رستم محمود: سورية والسلام المستحيل

رستم محمود: الحياة

لم يستطع وفد النظام السوري إلى جنيف 5 تجاوز أكثر مبادئ المفاوضات بداهة، أي «عدم الإهانة»، التي بقي يستعملها كأداة خِطابية ذات دلالات وأبعاد سياسية عميقة. فالحط من مكانة النظير والتشكيك بجدارته ومساواته للذات على المستوى الشخصي، يستبطن نبذاً سياسياً رهيباً. فهؤلاء المعارضون السوريون الذين قال عنهم فاروق الشرع بلسان النظام السوري قبل رُبع قرن بأنهم «لا يستطيعون إدارة مدرسة ابتدائية»، هُم ما زالوا أكثر من ذلك بكثير في القراءة الراهنة للنظام نفسه، فقد أضاف لضُعفهم كُل سمات الشر، ولا يُعرف كيف يستطيع هؤلاء أن يجمعوا بين سمات الشر المُطلقة مع ضُعفٍ ومهانة أكثر إطلاقية.

بمستويات أقل حدة، يتقاسم المعارضون السوريون منطق النظام نفسه. الإسلاميون بدرجاتهم ينعتون النظام بكُل سمات الشر والعنف والطائفية المُطلقة. وهي سمات وإن صحت بحق النظام السوري، فإنها أداة للإسلاميين ليخفوا ما يكتنزونه من هذه الصفات بالضبط، وهُم بمسار آخر مواز لهذا، يشبهون النظام من خلال الحط من جدارة وأهلية مُعارضيهم المحليين في مناطق سيطرتهم، المدنيين الديموقراطيين الفاعلين على أقل تقدير. وهي علاقة تكشف ما يُمكن أن يفعلوه بكل السوريين فيما لو دانت لهم الهيمنة في وقتٍ ما.

الأمر نفسه ينطبق على شكل علاقة حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي مع «أعدائه» الإسلاميين ومُعارضيه الكُرد المحليين. ففيما الأولون يجمعون بين الشر والقوة، فإن الآخرين نتاج خلط الضُعف بالخسة والعمالة.

لا يبدو كُل ذلك بعيداً من التاريخ السياسي لشعوبنا وجماعاتنا الأهلية. إذ لا تكاد الذاكرة الجمعية تشهد على «مساومة» كُبرى شهدتها إحدى جماعاتنا الأهلية أو السياسية مع أخرى نظيرة وندية لها. فالحروب والغزوات التي غطت كامل السردية والذاكرة الجمعية التاريخية لمُجتمعاتنا، لم تكن تنتهي إلا في أحد شكلين: إما أن يمحق أحد الطرفين الآخر النظير، أو أن تتدخل الدولة السُلطانية لتفرض سلاماً على شكل حرب باردة بين الطرفين، أشبه ما تكون استراحة موقتة لإتمام عمليات المحق والإخضاع فيما بعد.

يكمنُ الاستعصاء السوري في عدم قُدرة أي طرفٍ سوري على تحطيم الآخر تماماً، فلم تنتصر الثورة السورية ولم يسقط النِظام السوري. كذلك ثمة غيابٌ لأي قوة – دولة «سُلطانية» عالمية أو إقليمية، تستطيع أن تفرض سلاماً على المُتحاربين السوريين.

المعترضون السوريون يعرفون تماماً ما قد يواجهونه فيما لو انهزمت الثورة السورية وعادت سورية إلى حظيرة نظام الأسد. فالنظام الذي وصل إلى أعلى درجات وحشيته بعد مجزرة حماة في أوائل الثمانينات، سيُفظّع بالمُجتمع السوري أضعاف ما فعل وقتذاك، بدلالة أفعاله التي ضاعفت ما حصل قبل ثُلث قرن، وفي ظِلال تماهٍ غير خفي مع الأقوياء على مستوى العالم.

لا يستطيع المُعارضون السوريون الاستسلام من دون ضمانات واضحة بأن مصيرهم لن يكون بيد نِظام الأسد في شكلٍ مُطلق، وهو الشيء الوحيد والمباشر الذي يطلبه النظام ليوقف حربه ضدهم.

مُقابل ذلك، فإن النظام السوري وقواعده الاجتماعية المُنخرطة في هذه الحرب، يدركون تماماً بأن المجتمع السوري الأوسع بات يعتبرهم قوة احتلال «غاشمة»، وأن مصيرهم المُستقبلي سيتطابق مع ما تكتنزه ذاكرتهم عن «المظلومية» التاريخية التي لحقت بهم كأقلية أهلية، سيُضاف لها كُل ثأر فظائع السنوات السابقة، ورُبما عشرات السنوات السابقة من حُكم النظام الأسدي. بمعنى ما، لا يستطيع هؤلاء الاستسلام لأي مصيرٍ غير معروف العواقب في شكل مؤمن تماماً.

فوق ذلك، فإن المتحاربين السوريين يدفعون أثمان الثنائيات المُتضادة الزائفة، بين روسيا والولايات المتحدة على مستوى العالم، وبين إيران وتركيا، بين قوى الربيع العربي ونظيراتها المحافظة في المستوى الإقليمي، وبين الطبقات الميسورة ونظيرتها المحطمة، وبين الإسلاميين و «المدنيين» على المستوى المحلي. فمع ظهور جميع هذه التباينات كثنائيات مُتضادة، فإن مصالحها وسياساتها تبدو حقيقة متداخلة وشريكة في أكثر من مستوى في المسألة السورية، وأي منها لا يملك مصلحة حقيقية بأن يصل السوريون إلى مساومة تاريخية، يُعاد معها رسم سورية بهوية وموقع جديدين. فأي فرقٍ واضحٍ بين السياسات الروسية والأميركية في سورية مُنذ ستة أعوام مثلاً، وأي تباينٍ بين مواقف الجزائز وتونس من المسألة السورية مثلاً! وعلى الدينامية نفسها يحصل التناقض بين الخطابات والسياسات الفعلية للمُستقطبين حول المسألة السورية، التُركية والإيرانية والمصرية على سبيل المثل.