن على السكان الذين سيتناقصون بنسبة 10 ٪ في عام 2050.  فقد سقطت محاولات تحديث الدولة واقتصادها بعد المكاسب التي جنتها نتيجة لارتفاع قيمة السلع المنتجة. عوضاً عن ذلك جلس بوتين فوق حكومة متضخمة، فحصة روسيا من الناتج الوطني الذي مصدره الانفاق العام ومؤسسات الدولة ازداد من 35 ٪ الى 70 ٪. في الوقت الذي بلغ فيه النمو الاقتصادي السنوي 7 ٪ والذي رافق بدايات مرحلة سلطة بوتين، بينما الاقتصاد الروسي اليوم في حالة انكماش، ويرجع ذلك بشكل رئيسي الى العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الغرب وكذلك الى مستوى الفساد وهبوط أسعار النفط. ان الكرملين هو الذي يقرر من الذي يمكن ان يصبح غنياً ويبقى غنياً في البلاد. لقد ألقي القبض على (فلاديمير يوفتيشينكوف)، أحد أقطاب ملوك المال، ووضع رهن الاعتقال لمدة 3 أشهر عام 2014 ثم بعد خروجه قام بالتخلي شركته المنتجة للنفط.

ثم لجأ بوتين من أجل مواجهة الوضع الداخلي الضعيف والقابل للانهيار الى تصدير العدوان نحو الخارج. اذ بعد الاحتجاجات الواسعة التي اعقبت تزييف الانتخابات في 2011-12 أظهرت الطبقة الوسطى المتمكنة في المدن انها تتطلع الى دولة عصرية، وفي وقت كانت أسعار النفط ما زالت مرتفعة وتساعد بوتين على شراء الدعم لنفسه.

 اليوم ينشر بوتين سلطته عن طريق شنّ حروب خارجية مع استخدام كل أساليب الدعاية لتحريض وتغذية المشاعر القومية، كما يمتلكه القلق من تقديم أي فسحة للآراء الغربية خشية من ان تصيب النظام السياسي في روسيا الذي لا يحتمل مثل هذه المخاطرة، أي قيام وجود مؤسسات تعزز ازدهار روسيا، كإرساء نظام يخضع للقانون، ووجود صحافة واعلام حر، وترسيخ المؤسسات الديمقراطية وحرية المنافسة، لأن هذه الاجراءات تشكل بمجملها تهديدا مباشراً على وجود دولة بوتين المتعفنة.

بقي (أوباما) يفترض ولمدة طويلة انه بسبب قوة روسيا الأخذة بالانهيار، لهذا لا يستدعي الأمر ان يولي لها اهتماماً خاصاً، غير ان وجود دولة غير مضمونة وضعيفة كروسيا وتملك أسلحة نووية وتشكل خطراً كبيراً قد يتجاوز الخطورة التي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي سابقاً، فعلى عكس القادة السوفييت الذين حكموا بعد المرحلة الستالينية، فان السيد بوتين يحكم وحيداً ولا يخضع لأي (مكتب سياسي) ولم يشهد دمار الحرب العالمية. وقد يستمر بوتين مسؤولاً عن السلطة لأعوام عديدة قادمة ولا يبدو ان الشيخوخة ستحوله الى شخص يتصف بالليونة.

يتابع السيد أوباما إطلاق التقييمات الصحيحة عن (البوتينية) وكان لبعضها التي صدرت عنه اثناء مؤتمر صحفي جرى مؤخراً وقعاً قاسياً، ولكن السيد بوتين تعلم ان يتحدى أمريكا. كما ان العقوبات الاقتصادية المعتدلة التي فرضها الغرب على روسيا تصيب الناس العاديين وتجعلهم في وضع أسوأ، وان كانت تكشف للناس ايضاً عن عدو يفرض عليهم جميعا الاتحاد لمواجهته، انها تقدم للناس شيئاً يمكّنهم من القاء اللوم على سياسة بوتين وكيف قادتهم قتلك السياسة نحو الخراب الاقتصادي.

ايفان الذي يمكن تحمّله

ماذا يجب ان يفعله الغرب؟ الوقت يسير الى جانب الغرب، وقوة روسيا الآخذة بالانهيار لا بد من احتوائها الى حين انهيارها تحت أعباء وتراكم تناقضاتها الداخلية، ويتطلب ذلك ايضاً الإبقاء على احتمال استخدام القوة، لان الخطورة تكمن في التقييمات والحسابات الغير دقيقة. لهذا على أمريكا ان تحتفظ بعلاقاتها المباشرة مع السيد بوتين حتى وان كانت تواجه اليوم تجربة مخيبة للآمال في هذا الشأن، والنجاح لا يمكن قياسه بعدد الخروقات الناجحة او بعدد مرات وقف إطلاق النار، رغم ان هذه مرحب بها في الحالة السورية.. في الظلمة الدامية المخيمة على سوريا، ولكن المقصود هنا هو النجاح في تخفيض فرص التخبط وحالة وقوع خطأ فادح ومدمر قد ترتكبه روسيا في زحمة مصاعبها. وتعتبر الحسابات والتقديرات الخاطئة المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية أسوأ ما يمكن تصوره، لهذا لا بد من الانخراط في محادثات تشمل الرقابة والحد من الأسلحة النووية بالإضافة الى تحسين مستوى العلاقات بشأن الأسلحة التقليدية، اذ لا بد من جعل موضوع الأسلحة النووية مستقلاً عن القضايا الأخرى، أي كما كان الوضع في الحقبة السوفيتية، وان كان هذا يواجه صعوبة  لأنه مع كل ازدياد في انحدارها وهبوطها ستجد روسيا مميزات وافضليات سلاحها النووي.

هناك جانب خلافي آخر يتعلق بالجوار الروسي، فقد أظهرت (أوكرانيا) كيف يسعى بوتين الى تقويض الدول كوسيلة لمنعها من الخروج من دائرة نفوذه. لذا على رئيس الولايات المتحدة القادم ان يعلن، وعلى عكس ما صرح به السيد (ترامب)، انه إذا مارست روسيا اي تكتيك عدائي من هذا النوع ضد أي عضو في حلف (الناتو)، مثل (لاتفيا) او (استونيا)، سيعتبر الحلف ان الهجوم العدواني موجه ضد بقية أعضاء الحلف. وبشكل مستقل، على الغرب ان يوضح موقفه من انه إذا قامت روسيا باعتداء واسع على دول حليفة ولكنها ليست أعضاء في حلف الناتو، مثل (جورجيا) و (أوكرانيا)، سيحتفظ الحلف بحقه في دعم وتسليح تلك الدول.

قبل كل شيء على الغرب ان يحافظ على صلابة وصحة قراراته، والتدخل الروسي في عملية الانتخابات الرئاسية الأمريكية تستحق رداً مدروساً، فالغرب بإمكانه ان يتحمل مثل تلك النشاطات المدروسة التي تقوم بها روسيا. اما روسيا فعاجزة عن ان تقدم للعالم رؤية او أيديولوجية بديلة وجذابة في نفس الوقت. بل على العكس، فان نشاطها يهدف الى زعزعة وتقويض القيم العالمية لليبرالية وذلك بنشر وتغذية الادعاء القائل ان الغرب فاسد ايضاً مثل روسيا وان نظامه السياسي فاسد ومزور مثل النظام السياسي في روسيا، وبهذا تسعى روسيا الى إيجاد غرب منقسم فقد قدرته على صياغة العالم، لذلك على الغرب ان يحافظ على وحدته وصلابته.   





Tags: مميز