مترجم: (بشار الأسد) منافق طائفي واستعماري جديد

باري روبين- بارتنيرشيب بلوغ- ترجمة محمود محمد العبي: كلنا شركاء

لخص النائب ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في المملكة المتحدة كريسبن بلانت الأزمة في سوريا في برنامج لفيكتوريا ديربيشاير على بي بي سي في ديسمبر/ كانون الأول عام 2016، بخط مهمل حيث رأت الأقليات في سوريا مصالحها محمية بشكل أفضل من قبل نظام الأسد، ولذا تمتع النظام بدعم أكبر بكثير مما كان مُتوقعاً. هذا من نائب محافظ يؤثر تأثيراً كبيراً على السياسة الخارجية لحكومة المملكة المتحدة، الذي من المفترض أن يفهم أساسيات خلفية الصراع في سوريا.

وقال أيضاً شيئاً من هذا القبيل في مقال نشر في صحيفة اليمين الوسط في المملكة المتحدة الديلي تلغراف في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2016:

“شجع موقفنا [من مطالبة الأسد بالرحيل] استحقاق وتشكيل الجيش السوري الحر، الذي فشل في إسقاط نظام أقوى وأعند مما كنا قد توقعنا. بطريقة مزعجة، تمتع النظام أيضاً بدعم من الأقليات في سوريا، فضلاً عن السنة الأكثر علمانية، وجميعهم يتطلعون لحماية النظام من قوات الإسلام الثوري الأكثر أصولية.

هذا يذكرني بقوة بمقال أكتوبر/ تشرين الأول 2016 بقلم ياسين الحاج صالح الناشط السوري الذي يناضل ضد نظام الأسد منذ أكثر من 35 عاماً:

“لقد أصبح نظام الأسد ممثلاً عن العالم الداخلي الأول في سوريا- البيض السوريين. أعتقد أن النخب في الغرب تجد بشار الأسد مقبولاً أكثر من المحاورين المحتملين الآخرين. حيث يرتدي بشار بدلات رسمية باهظة الثمن وربطات العنق، وفي نهاية المطاف، تفضل هذه النخب فاشياً بربطة عنق على فاشي ذو لحية. وفي الوقت نفسه، لا يرونا- الشعب السوري. أولئك الذين يحاولون ممارسة السياسة، أصبحوا في عداد المفقودين…….. هم [نظام الأسد] يوظفون الطائفية بوصفها استراتيجية للسيطرة، كوسيلة للاستيلاء على السلطة إلى الأبد. حيث يقولون علناً في شعاراتهم الخاصة: “الأسد أو نحرق البلد”، و “إلى الأبد، إلى الأبد،” في إشارة إلى الإمساك بزمام السلطة المطلقة على البلاد…….. في العلمانية، هناك أصلاً فكرة عدم التمييز بين الناس على أساس دينهم أو المجتمع الطائفي. هل هذا هو الحال في سوريا الآن؟ لا ليس كذلك. إذا كنت علوياً، فرصك في الحصول على وظيفة أو امتلاكك للسلطة الحقيقية في المجتمع هي أكبر مما لو كنت سنياً أو عضواً في جماعة أخرى”.

الحقيقة الجوهرية حول نظام الأسد هي أنها كانت دائماً حول الاحتفاظ بالسلطة بأي وسيلة في الوقت الذي يستغل النظام غالبية الشعب السوري. حيث أبقى استخدام التعذيب المنهجي والتقسيم الاجتماعي العدواني العصابة/ الزمرة الفاسدة حول عائلة الأسد في السلطة منذ عام 1970. والمحرك الرئيسي للانتفاضة ضد نظام الأسد هو مطلب شرعي للشعب السوري لتشكيل حكومة تمثيلية تحل محل دكتاتورية عصابة/ زمرة الأسد. ووفقاً لإميل حكيم، تضمنت سوريا في ظل نظام الأسد طائفية مخفية بشكل دائم:

“كانت الآثار المترتبة بالطبع أن سوريا في ظل نظام الأسد كانت مختلفة: على عكس الأنظمة السياسية المنقسمة في لبنان والعراق، فقد حققت شعوراً متفوقاً من الانتماء والهدف الوطني. قيل لي أن الطائفية ليست قضية. وللتأكد، لم تكن سوريا ديمقراطية، ولكن تزوج بشار الأسد امرأة سنية ارتدت ملابساً غربية أنيقة، حيث يمكن للمرأة أن تتجول مظهرةً شعرها، وكان الكحول متاحاً (هذا هو التحرر من النوع الذي يناشده الجمهور الغربي). شغل كثير من السنة مجالات عالية في الأعمال والسياسة والجيش، ويمكن للأقليات أن تعبدهم طالما ظلوا موالين لعائلة الأسد. لا عجب أن هذه الصورة لسوريا أخفت جزئياً بتفكك البلاد خلال الـ 15 عاماً الماضية. في حين يعترفون أنها لم تكن مثالية، لا يمكن لكثير من أولئك الذين يتحسرون على سوريا الأمس أن يجدوا العلاقة بين هذا السرد الرومانسي والكارثة الحالية….. في الواقع، في سوريا كما هو الحال في لبنان والعراق، كانت كل المكونات للتمرد الكارثي والعنيف الاضطرابات موجودة مسبقاً. حيث يرجع الانفجار والغضب وتسليح المشاعر الطائفية بشكل كبير للظروف والوكالة المحلية والبنية السياسية وخيارات القيادة”.

في حين أن نظام الأسد يقدم نفسه للسذج على أنه علمانياً وتعددياً، ينقل شعار ميليشيات النظام: “الأسد أو نحرق البلد” الواقع. ثم يمضي إميل حكيم في الوصول إلى قلب النظام: حافظ الأسد بعد الانقلاب العسكري في عام 1970:

“لهذا السبب، نظام الأسد علمانياً ومتعدداً. والدليل؟ هناك قائمة طويلة من السنة الذين يخدمون في المستويات العليا في نظام الأسد وفي رتبه العسكرية العالية، والحقيقة أن معظم السنة يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام، والطاعة والدعم من الطبقات الحضرية والتجارية السنية وكذلك القبائل الهامة…… ولكن ما لم يتم ناقشه هو الدوافع والحوافز والعمليات الحسابية لهذه الجماعات. هناك القليل عن نظام الاختيار والإقصاء والإكراه الذي بناه نظام الأسد منذ ما يقرب من خمسة عقود. حيث رأى حافظ الأسد في البعثية كأيديولوجية لم يتم تجاوزها ببساطة وإنما سحقت الأشكال الأخرى للهوية في سوريا عندما تم تركيز القوة في أيدي علويين مختارين. وبطبيعة الحال، لاقت هذه التجربة في الهندسة الاجتماعية والقومية العربية فشلاً في جميع أنحاء المنطقة…… وبطريقة نموذجية، اعتمد النظام استراتيجية فرق تسد. لقد روضت العشائر السنية السكان في حلب خلال حكم حافظ الأسد مقابل النفوذ والفوائد المحلية. عندما سيطر الثوار على القسم الشرقي من حلب، اندفعوا لقتل رئيس عشيرة بري، وهو السفاح الذي شغل منصب المنفذ المحلي للأسد. في الجزيرة، تم تكليف القبائل العربية في قمع واحتواء الأكراد، وتمت مكافأتهم لقاء ذلك بالأرض وغيرها من الفوائد.

لدى وجهة النظر المستشرقة لسوريا مقسمة ميؤوس منها بحاجة إلى حاكم مستبد قوي تاريخاً طويلاً تعود إلى حجج مماثلة تكونت عبر الاستعمار الفرنسي عندما كانت بلاد الشام مقسمة بعد الحرب العالمية الأولى مع انهيار الإمبراطورية العثمانية. في عهد الانتداب الفرنسي (1920-1946)، تم اتباع تكتيكات فرق تسد على نطاق واسع. وهذا يعكس حجج المدافعين الغربيين عن الأسد ونفاق نظام الأسد الوحشي. حيث يصف دانيال نيب وجهة النظر الاستعمارية لسوريا بعد الحرب العالمية الأولى:

“يسلط المؤرخون الضوء على أن المصالح الفرنسية الخاصة في سوريا ولبنان مستندة لثلاثة عوامل واضحة. كان الأول دورها بوصفها مدافعة عن الكاثوليك في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي نشأ في القرن السابع عشر وتم تعزيزه على مر السنين عبر شبكة عمل متزايدة من المبشرين والتربويين. كما يشير فيليب خوري، بنت هذه العلاقة التاريخية بين فرنسا والمسيحيين العرب بالضرورة خلافاً بينهم وبين الأقلية المسلمة. عبر الهوية الدينية المبالغ فيها بشكل مفرط كأهم العلاقات، رأى الفرنسيون بلاد الشام كفسيفساء هشة معقدة لمجتمعات عرقية ودينية تخوض الصراع الداخلي. وتم النظر لكل هذه المجتمعات على أنها منفصلة وقائمة بذاتها. حيث كان يُنظر إليها على أنها تعيش جنباً إلى جنب مع بعضها البعض في حالة من عدم الثقة المتبادلة الدائمة. وكان الظن أن المجتمع المشرقي سيكون مجزأً بحيث لا يمكن ضمان السلم الاجتماعي إلا عبر حامي خارجي يقف على المشاحنات الصغيرة للمجتمعات المحلية. ومن هنا، تم ضبط الخلافات بين المسيحيين والمسلمين والسنة والشيعة والدروز و”العلويين، والروم الأرثوذكس والكاثوليك والأكراد والتركمان والشركس والبدو عبر اللوبي الاستعماري لدعم حجج الاحتلال. بالنسبة لهم، كان الحكم الاستعماري في مصلحة المنطقة الموضوعية، حتى لو حالتهم غير حضارية أنهم لم يكونوا في وضع يمكنهم فيه من التعرف على هذه الحقيقة عن أنفسهم. وكانت هذه الحساسيات الأبوية أكثر من مجرد خطاب لإخفاء مصالح فرنسا المادية الباطنية. أظهرت الرؤى الفرنسية لمجتمع فسيفساء الاستراتيجيات التي سعت سلطة الانتداب بوعي لحكم بلاد الشام”.

وكان هذا النفاق المستشرق للانتداب الفرنسي الذي وضع الأسس للنظام الاستعماري الجديد لعصابة/ لزمرة الأسد. بل هو أيضاً هذه المواقف نفسها التي تحظر أي إجراء فعال من قبل الديمقراطيات الغربية لتمكين الشعب السوري من الحصول على حكومة تمثيلية حقيقية. يصف فيليب خوري كيف وضع الفرنسيون الأساس للعناصر الانتهازية في عهد الاستقلال للقوات المسلحة في سوريا التي مكنت الانقلاب العسكري الذي أنشأ نظام الأسد القمعي:

“ثمة عامل آخر في عهد الانتداب ساهم بشكل كبير في تطرف الجيش بعد الاستقلال ألا وهو بشرته المتغيرة. حسب الأسلوب الفرنسي، وضع الجيش البشرة الريفية والأقلية، والتي ظهرت فيها الطائفة العلوية بشكل بارز. وكان هذا ينطبق بشكل خاص على الرتب العسكرية في الجيش. وبحلول نهاية الانتداب، كان العديد من كتائب المشاة في الفرق الخاصة- [القوة المستعمرة الفرنسية السورية التي أضحت جيش سوري]- مشكّلة كلها تقريباً من العلويين. لم يكن أي منها من العرب السنة بشكل تام، وحتى كان أولئك القلة القليلة من أسراب الفرسان مع مكون عربي سني هام ممتلئة إلى حد كبير بعناصر من المناطق الريفية والمدن النائية. فضل الفرنسيون الأقلية والمجندين من المناطق الريفية لسبب واضح؛ لأنهم كانوا بعيدين عن الأيديولوجيا السياسية المهيمنة في سوريا- القومية العربية. وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت ‘حالة الاقتصاد المتدهور “للمجتمعات الريفية والأقليات السورية في تسخير الجيش لحركتهم الاجتماعية. في هذه الطريقة، أصبحت الرتب الدنيا للجيش، من بينهم ضباط غير مكلفين، حكراً على العلويين والدروز والسنة من المناطق الريفية. لأن العلويون كانوا الأقليلة الأكبر وربما الأفقر في البلاد، كانوا ممثلين في الجيش بشكل أكبر. ومع ذلك، لم يكن تأثير العلويين مُلاحظ لجيل كامل بعد الاستقلال. شغل الضباط السنة المكلفون مقاليد السلطة في الجيش في السنوات التي تلت الاستقلال، وجاء العلويون فقط للسيطرة على الضباط السوريين في الستينات، بعد عمليات التطهير لرتب الجيش العليا للضباط السنة. رأت الحكومات السورية في هذه السنوات- مثل الفرنسيين قبلهم- العلويين بعيدين عن الصراعات السياسية السورية، وبالتالي محايدين سياسياً…… للتعبير عن أهدافهم وتطلعاتهم، كان صغار الضباط الصاعدين من العلويين والدروز ومن المناطق السنية الريفية بحاجة لأيديولوجية. ومنا هنا، قدمت البعثية إطار من الأفكار مرنة بما فيه الكفاية لتحقيق أغراضهم. وأكد برنامجها على الإصلاح الزراعي وتدابير اقتصادية الأخرى أكثر عدالة وشنت هجوماً حاداً ضد الطائفية الدينية. في حلول الخمسينات، بدأ هؤلاء الضباط باختراق حزب البعث من خلال قاعدته في الجيش السوري، وعززت كل مؤسسة تطرف الأخرى. معاً، حطموا الأسس الاقتصادية والاجتماعية لسلطة النظام القديم واستبدلوه بالخبرة السياسية للقوميين المخضرمين بطريقة جديدة، وفي نهاية المطاف، أكثر فعالية من اللعب بالسياسة”.