منير درويش: الياس مرقص في ذكرى وفاته السادسة والعشرين

منير درويش: كلنا شركاء

مرة أخرى ومنذ عقدين ونصف من الزمن ونحن نكتب عن الياس مرقص في ذكرى وفاته 26/ 1 / 1991، ذلك النبع الكبير في الثقافة والسياسة والأدب ، لم يكن قد تجاوز الستين من عمره إلا قليلا لكن الأعمار لا تقاس لبعض الأشخاص فقط بالسنين بل بما يقدمونه في حياتهم من خدمات كالوعي والإنتاج والعمل أيضاً ، غلبه المرض رغم أن السجن ومصائب سياسية وثقافية لم تستطع أن تغلبه ، بقي صامداً في وجه جميع المحاولات التي تعمدت أن تنال من شخصه أو وعيه وثقافته وكان دفاعه دوماً مزيد من الثقافة ومزيد من العطاء في التأليف والنشر حتى يمكن أن يوصف بأنه واحد من أكثر المثقفين إنتاجاً وبقي يعطي حتى اللحظات الأخيرة من حياته ، وإن عجز عن الكتابة بالقلم فقد سطرها عبر التسجيلات الصوتية .

لم تكن ثقافته سطحية بل في عمق الأحداث ملتصقة بالشعب ومعبرة عن مصلحته وتطلعاته .

العقل ، العقلانية ، الوجود ، الهوية والاختلاف ، الحقيقة فوق كل شيء ، الحزب ، الدولة و المجتمع ، الإيديولوجية ، الحضارة والتقدم ، الوعي ، الديمقراطية ، سلسلة من الكلمات تناولها الياس بالبحث والدراسة والتدقيق لكل منها مفهومها ، مفاهيم كانت موضع جدل على طول القرن العشرين الذي عاش فيه وعايشه واستمر حتى اليوم ، كلمات لها مدلول ومفاهيم لها معاني ، لذلك كان يقول ، ” من لا يفهم الكلمات لا يعرف البشر ” الكلمة عندنا لا تساوي شيئاً لأننا ننزع عنها معناها ونفسرها كما نشاء ، لذلك يقال بالعامية ( تحاسبني على كلمة ؟ ) .

لم نعرف عن عائلته الصغيرة التي أوصانا أن نبقى على التواصل معها بعد وفاته شيئاً وقد أعطيناه وعداً بأننا سنبقى معها وتبقى معنا كما أراد وترانا مقصرون في هذا المجال ، لكن إرثه السياسي والثقافي والأدبي لا زال موجوداً بقوة يتداوله الأشخاص الذين يرغبون أن يتعلموا أو يضعوا تطور الوعي في المراتب التي تؤهلهم للتأثير بقوة في مجتمعاتهم وبالتالي لا يمكنهم تجاهل هذا الإرث في كل المحن والنكسات وفي ظل الأحداث والأزمات الصعبة التي مرت وتمر بهذا الوطن وهذه الأمة .

كتب عن الاشتراكية والديمقراطية والوحدة ، واجه الاستبداد والديكتاتورية ، استبداد السلطة والمجتمع ، وكتب عن الحاضر لم يصغي له إلا القليل وكتب عن المستقبل دون اهتمام يذكر لأن عجلة التاريخ في مجتمعاتنا تسير للوراء وتستقوي بالماضي ،راودته كما راودتنا أحلام جميلة كنا نراها قابلة للتحقيق بوجود الإرادة والأداة لكننا استيقظنا على الكارثة لنجد أننا في وهم ، فالواقع أكبر من أحلامنا وأدواتنا قاصرة عن مواجهته .

مجتمعات وعيها جامد ومتخثر ، دعاتها أقوى من مثقفيها ليس لأنهم الأقدر بل لأن المثقفين هم الأضعف ، حاول مع غيره أن يدفع بهذا الوعي للأمام لتلاقي التطورات العالمية المتسارعة لكن الجبل الذي صدها كان أصعب من أن يدرك قمته ، قال قولته الشهيرة ” الأمم تتقدم ونحن نتأخر ، تبني ونهدم ، هي تصنع ونحن نستهلك ، مواردها من أجل الأجيال القادمة كي لا يبقى فيها فقيراً وأمياً ، أبحاث وبرامج وسرعة اتصال وتقدم ومواردنا نهديها لهم ملذات وعمارات وأبراج هي الأعلى في العالم وسيارات فارهة ، وعلى الناحية الأخرى من الطريق يزداد الفقر والجوع والحرمان وتتفشى الأمية والنهب والاستغلال ، هم لديهم اقتصاد يؤسس للإنتاج ونحن لدينا المال الذي يغرقنا بالفساد ، نرفض مفاهيمهم ونلبس ( بالاتهم ) ثيابهم المستعملة ونتباهى بها . هم عندهم دول وقوانين ونحن عندنا بلدان محكومة بالرغبات . سياساتهم خطط وبرامج وتجارب لخدمة شعوبهم وسياساتنا مشاعر وخطابات ومصالح شخصية متفوقة على مصلحة الوطن .

لم يكن متدينا لكنه أحب الله ، زفرة الإنسان المضطَهد على الأرض وملجأه في وجه الظلم والظالمين ، وأحب رسله لأنهم رحماء عادلون ، كرماء مسامحون ، يحبون الإنسان ويضحون من أجله كي ينعم بإنسانيته وهم قدوته كي يعيش بأمان واطمئنان ، يريدونه قوياً ويرفضون أن يكون ذليلاً ، شعارهم ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) .

التقى بياسين الحافظ وجمال الأتاسي ، وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي وحافظ الجمالي وغيرهم الكثير من المثقفين السوريين ومثلهم مثقفين من البلدان العربية ممن تركوا بصمات واضحة على الثقافة والسياسة السورية وباقي البلدان العربية ، انصب نقدهم على عمق المجتمع وبنيته والأدوات التي تسيره وليس على سطحه ، ديمقراطيون علمانيون لكن علمانيتهم ليست في مواجهة معتقدات الآخرين بل في توحيد جهودهم لبناء وطن مشترك للجميع ودولة ديمقراطية لا تفرق بين مواطنيها بأي شيء ، دولة حيادية عن جميع المعتقدات تحافظ على جميع الحقوق لمكوناتها تساوي بينهم وتحفظ كراماتهم وحرياتهم وثقافاتهم ، التنافس الديمقراطية أساس السياسة فيها ، يحكمها نظام سياسي ديمقراطي تعددي يتيح حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي بكل مستوياته ومتطلباته . علمانيتهم في إطار الشعار الكبير ” الدين لله والوطن للجميع ” الذي وحد قوى الشعب بكل فئاته وتوجهاته في مواجهة الاستعمار وهزمته قبل أن تأتي قوى الظلام المتحالفة مع الاستبداد وتتنكر له وتضع نفسها قاضياً في محاسبة البشر .

المواطن الإنسان هو أثمن شيء على هذه الأرض إنجازاته كبيرة يجب صيانتها المحافظة عليها ، والحروب عدو الإنسان لا تخلف إلا القتل والدمار والخراب هذا بعد ما شهده من دمار في الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية وعند وصوله إلى بلجيكا لدراسة الفلسفة في منحة دراسية ، لا مواطن بدون وطن يعطيه أسمه ولا وطن بدون مواطن يبنيه ويحميه ، الوطن دون مواطن مجرد بقعة جغرافية لا يد تعمل فيها ولا فرد يحميها ، لكن للمواطن حريته وكرامته وإنسانيته وحقوقه بكل ما فيها وخاصة السياسية تلك الصفة التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى والنامية في الدول المتقدمة والغائبة أو المغيبة في مجتمعاتنا ، إنها الوسيلة التي تحرر الإنسان من القيود وتدفعه للتضحيات وتجعل منه مناضلاً يسعى من أجل الآخرين ويضحي في سبيلهم .

كان الياس مثقفاً عضوياً على النمط الغرامشي ومثقفاً شعبياً ولكنه ليس مثقف حزب أو مثقفاً شعبوياً يسعى لمسايرة التوجهات العامة الشعبية بكل ما فيها من أوهام والتزام انتهازي لخط الجماهير ( التي لا تخطىء ) كما اعتقدت السياسات العربية ، لذلك توجه ساعيا مع ياسين الحافظ وعبدالله العروي وغيرهم لتعزيز الوعي العقلاني والوطني الديمقراطي العلماني كي يأخذ مكانته في المجتمع وفي السياسة ويؤثر فيهما .

لقد كنت يا أبا زياد مَعينا لنا في تشكيل وعينا ، وسنبقى نكتب عنك طالما بقي القلم في يدنا .





Tags: محرر