ثائر الزعزوع: تجميع (البزل) السوري

ثائر الزعزوع: صدى الشام

يحاول بحث جاد قدمه السيد جمال قارصلي عضو البرلمان الألماني سابقاً، والكاتب والباحث السيد طلال الجاسم تقديم رؤية مختلفة عما هو شائع عن تصورهما للحل في المسألة السورية التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، وقد اختار الباحثان تسمية مشروعهما الطموح “مشروع بناء الدولة السورية على أساس المواطنة” وعملاً على المشروع بشكل تطوعي كما قالا في نهاية البحث فلم يتم تمويله أو دعمه من أية جهة كانت، ورفعا البحث من ضمن أبحاث ومشاريع ودراسات أخرى لتوضع بين أيدي المعالجين الكثر الذين يبدون اهتمامهم، ولو نظرياً، بالوصول إلى حل للمسألة السورية، ومن بينهم منظمة الأمم المتحدة، وقد استند الباحثان في مشروعهما إلى العديد من الدراسات والأبحاث والصحف والتجارب التي مرت بها شعوب غيرنا، ليصلا إلى تقسيم إداري “افتراضي” يؤسس لدولة جديدة تراعي التنوع الموجود فيها، فلا يتفوق فيها أحد على أحد، ولا يكون فيها عداء بين مكوناتها، وهو يؤسس حقيقة لنظام لا مركزي قادر على طي السنوات الدموية التي عاشها وما زال يعيشها السوريون، تنطلق الدراسة من العام 2010 على اعتبار أن التاريخ بدءاً من العام 2011 بات مختلفاً وباتت معطياته مربكة جداً على أي باحث ودارس ومطلع، لكنهما لم يضعا سقفاً زمنياً لإمكانية البدء بتنفيذ “مشروعهما” لأن الأمور معلقة ولا يمكن فرض أي نوع من أنواع الحلول على أي طرف من الأطراف، وخاصة في ظل غياب إرادة دولية للوصول إلى حل ينهي المعاناة السورية، بل وبات الجميع يعلمون أن ثمة اتفاقاً دولياً على ترك الأمور منفلتة وتحويل سوريا إلى بؤرة فوضى مفتوحة على كافة الاحتمالات.

وكنا في مرات سابقة قد دعونا الكيانات العاملة في ما يسمى بالمعارضة السورية إلى التفكير جدياً في حلول “إبداعية” لما وصلت إليه الحال، والتخلي عن القوالب الجاهزة التي كانت موجودة، وعدم الانصياع وراء الشعارات الفارغة التي أكل عليها الدهر وشرب، لكن “تلك المعارضة” احتفظت بحقها بأن تكون تقليدية في كل شيء حتى وهي توجه “رسالة” تهنئة للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ولم ولن تجرؤ على التحول إلى طاقة ثورية، أكاد أزعم أن المشروع المشار إليه أعلاه استطاع الوصول إليها، فهو مشروع ثوري بشكل كامل، وهو أيضاً واقعي، يتعامل بمفردات الواقع وما أفرزته السنوات الست الماضية من تمزيق وتفكيك، وينبغي على أي عامل في الشأن العام أن يجيد التعامل مع هذه المفردات بحرفية عالية، أشبه بالحرفية التي يتمتع بها محترفو تجميع “البزل” وهي لعبة القطع المفككة التي تشكل في النهاية شكلاً قد يكون مدينة أو خريطة أو غابة..

وقد تحولت سوريا حقيقة وليس خيالاً إلى “بزل” مفكك، وينبغي إعادة تركيبه بحذر شديد لأن فقدان أي قطعة مهما كانت صغيرة يعني أن الصورة لن تكتمل وأن اللعبة ستفشل..

وبالعودة إلى المشروع الذي لا يرفع من سقف توقعاته، فهو لا يهدم الدولة ولا يطالب بتفتيتها كما قد يبدو من النظرة الأولى، لكنه يريد لها أن تتخلص من تشكيلتها الإدارية الرتيبة التي كانت  سائدة فيقترح على سبيل المثال تقسيم سوريا إلى أربع وثلاثين محافظة، ويبقي على دمشق عاصمة للبلاد، ثم ينتقل للدعوة لمؤتمر وطني عام يدعى إليه الجميع يتم بإشراف أممي وعربي وإقليمي وإسلامي، يكون هدفه بالدرجة الأولى وقف إطلاق النار، ويتم خلال هذا المؤتمر اختيار أعضاء للبرلمان يمثلون كافة مكونات الشعب السوري بشكل عادل، ويتفق خلاله كذلك على شكل الحكم في المرحلة الانتقالية, لامركزية إدارية أم سياسية أم فيدرالية وتشكيل حكومة كفاءات من شخصيات وطنية نزيهة وتمثل كل المكونات والمحافظات. وتبدأ بعد المؤتمر المرحلة التحضيرية ويحدد الباحثان مدتها بسنتين يمكن تلخيص عملها بأنه تقوم بالتمهيد للمرحلة الانتقالية وتعمل على تشكيل جمعية تأسيسية من أجل وضع تصورات للدستور وتكليف لجان من الأكاديميين المختصين من كل المكونات بصياغة مشروع دستور جديد مؤقت للبلاد، ويضعان تصورهما لشكل الحكم خلال المرحلة التحضيرية وطريقة تقسيم السلطات وتوزيعها. ثم تبدأ المرحلة الانتقالية والتي تدوم أربع سنوات ويتم العمل فيها على إخراج سوريا إلى بر الأمان وتثبيت السلام، ووضع الأسس المتينة لمرحلة دائمة تكون عبر حكم سياسي ناضج، ويشددان على ضرورة استقلالية القضاء وفصل السلطات عن بعضها بعضًا. وبعد انتهاء السنوات الأربع يتم الانتقال إلى المرحلة الدائمة والتي وضعا تصوراً كاملاً لها ولكيفية توزيع السلطات فيها، وكيفية إدارة الدولة…

والحقيقة أن هذا البحث يمثل قفزة إلى الأمام، ويمكنه بشكل أو بآخر الحفاظ على الجغرافية السورية، في حال كان أحد راغباً بالحفاظ عليها، كما أنه يضمن حقوق الجميع فلا غالب ولا مغلوب، وهو ما يحقق المواطنة التي أسس عليها الباحثان مشروعهما..

اقرا:

ثائر الزعزوع: السعودية لا تريد حماية المقامات في سوريا