on
سهيل كيوان: أطفال السارين
سهيل كيوان: القدس العربي
كان ممكنًا أن يموتوا بمتفجرات عادية مثل تلك التي قتلت مئات الآلاف من السوريين والعراقيين واليمنيين والغزيين والليبيين وتحت أنقاض بيوتهم، كان ممكنًا أن يقضوا غرقًا في بحر أو نهر، أو بردًا أو أن تغرقهم الوحول والسيول في غابة، كان ممكنًا أن يموتوا حصارًا وجوعًا ومرضًا، فقد أصبح كل هذا عاديًا، فلماذا اختاروا لهم الموت خنقا بالسّارين.
حتى طريقة موتهم صارت لعبة، ادعى النظام أولا أن عصابات المعارضة فعلتها لأنها خسرت المعركة على الأرض وهذه ورقتها الأخيرة كي تورط النظام بجرائم حرب ضد الإنسانية، ثم رأوا أن الفكرة ضعيفة فادعوا أن مخزنا لقوى الإرهاب انفجر من تلقاء نفسه، أي أنها كانت إصابة عمل، ثم وجدوا كذبة رأوا أنها أكثر قبولا للتصديق، وذلك أن طائرات النظام قصفت فأصابت مخزنا في مصنع للسارين فأدت إلى ما أدت إليه، ولم يحكوا بعد كل ما في جعبتهم من الكذب والتلفيق، فقد اثبتوا أنهم عباقرة في هذا المجال، ولديهم مستودع اسمه جهاد النكاح، فقد يزعمون أن خبيرة كيماوية عملت لصالح «داعش» في مصنع سري للسارين، وأنها تدربت في شمال إسرائيل، ولكنها قررت الانتحار والانتقام من مشغليها الذين اغتصبوها.
يا أطفال سوريا لستم أبناء الأمريكيين ولا الروس ولا الفرنسيين والإنكليز والأوروبيين، لستم من سلالة شعب الله المختار، لستم من أبناء الأسر الحاكمة في وطن العرب المنكوب، ليس لأهليكم دموع ولا مشاعر ولا قلوب كي ينتفض العالم لأرواحكم التي سالت بدون دماء، فلستم سوى أرقام أضيفت لأرقام سبقتها. هل عرف أحد ما هي أسماؤكم وما هي هواياتكم وأحلامكم، هل عرف أحد من هن أمهاتكم ومن هم آباؤكم؟
في خنقكم بالسارين درس يجب أن تتعلمه الأجيال، عندما يحلم العربي بالحرية يصبح من حق أي واحدة أن تقتله بكل الوسائل، من مسمار حذاء ممثلة أمريكا في هيئة الأمم حتى غاز السارين، ومن حق أي نصاب صاحب لقب عسكري لم يواجه في معاركه سوى شعبه أن يقتلكم ويسجنكم ويعذبكم ويمثل بجثثكم باسم محاربة الإرهاب.
قال ترامب إن قتلكم بالغاز غير مقبول، وهذا يعني أن قتلكم ببراميل المتفجرات وبالقصف المدفعي وبالجرافات وبالسلاح الأبيض والحصار والتجويع مقبول فلماذا قتلوكم بالسّارين؟
كان بإمكان طائرات النظام والطائرات الحليفة أن تقصفكم وتقتلكم بمتفجرات عادية، وسيكون الخبر عابرًا، مثل مئات الأخبار التي سبقته عن مصرع عشرات المدنيين مثلما كان على مدار السنين الست في الرقة والموصل وحلب وحمص ودرعا وغيرها، بالإمكان الاعتراف كما فعلت أمريكا في الموصل، ثم مواصلة حصد الناس كأن شيئا لم يحدث، ولكنهم ضربوا بالسارين وهم مطمئنون بأن ترامب لن يحاسب، بل هذا مكسب له، فهي جريمة تغطي على جريمة الموصل التي راح ضحيتها المئات، وتسقطها من المشهد، غارة السارين تعني أن رأس النظام يتفق تماما مع ترامب وبوتين في ضرورة اقتلاع الإرهاب الإسلامي من جذوره، وهذا ممكن أن يتم بالكيماويات أيضا كما تعالج النباتات الضارة.
أراد النظام إخراج المحادثة التي جرت بعد تفجير سان بطرسبورغ بين ترامب وبوتين إلى حيز التنفيذ، ويعلن أنه الشريك المنفذ وبحماس كبير لما جاء فيها بأنه يجب التعاون والعمل المشترك حتى استئصال الإرهاب الإسلامي من جذوره، وأنتم الإرهاب الإسلامي يا أطفال سوريا، وأنتم جذوره، وأنتم الذين تدفعون ثمن أي عمل إرهابي، سواء جرى في مترو بطرسبورغ أو بار في باريس أو اعتداء على مرتادة ماخور ما في ولاية ما في أمريكا، لأنه سيتم الفحص أولا إذا كان الاعتداء على خلفية إرهابية، وقبل التوصل لأي نتيجة ستدفعون الثمن.
أرادوا القول لكل مقاوم بأنه لا نصير ولا مغيث له، حتى لو استخدمنا الكيماوي مرة واثنتين وثلاث مرات، وأن النظام حصل على حرية التصرف المطلقة بأرواح السوريين، أرادوا القول لذويكم بأنهم يقاتلون عبثا، وبأن النظام مستعد لما هو أفظع من هذا بكثير، والعالم سيدعمه وسيغلق عينيه وراداراته عن أفعاله، وليس أمام ذويكم سوى الاستسلام.
لا تصدقوا استنكار أمريكا ولا ألم باريس ولندن ولا عهر نتنياهو ولا غضب السعودية والخليج وأسف الأردن، ولا انزعاج مصر ولا صدمة السودان وموريتانيا وجيبوتي، ولا اشمئزاز المغرب العربي، ولا قلق الصين واليابان والهند وأمريكا اللاتينية ولا تضامن فلسطين، العالم فقد الحياء منذ حقب بعيدة، فلا تنتظروا إنصافكم من عالم أساسه الخساسة والوضاعة وسحق الضعفاء، لا تصدقوا عالمًا لا يرى الدماء والأرواح إلا من زاوية المصالح، لا تنتظروا شيئا من جامعة الخُشُب المسنّدة العربية، فلا همّ لهم إلا تبادل الخبرات في أنجع السبل لقمع الشعوب ومواصلة إخضاعها والتفنن بالتهرب من مسؤولياتهم، بعضهم يتواصل سرًا مع النظام، وبعضهم يلتمس له الأعذار، وبعضهم يتّبع بوصلة ترامب ليحدد موقفه منكم ومن النظام، وبعضهم ينتقده علنا ويهنئة سرًا وبعضهم ينتقده بقوة، ولكن إذا رفع الناس عنده رؤوسهم صار مثله.
لا تنتظروا مجلس الذئاب الدولي، فنحن نعرف جيدًا أن قراراته تمسي بلا أنياب وتصبح هلامية وتفسّر على مئة وجه ووجه عندما يتعلق الأمر بأطفال العرب وحقوق وأرواح وأرض وبلاد العرب.
فيا أطفال سوريا لماذا جئتم إلى عالم تحكمه عصابات وقضاته حثالات وجيوشه وإعلامه ومثقفوه وحتى فلاسفته إمّعات، لا مبادئ ولا قيم ولا دين ولا مشاعر كأنهم ولدوا من أرحام البواليع وليس من أرحام الأمهات.