on
د. حبيب حداد: المسألة السورية ومستقبل الحل السياسي
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
هكذا اذن تحولت نظرة المجتمع الدولي ,ونظرة الرأي العام العربي عامة , الى انتفاضة الشعب السوري الجماعية السلمية التي كانت في جوهرها مشروع ثورة تحررية وطنية تمحورت اهدافها في ضرورة انجاز عملية انتقال شاملة لمجتمعنا من حياة الاستبداد والتخلف والاستعباد الى دولة الحق والقانون والمؤسسات اي دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات . فلم تكد تنقضي اشهر معدودات على انطلاقة هذه الانتفاضة الشعبية العفوية حتى تكالبت عليها كل القوى والجهات المعادية ,ولنقل بصورة أكثر وضوحا وتحديدا كل القوى والجهات المعادية لاستعادة سورية لدورها التحرري النهضوي القيادي المعهود سواء على صعيد امتها العربية ام على صعيد كل قضايا الحرية والعدالة والسلام في العالم أجمع . تكالبت عليها كما اصبح معروفا للقاصي والداني مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية لتحرفها عن مسارها وتغتال اهدافها وتشوه هويتها فتبعدها في نظر العالم من ثورة تتبنى قضية عادلة ومشروعة دوليا واخلاقيا وانسانيا الى أزمة معقدة متشابكة الأسباب والأبعاد , ومن ثم الى مسألة تحظى في الوقت الحاضر بالأولوية في اهتمامات الدول الضالعة فيها والتي تتعامل معها كما هو متوقع من منطلق مصالحها بالدرجة الأولى , ولم يكن مستغربا بعد ان انحدر واقع الشعب السوري الى هذا الدرك من التدمير الذاتي والى هذا المستوى من التواطؤ الخارجي ان يصبح وجود الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره وصنع مستقبله و من خلال المحنة التي يعانيها اليوم ,في مقام المشكلة الدولية التي ينظر اليها كتهديد خطير لسلام العالم وامنه . كما لم يكن أمرا مستغربا ان تركز المجموعة الدولية اهتمامها الأكبر في معالجتها الراهنة لتداعيات هذه المشكلة على جانب منها وهو المتعلق بخطر ظاهرة الإرهاب والتطرف , وعلى تبعات مواجهة استمرار تدفق امواج اللاجئين على حساب المساعدة الجدية والفعلية في معالجة جذور واسباب هذه الظاهرة في مجتمعاتنا العربية وغيرها من المجتمعات التي ما زالت تعاني وضعية التأخر والركود والفوات التاريخي عن ركب التقدم العالمي .
لكن السؤال الذي ظل يطرح نفسه على الدوام هو : لماذا وصلت اوضاع سورية الى الحال التي هي عليها الآن ؟ ولماذا انتهى مشروع الثورة السورية الوطنية التحررية الى المأساة التي يعيشها شعبنا اليوم حيث يواجه مخاطر وتحديات وجودية تستهدف وحدته الجغرافية والسياسية وتاريخه الحضاري والانساني , وتكبت تطلعاته في مستقبل افضل ؟ . اليوم حتى اكثر المزاودين تطرفا وصخبا من تشكيلات المعارضات الخارجية الذين رفعوا منذ البداية الشعارات الحربجية عن ان الأسلوب الوحيد لإنهاء نظام الاستبداد الشمولي القائم وتحقيق الديمقراطية هو اسلوب الكفاح المسلح , اليوم يعترف هؤلاء ان نتائج السير في طريق العسكرة خدمت من حيث النتيجة خطط النظام وحلفائه من جهة وادت الى عسكرة الثورة وحرفها عن مسارها الطبيعي ومن ثم تدويلها من جهة اخرى . لقد حدث كل هذا بعد ان هيمنت عليها نتيجة دفعها في هذا الطريق الدول الإقليمية والأجنبية الضالعة في شؤون المنطقة ولتصبح القضية السورية اليوم البؤرة الساخنة المتفجرة في ساحة الحرب الأهلية المذهبية المدمرة التي تجتاح المشرق العربي والتي تنذر في حال عدم وضع حد عاجل لها بتدمير وتمزيق بلداننا والإرتداد الى وضعية القرون الوسطى .تلك الوضعية التي لا تخدم من وجهة نظرنا مصلحة اي من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية باستثناء طرفين اثنين هما المخطط الصهيوني من جهة وقوى التطرف والتكفير والارهاب من جهة ثانية .
لقد ادعى اولئك الذين نادوا بعسكرة الثورة منذ اشهرها الأولى, على مختلف مواقعهم وتوجهاتهم ,والتي تراوحت من اقصى اليسار الى اقصى اليمين حسب التصنيفات المعتادة في مرحلة الحرب الباردة , الذين اكدت مواقفهم وممارساتهم طوال السنوات الخمس الماضية انهم من طينة واحدة وان تباينت التصنيفات والتسميات التي ظهر فيما بعد انها كانت شكلية وسطحية , ادعوا انه لا بد لكسر شوكة النظام الذي استخدم الأسلوب القمعي الوحشي في مواجهة الحراك الشعبي ,لابد من مواجهته بنفس اسلوبه ولا بد لتحقيق الانتصار عليه من تعديل ميزان القوى على الأرض ,وتعديل هذا الميزان لن يتحقق الا بالعسكرة وما تستلزمه من انخراط في اجندة الدول الخليجية والاقليمية التي ستساعدنا ما هو مطلوب في حربنا ضد النظام وفي بناء سورية الموحدة والديمقراطية !!!! هنا افتتح المسرح لمكر وحقد التاريخ كي يفعل فعله : معارضون سوريون يؤدي بهم عبثهم وقصور وعيهم واستهانتهم بقضيتهم الوطنية ان يدخلوا في مراهنات وهمية خاسرة لا يبررها منطق اوعقل ولا تدعمها دروس التاريخ القريب او البعيد , ولعل قمة العبث في وعيهم وسلوكهم ما ذهبوا اليه حول مفهوم تعديل ميزان القوى على الارض حين اعتقدوا ان ميزان القوى هذا يتعلق بفعالية ودور الاطراف المتصارعة بما فيها قوى النظام وحلفاؤه من جانب ,وقوى المجموعات الارهابية التكفيرية المسلحة التي تحالفوا معها وكانت نويات الجيش الحر اول ضحاياها من جانب ثان . هكذا وجه هؤلاء بمواقفهم وممارساتهم الطعنات المسمومة لروح الثورة وقيمها عندما عملوا على تغييب وهدر وتدمير القوى والمقومات الحقيقية للثورة المتمثلة بالحفاظ على هويتها وصيانة وحدة شعبها الوطنية وكسب ثقته , وعدم التفريط بقرارها الوطني المستقل والتعبير عن ذلك بواسطة خطاب عقلاني واقعي واع يجسد الحد الأدنى المطلوب من الاخلاص للحقيقة , واحترام التعددية وحرية الرأي والاختلاف تجاه مختلف اطراف الحركة الوطنية الديمقراطية السورية , خطاب يتعامل مع الرأي العام العالمي بمنطق القرن الواحد والعشرين لا بمنطق الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي .
اليوم وازاء التطورات الأخيرة التي شهدتها المسالة السورية فيما يتعلق بضرورة اتخاذ الخطوة الأولى في طريق الحل السياسي . الذي تعلن جميع الأطراف المعنية بهذه المسألة ان لا حل سواه , والمتمثلة بوقف الأعمال العدائية للتوصل الى وقف شامل للحرب , وبعد فشل المحاولتين اللتين اتفقت عليهما الدولتان الراعيتان اللتان تملكان زمام حل المسألة السورية ,اي روسيا الاتحادية والولايات المتحدة , سواء تلك التي اتخذت في شباط الماضي ام الأخيرة المتخذة اواسط شهر أيلول الحالي فان الوضع الحالي ينذر بالمزيد من ويلات هذه الحرب وكوارثها التي لن يكون الا شعبنا وما تبقى من كياننا الوطني ضحيتها الدائمة . فهل يمكن ان نتوقع حدوث انفراج وتوافق بين مواقف الدولتين يعززان من جديد امكانات معاودة احياء مفاوضات الحل السياسي وفق قوانين الشرعية الدولية ذات الصلة ,ام ان الأمور كما يتوقع العديد من المراقبين ذاهبة في المدى المنظور الى المزيد من التصعيد والتدمير في ساحات القتال و استهداف ما تبقى من بنى الدولة السورية . لقد اتضح لكل مواطن سوري ,ولكل مراقب محايد, وبما لا يدع مجالا للشك , ان كلا من الطرفين المتقاتلين لم يقتنع جديا حتى الأن بضرورة الوقف العاجل لهذه الحرب العبثية المجنونة والسير في طريق الحل السياسي . فالنظام من طرف كما يعلن رأسه باستمرار وكما اعلن وزير خارجيته يوم امس في خطابه امام الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة ما يزال يراهن على استعادة جميع المناطق السورية الخارجة عن نطاق سلطته , والهيئة المنبثقة عن مؤتمر الرياض , وعلى الأصح الدول التي تقف وراءها وتحركها , .ما تزال ترفض اتخاذ موقف واضح وتفك ارتباطاتها مع جبهة النصرة – فتح الشام – وملحقاتها التي هي في حقيقتها ليست الا فروع لمنظمة القاعدة الأم , ولا علاقة لها باهداف الشعب السوري في الحرية والديمقراطية والتقدم حتى ان كلمة سورية ليس لها مكان في قاموسها الارهابي الغارق في ظلام التخلف . امام هذا الوضع الصعب الذي يتسم بانسداد افاق الحل السياسي مرحليا الذي وما يترتب عليه من نتائج كارثية على مصير بلدنا وعلى الوضع الدولي كله هل بامكان القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية السورية ان تفعل شيئا لتجاوز هذا المأزق ؟
اقرأ:
د. حبيب حداد: مصير الوطن المهدد في غياب الإرادة الشعبية الموحدة
Tags: محرر